رابط مباشر :
إظهار الرسائل ذات التسميات قسم اداب العالم والمتعلم. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات قسم اداب العالم والمتعلم. إظهار كافة الرسائل
الاثنين، 21 نوفمبر 2011
حمل كتاب المعين على تحصيل آداب العلم وأخلاق المتعلمين pdf نسخة مصورة
اسم الكتاب : المعين على تحصيل آداب العلم وأخلاق المتعلمين
المؤلف : عبدالرحمن بن ناصر السعدي
تحقيق : علي بن حسن الحلبي
الناشر : دار الصميعي ، السعودية ، ط 1 ، 1413 هـ / 1993 م
عدد الصفحات : 100 صفحة .
رابط مباشر :
رابط مباشر :
صفحة التحميل :
من مرفوعات الأخ الكريم : عبد الرحمن النجدي جزاه الله خيرا
الأحد، 20 مارس 2011
فهم الواقع والفقه فيه والعناية به
فهم الواقع والفقه فيه والعناية به .. ذلك كله يعين على تصور صحيح للمسألة محل الاجتهاد والتجديد, ومن ثم إصدار حكم مناسب لها [1] .. فالعالِم - كما يقول الإمام ابن القيم- هو "من يتوصل بمعرفة الواقع والفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله.. كما توصل شاهد يوسف عليه السلام بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه". 1-
1-إن "معرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه: يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكوناته، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها, إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه.
2-إن الفقه الحق لابد أن يكون واقعياً؛ يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ.
3- والواقع كالنهر الجاري؛ ماؤه الذي تراه اليوم غير مائه الذي رأيته بالأمس, وكذلك الواقع؛ ففي كل يوم، بل في كل لحظةٍ واقع جديد، يختلف كثيراً أو قليلاً عن سابقه .. ولا تعنينا –كما يقول الريسوني بحق- التغيرات الطفيفة والبطيئة, ولكن تعنينا التغيرات المؤثرة سواء جاءت بطيئة أو سريعة .. هذه التغيرات إذا أصابت أموراً هي مناط لبعض الأحكام فلابد أن تتغير تلك الأحكام التي تغيرت متعلقاتها .. فإذا ثبت أن الاعتبارات التي تغيرت كانت هي مناط الحكم، وعليها ولأجلها وضع الحكم، فلابد للفقيه أن يعيد النظر في ذلك الحكم موازناً بين ما تغير وما جدَّ, لتقرير الحكم الملائم للوضع الجديد وللحالة الجديدة، ذلك أن الحكم الذي وضعه الشرع، أو اجتهد فيه المجتهدون، لم يوضع للحالة الجديدة التي بين أيدينا". 2- [2]
ونلخص من هذا إلى أن الاجتهاد ينبغي أن يلحظ, بعين الاعتبار, الواقع المتغير دوماً؛ حتى يحقق مقاصد الشريعة.
4- إن ما ندعو إليه هو فهم الواقع, والتواصل الحقيقي مع الأمة وأحوالها, والوعي بما يجري فيها من توجهات وأعراف وميول ونوازع .. ثم محاولة فهم للواجب الذي سنقوم به حيال هذا الواقع من خلال أحكام الشريعة.
5- وعلى كلٍ منا أن يتذكر قول عمر بن الخطاب, في رسالته الشهيرة (ودع عنك مسألة ثبوتها من عدمه؛ فإنما يهمنا المضمون) لأبي موسى الأشعري في القضاء, "الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك"؛ فنحن للأسف قد اعتدنا أن نفهم الأحكام الشرعية مجردة عن الواقع، ثم ندعي مناسبتها له دون فهم عناصره ومقدماته وسياقه وقرائنه.
ولله در العز بن عبد السلام القائل بأن "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده، فهو باطل" [3] .. ولله در مالك بن نبي الذي فرَّقَ بين (الصحة) و(الصلاحية)؛ أي أن الكلام قد يكون (صحيحاً) ولكنه (غير صالح) [4] .. وهذا ينطبق على كل أنواع الفكر الإنساني - ومنه الاجتهاد الفقهي- الذي قد يكون فكراً صحيحاً في زمانه ومكانه ولكنه غير صالح لزمان ومكان آخر.
إن آفتنا - التي تقف عائقاً ضخماً في سبيل تقدمنا اليوم- هي أننا أمة لا تخضعُ للحقيقة, وإنما تبني الحقيقة، وغالباً ما تكون تلك الحقيقة التي تبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقاً لما نريد نحن، فموادها وعناصرها من عقولنا نحن دون مراعاةٍ للواقع في شيء .. فنحن دائماً نصوغ الفكرة في صورة الشعر؛ لا نستجيب للواقع, ولا ندرك أبعاده ومحدادته, وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع [5].
6/ 1- نحن نريد بفقه الواقع "أن ندرس المسألةَ -على الطبيعة لا على الورق- دراسةً علمية موضوعية بلا تهوين ولا تهويل, بعيداً عن أعين النظرات الحالمة والأفكار المتشائمة". [6].
إن المعنى الصحيح لمصطلح (فقه الواقع) هو: معرفة الواقع والخبرة بشئونه وأحواله على ما هي عليه .. وهو مصطلح وضع بجانب مصطلح (فقه التدين) ليكون مكملاً ومعيناً عليه, لا بديلاً عنه 6/ 2 - .. ولكن البعض يفهمه على أنه صنف جديد من الفقه يجب أن يحل محل الفقه القديم .. وفقه الواقع عند هؤلاء هو الفقه الذي (يخضع) للواقع, و(لا يصادمه), بل (يواكبه) بفتاوى (التسويغ والتأييد والقبول والترحيب) .. وهذا في الحقيقة ليس من الفقه, ولا من الاجتهاد, في شيء, وإنما هو - إن شئت الصراحة- (فقه نفي الشريعة) و(اجتهاد في إقصائها وإلغائها) .. ومن ثم, لا ينبغي, ولا يجوز, أن نلحق بالواقع وننخرط فيه كما تفعل السواقي والروافد في النهر العظيم المتدفق؛ تذوب فيه وتفنى, وتقويه وترفع من هديره, وربما تسهم في فيضانه وزيغانه .. وإنما الذي يجب علينا فعله هو أن نتفاعل ونتعارك, ونتحاور ونتدافع, مع الواقع, ليس فقط بنوع من الندية, بل بنوع من الاستعلاء؛ الاستعلاء المتواضع المحب للخير والنفع؛ إذ ضعف المسلمين لا ينبغي أن يحجب عنا قوة الإسلام [7].
7/1- ومن الأمثلة الدالة على أهمية رعاية الواقع وملابساته والتفقه فيه:
( أ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالّة الإبل, فقال للسائل: "دعها, معها حذاؤها وسقاؤها" .. فلما جاء عثمان (رضي الله عنه) أمر بأخذ ضالة الإبل, والتعريف بها, ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, فإذا جاء أخذه؛ لأنه رأى اختلافاً في الأحوال والعوائد .. لقد كان الأمر النبوي بترك ضالّة الإبل منطلقاً من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة, فإذا قلٍّت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية وارداِّ ومحتملاِّ .. فالأمر بالأخذ –والحال كذلك- محقق لنفس المصلحة من الأمر بالترك هناك.
وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهو يمثل اعترافاً من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجوداِّ لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية [8].
وأما الزعم بأن عثمان قد خالف سنة النبي
بفعله هذا, فهو زعم باطل؛ لأن عثمان نظر إلى مقاصد الشريعة في الحفاظ على أموال الناس, ففعل ما هو الأصلح في زمنه, كما فعل النبي
ما هو الأصلح في زمنه.
( ب ) ما كان من الفقيه المالكى الكبير والشهير: ابن أبي زيد القيرواني, فقد رووا أن حائطاً انهدم من داره, وكان يخاف على نفسه من بعض الناس, فاتخذ كلبا للحراسة وربطه فى الدار. فقيل له: إن الإمام مالك يكره ذلك. فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضارياً !!
7/2- ولنضرب الآن بعض الأمثلة التطبيقية في الموضوع :
( أ ) لقد كان علماؤنا قديماً لا يأخذون بشهادة حاسر الرأس أو حليق اللحية أو من يأكل على قارعة الطريق؛ باعتبار أن هذا من خوارم المروءة، ولو طبق هذا الرأي الفقهي الآن لخلت المحاكم من الشهود، فهذا مما عمت به البلوى .. فضلاً عن كون مسألة حلق اللحية أو عدم تغطية الرأس من الأمور الاجتهادية - لا القطعية- التي لا يجوز أصلاً إسقاط شهادة من يأتي بها .
( ب ) ولم يقبل علماؤنا القدامى كذلك شهادة البدوي على الحضري؛ لأنه غير عالم بحياة الحضري ولا نمط عيشه ولا مصطلحاته. بل وورد في كلام قدامى الفقهاء النهي عند إمامة البدوي للحضري؛ لأن الغالب أن الحضري أعرف بالأحكام وأشهد للجمع والصلوات في المساجد.
( ج ) ونحن نرى في أيامنا هذه أن لأهل الإسكيمو - من المسلمين- التيمم بالثلج؛ لانعدام الصعيد الطاهر، بل هو في ذاته صعيد طاهر - بالنسبة لبيئتهم- .. كما نرى جواز اقتنائهم الكلاب؛ لعدم قدرتهم على الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.
( د ) ومن أمثلة سوء إدراك الواقع - دون الدخول في تفاصيل بيان ذلك السوء؛ إذ لا يتسع المقام لها ههنا- :
· الرأي القائل بجواز عقد (معاهدات سلام) - لا (اتفاقيات هدنة)- مع العدو الإسرائيلي؛ وكأن ما بيننا وبينهم لم يكن إلا سحابة صيف؛ في حين أنه معركة حياة أو موت
· والرأي القائل بوجوب هجرة أهل فلسطين لفلسطين؛ والذي يَؤُول إلى إجازة - بل وجوب- هجرة كل أهل بلد لبلدهم؛ لمجرد كونه قد أصبح محتلاً من عدو غاشم ! ولو أخذت الشعوب الإنسانية بهذا الرأي لما وجدوا لهم مكاناً على سطح الكرة الأرضية ! ولَمَا كان عمران .. ولَمَا قامت حضارة !
· والرأي القائل بجواز شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل وضعه الراهن الذي يتطلب الحصول على تأشيرة دخول من الكيان الصهيوني الغاصب؛ مما يعني إقراراً ضمنياً - دون ضرورة ملجئة- بمشروعية تلك السلطة الاحتلالية الغاشمة؛ وهو ما لا يقول به مسلم يفقه دينه ويعي واقعه !
8/ 1 - ومما يساعد على فهم الواقع والفقه فيه: القراءة؛ فإن لها أهمية خاصة, بل هي الخلفية القوية التي يجب أن تكون وراء تفكير الفقيه -والداعية- , وضحالة القراءة, أو نضوب الثقافة, تهمة خطيرة - كما يقول بحق حكيم الدعوة الإسلامية/ محمد الغزالي- للمتحدثين في شؤون الدين, إذا صحت تزيل الثقة فيهم.
8/ 2 - إن القراءة - أي الثقافة[9]- هي الشيء الوحيد الذي يعطي فكرة صحيحة عن العالم وأوضاعه وشؤونه، وهي التي تضع حدوداً صحيحة لشتى المفاهيم، وكثيراً ما يكون قصور الفقهاء والدعاة راجعاً إلى فقرهم الثقافي.
والفقر الثقافي للعالم الديني - كما يقول بحق محمد الغزالي- أشد في خطورته من فقر الدم عند المرضى وضعاف الأجسام .. ولابد للفقيه - وكذلك الداعية إلى الله- أن يقرأ كل شيء، يقرأ كتب الإيمان ويقرأ الإلحاد .. يقرأ في كتب السنة، كما يقرأ في كتب المبتدعة .. باختصار: يقرأ كل منازع الفكر البشري المتفاوتة ليعرف الحياة والمؤثرات في جوانبها المتعددة.
ثم إن الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي أمر لا مناص منه, كما الاستفادة من كشوف الفلسفة الإنسانية في علوم النفس والاجتماع والسياسية والاقتصاد والتاريخ, ومزج ذلك كله بالفقه الصحيح للكتاب والسنة.
إن الرؤية الصحيحة لأحكام الشريعة, أو الحكم الصائب الذي ينبغي تقريره, لا يتم إلا على رحابة الأفق ووجود خلفية عظيمة من المعرفة القديمة والحديثة على السواء .. وربما كان أسلافنا القدامى قد رزقوا من سلامة الفطرة وحدة الذكاء ما يجعلهم قادرين على حسن الفهم والحكم، لكننا في هذا العصر لا نصل -في أغلبنا- إلى مستواهم إلا بعد دراسات مضاعفة .. كما يستعين صاحب النظر القصير بالمناظير المقربة حتى يعرف ما يقرأ أو حتى يدرك من بعيد مالا يستطيع رؤيته بالعين المجردة.
باختصار: يجب على الفقيه أن يكون عارفاً للكتاب والسنة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مطلعاً على التاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة والثقافات الإنسانية المعاصرة التي تتصل بشتى المذاهب والفلسفات .. كما يجب أن يبادل الناس الحوار بقلب مفتوح؛ فلا يكون أنانياً, ولا حاقداً, ولا تحركه النزوات العابرة, ولا ينحصر داخل تفكيره الخاص .. كما ينبغي أن يلتمس الأعذار للمخطئين, وألا يتربص بهم، بل يأخذ بأيديهم إذا تعثروا [10].
8/ 3 - وقد لاحظت أن هناك أصنافاً من المنتسبين للفقه تسيء إلى الإسلام أشد الإساءة, آتي على ذكر أحوالهم للتحذير من سلوك مسلكهم [11] :
· منهم من يشتغل بالتحريم المستمر فلا تسمع منه إلا أن الدين يرفض كذا وكذا دون أن يكلف نفسه أي عناء لتقديم البديل الذي يحتاج إليه الناس .. وكأن مهمته اعتراض السائرين في الطريق ليقفوا مكانهم دون أن يوجههم إلى طريق آخر أرشد وأصوب.
· ومنهم من يعيش في الماضي البعيد وكأن الإسلام دين لحقبة ماضية, وليس للحاضر ولا للمستقبل، والغريب أنك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلاً –وقد يكون محقاً في بعض ما يقوله- ولكنه ينسى أن الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيرت وحملت حقائق وعناوين أخرى.
· ومنهم من لا يفرق بين (الشكل) و(الموضوع), أو بين (الفرع) و(الأصل), أو بين (الجزئي) و (الكلي) بأي شكل من الأشكال .. فيبدد قواه كلها في محاربة هذا الشكل أو ذاك، أما الموضوع فهم لا يدرون ماذا يصنعون إزاءه .. ولهؤلاء عقلية لا تتماسك فيها صور الأشياء بنسب مضبوطة، ولذلك قد يهجمون شرقاً على عدو موهوم ويتركون غرباً عدواً ظاهراً، بل ربما حاربوا في غير عدو !!
9 - إن عملية استنباط الأحكام, وتقديم الفتاوى, عبارة عن جدل متواصل بين الفقه والواقع؛ إذ الواقع (مختبر) يستطيع أن يبين لنا ملاءمة الفتوى أو حرجها [12] .. ومن هنا كانت أهمية (اختبار الفقه في الواقع العملي)؛ إذ هو (المرجح المحايد), وقوله الفصل, عند اختلاف الآراء [13] .. وبـ (التجربة العملية) نستطيع أن نتدخل في مجرى الأمر محل الاجتهاد والبحث؛ بأن نحور تركيبه, أو نعدل الظروف التي يوجد فيها, مما يرفع درجة الضبط, ويٌمَكن للموضوعية [14] ؛ لأنه إذا كان الغالب أن تكون المصلحة المتوخاة من تقرير رأي اجتهادي مصلحةً ظنية, فإن (التجريب في الواقع) قد يعيننا على معرفة المصلحة القطعية, أو الراجحة على أقل تقدير.
10- وأختم بقول الأستاذ الفاضل/ عمر عبيد حسنة :
" تحديد المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومحاولة تصنيفها، وجدولة أولوياتها بحسب الإمكانات المتوفرة، ومن خلال مراعاة الظروف المحيطة، والاعتبار بالماضي، وفقه الأحكام الشرعية، وما يقتضيه تنزيلها على الواقع من توفر التأكد من أهلية محل التنزيل وتوفر شروطه... هو السبيل السليم للتعامل مع المجتمع، أو مع الواقع، وتقويمه بشرع الله وقيم الدين.
إن فهم الواقع والتعرف عليه بدقة، أو بعبارة أدق: فقه هذا الواقع الذي هو محل الأحكام وموضوعها، لا يتأتى من الرؤى الحسيرة، ولا المجازفات القاصرة، والانفعالات التي يحكمها رد الفعل، أو محاولات اختزال الماضي في موقف، أو الحكم على الواقع من خلال لحظة تاريخية، أو نتيجة قريبة، أو النظر إليه من خلال نقطة سوداء، أو حالة طفو زبد، أو شيوع غثاءٍ، بعيداً عن استكناه الحقائق الاجتماعية، وتجاوز الصورة إلى الحقيقة، واكتشاف القانون الاجتماعي أو قانون الحركة الاجتماعية أو ما يمكن أن نطلق عليه (المنهج السنني)، الذي يمكن من تفسير الظواهر على وجهها الصحيح، ويحدد مواقع القصور وأسباب التقصير، ويبصر العواقب والمآلات، ولا تخدشه النتائج القريبة والسريعة، وتأسره الانفعالات.
لقد أصبح فقه الواقع، أو فقه المجتمع، علم له أدواته ووسائل قياسه ، بل نستطيع أن نقول: إنه أصبح خلاصة لمجموعة علوم إنسانية واجتماعية وتاريخية، ولم تعد تنفع معه النظرة العابرة، أو الملاحظة الآنية، أو الأُمنية المخلصة.
إن علوم فقه الواقع اليوم أشبه بالحواس والنوافذ العقلية للحركة الإنسانية، والأمة التي تفتقدها في عالم اليوم أمة تعيش فيما يشبه مدارس الصم والبكم.
إن الانخراط في المجتمع، والاندماج فيه، والتعرف على مكوناته ومؤثراته، ودراسة الظواهر الاجتماعية، ومعرفة أسبابها، والمساهمة في دوائر الخير، ومحاولة التوسع فيها، على هدى وبصيرة، وعدم تشكيل أجسام بعيدة عن المجتمع، منفصلة عنه، وإقامة هياكل وكيانات وخيام خارج المجتمع والحياة، أو السير خلف المجتمع ورصد تصرفاته والحكم عليها، بدل الدخول في المجتمع وإغرائه بفعل الخير، هو سبيل الخروج من المأزق الذي نحياه.
إن فقه المجتمع والواقع يوازي فقه النص، وبدون فقه المحل ومعرفة الاستطاعات بشكل علمي وموضوعي فسوف تستمر المجازفات وهدر الطاقات، والعبث بالأحكام الشرعية، والمساهمة السلبية بالإساءة إليها، ولو عن حسن نية، فلا يمكن أن يسمى فقيهاً حامل النصوص، لأن فقه أبعاد التكليف قسيم فقه النص ومكمل له، فلا فقه لنص بلا فقه لمحله ". اهـ
مصدر الدراسة (انظره غير مأمور؛ إن رمتَ الاستزادة والتفصيل والتأصيل) :
في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم د/ محمد عمارة, ط 1, 2010م, دار السلام بالأزهر - القاهرة (سوف يتوافر الكتاب قريباً جداً إن شاء الله)
[1] إن إعمال (النصوص) في (الواقع المتنوع المتغير) لا يجري عن طريق (استدعاء دلالات النص) فقط, ولكنه يلزم له أيضاً, وعلى ذات الدرجة من الأهمية, أن يتم (توصيف الواقع بوصف يٌمَكن من إنزال حكم النص عليه).
[2] الاجتهاد: النص, الواقع, المصلحة, شاطبي العصر أستاذنا العلامة د/ أحمد الريسوني, ص (64, 68, 69), ط 1, 2002م, دار الفكر- دمشق.
ونذكر ههنا بقول ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية" : (والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام، أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله، فهاهنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا؛ فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع).
كما نذكر بقول القرافي : "إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: جهالةٌ في الدين".
[3] قواعد الأحكام في مصالح الأنام, العز بن عبد السلام, 2/143, ط 1986م, ط الكليات الأزهرية, وعنها دار الكتب العلمية اللبنانية.
[4] نقاط منهاجية في التعامل مع إشكالياتنا الفكرية, د/ نصر محمد عارف, مجلة الرشاد, العدد 5, ديسمبر 1997م.
[5] نفس المرجع السابق.
[6] في فقه الأقليات المسلمة, العلامة الفقيه المجتهد د/ يوسف القرضاوي, ص (45), ط 1 , 2001م, دار الشروق - القاهرة
[7] "سيادة نزعة التشديد سبب كثرة المحرمات" : حوار مع د/ أحمد الريسوني, أجراه معه موقع إسلام أون لاين, في 14 أبريل 2007م.
[8] التجديد, رياض أدهمي, مجلة الرشاد.
[9] لست أبغي بذلك حصر التقافة في القراءة؛ لأن ذلك قصور واضح, وخلل فاضح .. وإنما مقصودي بهذه العبارة هو أن القراءة هي أحد أهم الروافد الثقافية, إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
[10] خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة, إعداد/ قطب عبد الحميد قطب, ومراجعة/ د. محمد عاشور,(1/13- 18), ط 1987م,, دار الاعتصام- القاهرة.
[11] نفس المرجع السابق.
[12] والحرج في الأصل لا يتأتى إلا إذا أصاب الخللٌ قواعدَ المنهجية الضابطة لـ, والمعينة على, استخلاص الحكم واصدار الفتوى.
[13] في فقه الأقليات المسلمة, د/ طه جابر العلواني, ص (34), ط يونيه 2000م, مكتبة نهضة مصر- القاهرة.
[14] نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج, العلامة الفقيه المجتهد/ عبد الحليم أبو شقة, ص (133, 141, 132), ط 2, 2005م, دار القلم- الكويت- القاهرة.
1-إن "معرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه: يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكوناته، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها, إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه.
2-إن الفقه الحق لابد أن يكون واقعياً؛ يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ.
3- والواقع كالنهر الجاري؛ ماؤه الذي تراه اليوم غير مائه الذي رأيته بالأمس, وكذلك الواقع؛ ففي كل يوم، بل في كل لحظةٍ واقع جديد، يختلف كثيراً أو قليلاً عن سابقه .. ولا تعنينا –كما يقول الريسوني بحق- التغيرات الطفيفة والبطيئة, ولكن تعنينا التغيرات المؤثرة سواء جاءت بطيئة أو سريعة .. هذه التغيرات إذا أصابت أموراً هي مناط لبعض الأحكام فلابد أن تتغير تلك الأحكام التي تغيرت متعلقاتها .. فإذا ثبت أن الاعتبارات التي تغيرت كانت هي مناط الحكم، وعليها ولأجلها وضع الحكم، فلابد للفقيه أن يعيد النظر في ذلك الحكم موازناً بين ما تغير وما جدَّ, لتقرير الحكم الملائم للوضع الجديد وللحالة الجديدة، ذلك أن الحكم الذي وضعه الشرع، أو اجتهد فيه المجتهدون، لم يوضع للحالة الجديدة التي بين أيدينا". 2- [2]
ونلخص من هذا إلى أن الاجتهاد ينبغي أن يلحظ, بعين الاعتبار, الواقع المتغير دوماً؛ حتى يحقق مقاصد الشريعة.
4- إن ما ندعو إليه هو فهم الواقع, والتواصل الحقيقي مع الأمة وأحوالها, والوعي بما يجري فيها من توجهات وأعراف وميول ونوازع .. ثم محاولة فهم للواجب الذي سنقوم به حيال هذا الواقع من خلال أحكام الشريعة.
5- وعلى كلٍ منا أن يتذكر قول عمر بن الخطاب, في رسالته الشهيرة (ودع عنك مسألة ثبوتها من عدمه؛ فإنما يهمنا المضمون) لأبي موسى الأشعري في القضاء, "الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك"؛ فنحن للأسف قد اعتدنا أن نفهم الأحكام الشرعية مجردة عن الواقع، ثم ندعي مناسبتها له دون فهم عناصره ومقدماته وسياقه وقرائنه.
ولله در العز بن عبد السلام القائل بأن "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده، فهو باطل" [3] .. ولله در مالك بن نبي الذي فرَّقَ بين (الصحة) و(الصلاحية)؛ أي أن الكلام قد يكون (صحيحاً) ولكنه (غير صالح) [4] .. وهذا ينطبق على كل أنواع الفكر الإنساني - ومنه الاجتهاد الفقهي- الذي قد يكون فكراً صحيحاً في زمانه ومكانه ولكنه غير صالح لزمان ومكان آخر.
إن آفتنا - التي تقف عائقاً ضخماً في سبيل تقدمنا اليوم- هي أننا أمة لا تخضعُ للحقيقة, وإنما تبني الحقيقة، وغالباً ما تكون تلك الحقيقة التي تبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقاً لما نريد نحن، فموادها وعناصرها من عقولنا نحن دون مراعاةٍ للواقع في شيء .. فنحن دائماً نصوغ الفكرة في صورة الشعر؛ لا نستجيب للواقع, ولا ندرك أبعاده ومحدادته, وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع [5].
6/ 1- نحن نريد بفقه الواقع "أن ندرس المسألةَ -على الطبيعة لا على الورق- دراسةً علمية موضوعية بلا تهوين ولا تهويل, بعيداً عن أعين النظرات الحالمة والأفكار المتشائمة". [6].
إن المعنى الصحيح لمصطلح (فقه الواقع) هو: معرفة الواقع والخبرة بشئونه وأحواله على ما هي عليه .. وهو مصطلح وضع بجانب مصطلح (فقه التدين) ليكون مكملاً ومعيناً عليه, لا بديلاً عنه 6/ 2 - .. ولكن البعض يفهمه على أنه صنف جديد من الفقه يجب أن يحل محل الفقه القديم .. وفقه الواقع عند هؤلاء هو الفقه الذي (يخضع) للواقع, و(لا يصادمه), بل (يواكبه) بفتاوى (التسويغ والتأييد والقبول والترحيب) .. وهذا في الحقيقة ليس من الفقه, ولا من الاجتهاد, في شيء, وإنما هو - إن شئت الصراحة- (فقه نفي الشريعة) و(اجتهاد في إقصائها وإلغائها) .. ومن ثم, لا ينبغي, ولا يجوز, أن نلحق بالواقع وننخرط فيه كما تفعل السواقي والروافد في النهر العظيم المتدفق؛ تذوب فيه وتفنى, وتقويه وترفع من هديره, وربما تسهم في فيضانه وزيغانه .. وإنما الذي يجب علينا فعله هو أن نتفاعل ونتعارك, ونتحاور ونتدافع, مع الواقع, ليس فقط بنوع من الندية, بل بنوع من الاستعلاء؛ الاستعلاء المتواضع المحب للخير والنفع؛ إذ ضعف المسلمين لا ينبغي أن يحجب عنا قوة الإسلام [7].
7/1- ومن الأمثلة الدالة على أهمية رعاية الواقع وملابساته والتفقه فيه:
( أ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالّة الإبل, فقال للسائل: "دعها, معها حذاؤها وسقاؤها" .. فلما جاء عثمان (رضي الله عنه) أمر بأخذ ضالة الإبل, والتعريف بها, ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, فإذا جاء أخذه؛ لأنه رأى اختلافاً في الأحوال والعوائد .. لقد كان الأمر النبوي بترك ضالّة الإبل منطلقاً من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة, فإذا قلٍّت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية وارداِّ ومحتملاِّ .. فالأمر بالأخذ –والحال كذلك- محقق لنفس المصلحة من الأمر بالترك هناك.
وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهو يمثل اعترافاً من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجوداِّ لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية [8].
وأما الزعم بأن عثمان قد خالف سنة النبي
( ب ) ما كان من الفقيه المالكى الكبير والشهير: ابن أبي زيد القيرواني, فقد رووا أن حائطاً انهدم من داره, وكان يخاف على نفسه من بعض الناس, فاتخذ كلبا للحراسة وربطه فى الدار. فقيل له: إن الإمام مالك يكره ذلك. فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضارياً !!
7/2- ولنضرب الآن بعض الأمثلة التطبيقية في الموضوع :
( أ ) لقد كان علماؤنا قديماً لا يأخذون بشهادة حاسر الرأس أو حليق اللحية أو من يأكل على قارعة الطريق؛ باعتبار أن هذا من خوارم المروءة، ولو طبق هذا الرأي الفقهي الآن لخلت المحاكم من الشهود، فهذا مما عمت به البلوى .. فضلاً عن كون مسألة حلق اللحية أو عدم تغطية الرأس من الأمور الاجتهادية - لا القطعية- التي لا يجوز أصلاً إسقاط شهادة من يأتي بها .
( ب ) ولم يقبل علماؤنا القدامى كذلك شهادة البدوي على الحضري؛ لأنه غير عالم بحياة الحضري ولا نمط عيشه ولا مصطلحاته. بل وورد في كلام قدامى الفقهاء النهي عند إمامة البدوي للحضري؛ لأن الغالب أن الحضري أعرف بالأحكام وأشهد للجمع والصلوات في المساجد.
( ج ) ونحن نرى في أيامنا هذه أن لأهل الإسكيمو - من المسلمين- التيمم بالثلج؛ لانعدام الصعيد الطاهر، بل هو في ذاته صعيد طاهر - بالنسبة لبيئتهم- .. كما نرى جواز اقتنائهم الكلاب؛ لعدم قدرتهم على الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.
( د ) ومن أمثلة سوء إدراك الواقع - دون الدخول في تفاصيل بيان ذلك السوء؛ إذ لا يتسع المقام لها ههنا- :
· الرأي القائل بجواز عقد (معاهدات سلام) - لا (اتفاقيات هدنة)- مع العدو الإسرائيلي؛ وكأن ما بيننا وبينهم لم يكن إلا سحابة صيف؛ في حين أنه معركة حياة أو موت
· والرأي القائل بوجوب هجرة أهل فلسطين لفلسطين؛ والذي يَؤُول إلى إجازة - بل وجوب- هجرة كل أهل بلد لبلدهم؛ لمجرد كونه قد أصبح محتلاً من عدو غاشم ! ولو أخذت الشعوب الإنسانية بهذا الرأي لما وجدوا لهم مكاناً على سطح الكرة الأرضية ! ولَمَا كان عمران .. ولَمَا قامت حضارة !
· والرأي القائل بجواز شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل وضعه الراهن الذي يتطلب الحصول على تأشيرة دخول من الكيان الصهيوني الغاصب؛ مما يعني إقراراً ضمنياً - دون ضرورة ملجئة- بمشروعية تلك السلطة الاحتلالية الغاشمة؛ وهو ما لا يقول به مسلم يفقه دينه ويعي واقعه !
8/ 1 - ومما يساعد على فهم الواقع والفقه فيه: القراءة؛ فإن لها أهمية خاصة, بل هي الخلفية القوية التي يجب أن تكون وراء تفكير الفقيه -والداعية- , وضحالة القراءة, أو نضوب الثقافة, تهمة خطيرة - كما يقول بحق حكيم الدعوة الإسلامية/ محمد الغزالي- للمتحدثين في شؤون الدين, إذا صحت تزيل الثقة فيهم.
8/ 2 - إن القراءة - أي الثقافة[9]- هي الشيء الوحيد الذي يعطي فكرة صحيحة عن العالم وأوضاعه وشؤونه، وهي التي تضع حدوداً صحيحة لشتى المفاهيم، وكثيراً ما يكون قصور الفقهاء والدعاة راجعاً إلى فقرهم الثقافي.
والفقر الثقافي للعالم الديني - كما يقول بحق محمد الغزالي- أشد في خطورته من فقر الدم عند المرضى وضعاف الأجسام .. ولابد للفقيه - وكذلك الداعية إلى الله- أن يقرأ كل شيء، يقرأ كتب الإيمان ويقرأ الإلحاد .. يقرأ في كتب السنة، كما يقرأ في كتب المبتدعة .. باختصار: يقرأ كل منازع الفكر البشري المتفاوتة ليعرف الحياة والمؤثرات في جوانبها المتعددة.
ثم إن الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي أمر لا مناص منه, كما الاستفادة من كشوف الفلسفة الإنسانية في علوم النفس والاجتماع والسياسية والاقتصاد والتاريخ, ومزج ذلك كله بالفقه الصحيح للكتاب والسنة.
إن الرؤية الصحيحة لأحكام الشريعة, أو الحكم الصائب الذي ينبغي تقريره, لا يتم إلا على رحابة الأفق ووجود خلفية عظيمة من المعرفة القديمة والحديثة على السواء .. وربما كان أسلافنا القدامى قد رزقوا من سلامة الفطرة وحدة الذكاء ما يجعلهم قادرين على حسن الفهم والحكم، لكننا في هذا العصر لا نصل -في أغلبنا- إلى مستواهم إلا بعد دراسات مضاعفة .. كما يستعين صاحب النظر القصير بالمناظير المقربة حتى يعرف ما يقرأ أو حتى يدرك من بعيد مالا يستطيع رؤيته بالعين المجردة.
باختصار: يجب على الفقيه أن يكون عارفاً للكتاب والسنة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مطلعاً على التاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة والثقافات الإنسانية المعاصرة التي تتصل بشتى المذاهب والفلسفات .. كما يجب أن يبادل الناس الحوار بقلب مفتوح؛ فلا يكون أنانياً, ولا حاقداً, ولا تحركه النزوات العابرة, ولا ينحصر داخل تفكيره الخاص .. كما ينبغي أن يلتمس الأعذار للمخطئين, وألا يتربص بهم، بل يأخذ بأيديهم إذا تعثروا [10].
8/ 3 - وقد لاحظت أن هناك أصنافاً من المنتسبين للفقه تسيء إلى الإسلام أشد الإساءة, آتي على ذكر أحوالهم للتحذير من سلوك مسلكهم [11] :
· منهم من يشتغل بالتحريم المستمر فلا تسمع منه إلا أن الدين يرفض كذا وكذا دون أن يكلف نفسه أي عناء لتقديم البديل الذي يحتاج إليه الناس .. وكأن مهمته اعتراض السائرين في الطريق ليقفوا مكانهم دون أن يوجههم إلى طريق آخر أرشد وأصوب.
· ومنهم من يعيش في الماضي البعيد وكأن الإسلام دين لحقبة ماضية, وليس للحاضر ولا للمستقبل، والغريب أنك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلاً –وقد يكون محقاً في بعض ما يقوله- ولكنه ينسى أن الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيرت وحملت حقائق وعناوين أخرى.
· ومنهم من لا يفرق بين (الشكل) و(الموضوع), أو بين (الفرع) و(الأصل), أو بين (الجزئي) و (الكلي) بأي شكل من الأشكال .. فيبدد قواه كلها في محاربة هذا الشكل أو ذاك، أما الموضوع فهم لا يدرون ماذا يصنعون إزاءه .. ولهؤلاء عقلية لا تتماسك فيها صور الأشياء بنسب مضبوطة، ولذلك قد يهجمون شرقاً على عدو موهوم ويتركون غرباً عدواً ظاهراً، بل ربما حاربوا في غير عدو !!
9 - إن عملية استنباط الأحكام, وتقديم الفتاوى, عبارة عن جدل متواصل بين الفقه والواقع؛ إذ الواقع (مختبر) يستطيع أن يبين لنا ملاءمة الفتوى أو حرجها [12] .. ومن هنا كانت أهمية (اختبار الفقه في الواقع العملي)؛ إذ هو (المرجح المحايد), وقوله الفصل, عند اختلاف الآراء [13] .. وبـ (التجربة العملية) نستطيع أن نتدخل في مجرى الأمر محل الاجتهاد والبحث؛ بأن نحور تركيبه, أو نعدل الظروف التي يوجد فيها, مما يرفع درجة الضبط, ويٌمَكن للموضوعية [14] ؛ لأنه إذا كان الغالب أن تكون المصلحة المتوخاة من تقرير رأي اجتهادي مصلحةً ظنية, فإن (التجريب في الواقع) قد يعيننا على معرفة المصلحة القطعية, أو الراجحة على أقل تقدير.
10- وأختم بقول الأستاذ الفاضل/ عمر عبيد حسنة :
" تحديد المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومحاولة تصنيفها، وجدولة أولوياتها بحسب الإمكانات المتوفرة، ومن خلال مراعاة الظروف المحيطة، والاعتبار بالماضي، وفقه الأحكام الشرعية، وما يقتضيه تنزيلها على الواقع من توفر التأكد من أهلية محل التنزيل وتوفر شروطه... هو السبيل السليم للتعامل مع المجتمع، أو مع الواقع، وتقويمه بشرع الله وقيم الدين.
إن فهم الواقع والتعرف عليه بدقة، أو بعبارة أدق: فقه هذا الواقع الذي هو محل الأحكام وموضوعها، لا يتأتى من الرؤى الحسيرة، ولا المجازفات القاصرة، والانفعالات التي يحكمها رد الفعل، أو محاولات اختزال الماضي في موقف، أو الحكم على الواقع من خلال لحظة تاريخية، أو نتيجة قريبة، أو النظر إليه من خلال نقطة سوداء، أو حالة طفو زبد، أو شيوع غثاءٍ، بعيداً عن استكناه الحقائق الاجتماعية، وتجاوز الصورة إلى الحقيقة، واكتشاف القانون الاجتماعي أو قانون الحركة الاجتماعية أو ما يمكن أن نطلق عليه (المنهج السنني)، الذي يمكن من تفسير الظواهر على وجهها الصحيح، ويحدد مواقع القصور وأسباب التقصير، ويبصر العواقب والمآلات، ولا تخدشه النتائج القريبة والسريعة، وتأسره الانفعالات.
لقد أصبح فقه الواقع، أو فقه المجتمع، علم له أدواته ووسائل قياسه ، بل نستطيع أن نقول: إنه أصبح خلاصة لمجموعة علوم إنسانية واجتماعية وتاريخية، ولم تعد تنفع معه النظرة العابرة، أو الملاحظة الآنية، أو الأُمنية المخلصة.
إن علوم فقه الواقع اليوم أشبه بالحواس والنوافذ العقلية للحركة الإنسانية، والأمة التي تفتقدها في عالم اليوم أمة تعيش فيما يشبه مدارس الصم والبكم.
إن الانخراط في المجتمع، والاندماج فيه، والتعرف على مكوناته ومؤثراته، ودراسة الظواهر الاجتماعية، ومعرفة أسبابها، والمساهمة في دوائر الخير، ومحاولة التوسع فيها، على هدى وبصيرة، وعدم تشكيل أجسام بعيدة عن المجتمع، منفصلة عنه، وإقامة هياكل وكيانات وخيام خارج المجتمع والحياة، أو السير خلف المجتمع ورصد تصرفاته والحكم عليها، بدل الدخول في المجتمع وإغرائه بفعل الخير، هو سبيل الخروج من المأزق الذي نحياه.
إن فقه المجتمع والواقع يوازي فقه النص، وبدون فقه المحل ومعرفة الاستطاعات بشكل علمي وموضوعي فسوف تستمر المجازفات وهدر الطاقات، والعبث بالأحكام الشرعية، والمساهمة السلبية بالإساءة إليها، ولو عن حسن نية، فلا يمكن أن يسمى فقيهاً حامل النصوص، لأن فقه أبعاد التكليف قسيم فقه النص ومكمل له، فلا فقه لنص بلا فقه لمحله ". اهـ
والله أعلم
مصدر الدراسة (انظره غير مأمور؛ إن رمتَ الاستزادة والتفصيل والتأصيل) :
في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم د/ محمد عمارة, ط 1, 2010م, دار السلام بالأزهر - القاهرة (سوف يتوافر الكتاب قريباً جداً إن شاء الله)
الهوامش
[1] إن إعمال (النصوص) في (الواقع المتنوع المتغير) لا يجري عن طريق (استدعاء دلالات النص) فقط, ولكنه يلزم له أيضاً, وعلى ذات الدرجة من الأهمية, أن يتم (توصيف الواقع بوصف يٌمَكن من إنزال حكم النص عليه).
[2] الاجتهاد: النص, الواقع, المصلحة, شاطبي العصر أستاذنا العلامة د/ أحمد الريسوني, ص (64, 68, 69), ط 1, 2002م, دار الفكر- دمشق.
ونذكر ههنا بقول ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية" : (والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام، أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله، فهاهنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا؛ فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع).
كما نذكر بقول القرافي : "إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: جهالةٌ في الدين".
[3] قواعد الأحكام في مصالح الأنام, العز بن عبد السلام, 2/143, ط 1986م, ط الكليات الأزهرية, وعنها دار الكتب العلمية اللبنانية.
[4] نقاط منهاجية في التعامل مع إشكالياتنا الفكرية, د/ نصر محمد عارف, مجلة الرشاد, العدد 5, ديسمبر 1997م.
[5] نفس المرجع السابق.
[6] في فقه الأقليات المسلمة, العلامة الفقيه المجتهد د/ يوسف القرضاوي, ص (45), ط 1 , 2001م, دار الشروق - القاهرة
[7] "سيادة نزعة التشديد سبب كثرة المحرمات" : حوار مع د/ أحمد الريسوني, أجراه معه موقع إسلام أون لاين, في 14 أبريل 2007م.
[8] التجديد, رياض أدهمي, مجلة الرشاد.
[9] لست أبغي بذلك حصر التقافة في القراءة؛ لأن ذلك قصور واضح, وخلل فاضح .. وإنما مقصودي بهذه العبارة هو أن القراءة هي أحد أهم الروافد الثقافية, إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
[10] خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة, إعداد/ قطب عبد الحميد قطب, ومراجعة/ د. محمد عاشور,(1/13- 18), ط 1987م,, دار الاعتصام- القاهرة.
[11] نفس المرجع السابق.
[12] والحرج في الأصل لا يتأتى إلا إذا أصاب الخللٌ قواعدَ المنهجية الضابطة لـ, والمعينة على, استخلاص الحكم واصدار الفتوى.
[13] في فقه الأقليات المسلمة, د/ طه جابر العلواني, ص (34), ط يونيه 2000م, مكتبة نهضة مصر- القاهرة.
[14] نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج, العلامة الفقيه المجتهد/ عبد الحليم أبو شقة, ص (133, 141, 132), ط 2, 2005م, دار القلم- الكويت- القاهرة.
الاثنين، 18 أكتوبر 2010
كتاب ضوابط نقد العلماء والدعاة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة "نسخة مصورة"
بيانات الكتاب .. | |
| العنوان | ضوابط نقد العلماء والدعاة في ضوء عقيدة اهل السنة والجماعة ( نسخة مصورة ) |
| المؤلف | خالد بن محمد البحر جاسور |
| نبذه عن الكتاب | مراجعة الدكتور أحمد فريد |
| http://tahasafeer.blogspot.com/ | |
| رابط التحميل | |
الأربعاء، 15 سبتمبر 2010
من أخلاق العلماء محاربة البدع
من أخلاق العلماء محاربة البدع والأهواء ومحو آثار الشعوذة والتدجيل قال صلى الله عليه وسلم :"سيكون في أمتي دجالون كذابون يأتونكم ببدع من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا أباؤكم فإياكم وإياهم لا يفتنونكم". وقال صلى الله عليه وسلم : من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين أصبعيه' ومن أحق ب‘حياء السنة وإماتة البدعة من العلماء؟
قيل لعمر يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن فقال اللهم أمكني فيه فبينما هو ذات يوم يغدي الناس إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة فتغدى ,حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين "والذاريات ذروا فالحاملات وقرا " فقال عمر أنت هو؟ فقامن إليه حاسرا عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته , فقال : والذي نفسي بيده لو وجدت محلوقا لضربت رأسك".
وكتب اسد ين موسى المعروف بأسد السنة إلى أسد بن الفرات يقول : اعلم يا أخي أن مما حملني على الكتابة إليك .ما أنكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك للناس , وحسن حالك ومما أظهرت من السنة , وعيبك لأهل البدعة , وكثرة ذكرك لهم . وطعنك عليهم فقمعهم الله بك .وشد بك ظهر ألآهل السنة وقاك عليهم وأذلهم الله لك وصاروا ببدعتهم مستترين , فأبشر يا أخي بثواب الله واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله.
واسد بن الفرات هذا من قضاة العدل .كان شديدا على أهل البدع .حمل راية السنة بإفريقية وكان عالما عاملا وبطلا شجاعا تولى قيادة الجيش أيام زيادة الله الأغلبي , وهو الذي فتح جزيرة صقلية , وتوفي من اثر جراحات أصابته وهو محاصر سرقسوسة سنة213هـ .
ومن الذين كرسوا حياتهم لمحاربة البدع والأهواء : أبو محمد الهبطي , فقد جرد قلمه ولسانه لفضح عوارت المبتدعة , والتنديد بأعمالهم الشنيعة , ولقد هدى الله به خلقا كثيرا.
وله في ذلك رسائل ومؤلفات منها "الألفية السنية فيما أحدث في الملة الإسلامية" . وقد جعل المبتدعة فيها قسمين : عامة وخاصة , وعدد من بدع العامة – في افيمان , والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر المعاملات...
إن العوام خرقوا الشريعة *** وبدلوها منكرا وبدعة
قد جمعوا خبائث الأخلاق*** كالحنث بالحرام والطلاق
****
قد مزقوا دين النبي محمد
.........................
كم من نصيحة لهم ادينا *** وكـم خفـية لهم بينا
عار عليكم أيها الأحبار *** ترك الذين للفساد صاروا
عار عليكم أيها الملوك *** ترك الذين دينهم متروك
وجعل الخاصة ثلاثة أصناف : فقهاء وصوفية وملوكا.
يقول في فقهاء عصره الذين يتولوه الفتيا والحكم بين الناس :
لو كان أهل القطر مؤمنينا *** ما بدلوا حكم الإله فينا
وانظر إلى عصبة الأبالس *** قد جعلوا الإيمان في البرانس
ويقول في ملوك عصره :
إذا نظرت في ملوك العصر *** وما فيهم من نقمة وجور
ثم نظرت إلى ملوك العدل *** ومالهم بين الورى من فضل
تمزق الفؤاد في طي الحشا*** وود لو كان مات ومشى
الجمعة، 3 سبتمبر 2010
اداب طالب العلم (5-5)
آداب طالب العلم (5 ـ 5)
10/ احترام العلماء من غير تقديس، واتباعهم من غير تقليد :
فيجب على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابلوا هذا بالاعتذار عمن سلك سبيلاً خطأ في اعتقادهم، وهذه نقطة مهمة جداً، لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين، ليتخذ منها ما ليس لائقاً في حقهم، ويشوّش على الناس سمعتهم، وهذا من أكبر الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامّي من الناس من كبائر الذنوب، فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر، لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضرره على العالم بل عليه وعلى ما يحمله من العلم الشرعي"(1).
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلِّم عليه خاصَّة، وعلى القوم عامّة، وتجلس قُدَّامه، ولا تشِر بيديك، ولا تغمِز بعينَيك، ولا تقُل: قال فلان خلافَ قولك، ولا تأخذ بثوبِه، ولا تُلحَّ عليه في السؤال، فإنّه بمنزلة النخلة المُرطبة التي لا يزال يسقط عليك منها شيء)(2).
11/ رحابة الصدر في مسائل الخلاف :
فينبغي أن يكون صدرطالب العلم رحباً في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد؛ لأن مسائل الخلاف بين العلماء إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه، ويكون الأمر فيها واضحاً، فهذه لا يعذَر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال، فهذه يعذر فيها من خالفها"(3).
12/ التأدب مع الشيخ:
بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذاً بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق. فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال، والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه بل قل: " يا شيخي، أو يا شيخنا.
وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً (4) .
13/ مذاكرة العلم وكتابة مااستفاده :
وقد قيل : إحياء العلم مذاكرته ** فأدم للعلم مذاكرته
ولقد كان سلفنا الصالح يتواصون بمذاكرة العلم ، يقول أحدهم: مذاكرة ليلة أحب إلي من إحيائها. يعني : جلوسي في هذه الليلة أتذكر العلم وأتذكر ما حفظته أحب إلي من أن أقومها قراءة وتهجدا وصلاة وركوعا وسجودا .
وينبغي على طالب العلم كلما استفاد فائدة أثبتها معه في دفتر أو ورقة وكررها إلى أن يحفظها . يقول العلماء : " إن ما حفظ فر وما كتب قر " ، أي أن ما كتبته ستجده فيما بعد .. ويشبهون العلم بالصيد، فيقول بعضهم:
العلم صيد والكتابة قيده ** فاحفظ لصيدك قيده أن يفلت
14/ الدعوة إلى الله تعالى والاجتهاد في نشر العلم :
فيوظف هذا العلم في الدعوة إلى الله تعالى على هدى وبصيرة قال تعالى: ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) {108} فالداعية لا بد وأن يستغل كل مناسبة ويدعو إلى تعالى في شتى الميادين في المسجد وفي المدرسة وفي المعهد وفي السوق وفي الأعياد والمناسبات ، ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على نشر العلم ورغبنا فيه فعَن أنس بْن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه صَلى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (نضّر اللّه عَبْدا سمع مقَالَتي فوعاها، ثُمَّ بلغها عَنْي. فرب حامل فقه غَيْر فقيه. ورب حامل فقه إِلَى من هُوَ أفقه منه) رواه ابن ماجه (5) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب العلم للشيخ محمد بن عثيمين (ص41).
(2) كتاب العلم للشيخ محمد بن عثيمين (ص28).
(3) انظر: جامع بيان العلم وفضله (1/580) رقم (992)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب (1/199).
(4) انظر: انظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد .
(5) سنن ابن ماجه رقم ( 236 ) .
اداب طالب العلم (4-5)
آداب طلب العلم (4-5)
6- أن لا يمنعه خجله من السؤال :
ولذلك قال بعض السلف : " لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر " ، يحمله تكبره على أن يعجب بنفسه ويبقى على جهله، وكذلك أيضا يحمله خجله عن أن لا يطلب أو يستفيد ممن معه علم فيبقى على جهله.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت:
جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، إذا رأت الماء" فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟ فقال: "تربت يداك. فبم يشبهها ولدها ". صحيح مسلم ( 313 ) .
وهذا ابن عباس رضي الله عنهما ، مع حرصه على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ، ودعائه له صلى الله عليه وسلم كان مجتهدا في طلب العلم من فقهاء الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير قال: فقال: واعجبا لك أترى الناس يفتقرون إليك؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أسأل، فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك هلا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني "(1) .
7- التواضع والسكينة ونبذ الخيلاء والكبر:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (تعلّموا العلم، وتعلّموا له السكينةَ والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمون، وليتواضع لكم من تعلِّمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء، ولا يقوم علمكم مع جهلكم) (2) .
وكتب الإمام مالك إلى الرشيد: "إذا علمت علماً فليُرَ عليك أثره وسكينته وسمته ووقاره وحلمه" (3) .
وقال الإمام الشافعي: "لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلّ النفس وضيق العَيش وخدمة العلماء أفلح" (4) .
8- الهمة في طلب العلم:
لتكن همتك في طلب العلم عالية ؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا تقنع من إرث الأنبياء - صلوات الله عليهم - بيسيره، ولا تركن إلى الكسل والتواني ولا تسوّف ، واجعل قدوتك العلماء العاملين الذين جدوا وتسابقوا في هذا الميدان . ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.
واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.
وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك.
قال ابن جماعة الكناني: "الذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه... فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصدده فليتلطّف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكّنها، فإن الأمور إذا تمكّنت عسرت إزالتها" (5).
9- اختيار الصاحب:
احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على تحصيل مقاصدك ، ويساعدك على تكميل فوائدك ، وينشطك على زيادة الطلب ، ويخفف عنك الضجر والنصب ، موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه ، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه ." انظر تذكرة السامع لابن جماعة.
وإياك وقرين السوء؛ فإن العرق دساس، والطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض، والدفع أسهل من الرفع .
(1) - الإصابة لابن حجر ترجمة عبد الله بن عباس 4 / 90
(2) - انظر: الزهد لوكيع (275).
(3) - انظر: تذكرة السامع والمتكلم (ص15-16).
(4) - انظر: تذكرة السامع والمتكلم (ص71-72).
(5) - تذكرة السامع والمتكلم (ص83).
اداب طالب العلم (3-5)
آداب طلب العلم (3-5)
5- التفرغ والمحافظة على الأوقات:
وذلك بأن لا يضيع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة ، وقد كان بعضهم لا يترك الاشتغالَ بالعلم لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف ، بل كان يستشفي بالعلم ، ويشتغل به بقدر الإمكان .
قال الشافعي: لو كلفت شراءَ بصلة لما فهمت مسألة .(1)
وقال بعضهم: "لا يَنال هذا العلم إلا من عطّل دكّانه، وخرّب بستانه، وهجر إخوانَه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته". (2)
والوقت نعمة إلهية تستوجب منا الشكر ، قال تعالى في سورة إبراهيم : ( ... وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ {33} وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ {34}) .
ففي هذه الآيات الكريمة يمتن تعالى على عباده بجملة من نعمه التي لا تحصى ، ومن هذه النعم نعمة الليل والنهار الذي يدور الوقت حولهما ويقوم عليهما، وكثير من الناس يغفلون عن هذه النعمة مع جلائها ، قال تعالى في سورة النحل ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {12) ) .
ومن هنا تتجلى لنا تلك النعمة الإلهية التي غفل عن شكرها الغافلون ، وتنافس في تبديدها وإهدارها البطالون المبطلون ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) رواه البخاري (6049) عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقوله ( مغبون ) من الغبن وهو النقص، وقيل: الغبن وهو ضعف الرأي . ( الصحة ) في الأبدان. ( الفراغ ) عدم ما يشغله من الأمور الدنيوية .
فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر المنعم على نعمة الوقت وأن يوظفه في كل مفيد نافع .
والوقت أمانة ومسئولية سيسأل عنها الإنسان يوم العرض على الله ، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ) رواه الترمذي (2418و2419) وقال: حسن صحيح .
والوقت من أغلى ما يمتلكه الإنسان ، فالوقت هو الحياة ، وهو رأس مال الإنسان ، وإذا ضيعه فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستردّه ، وشبهه بعض العقلاء بالذهب ، ولكنه أغلى وأنفس من كل نفيس ؛ لأنه جزء من كيان الإنسان ، لأنه أنفاسه المعدودة في هذه الحياة .
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه ** وأراه أيسرَ ما عليك يهون
والمؤمن وحده هو الذي يعرف قيمة الوقت ، لمعرفته بالغاية التي من أجلها خلق ، قال عز وجل :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ {56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ {59} ).
وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم حريصين أشد الحرص على الانتفاع بأوقاتهم واغتنامها واستثمارها ، فقد كانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات ضنّا منهم بالوقت ، وحرصاً على أن لا يذهب منهم سدى .
قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعودرضي الله عنه : ( ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي ).
وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما ).
وقال الحسن البصرى رضي الله عنه : يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك وقال أيضاً : أدركـت أقوامـا كانـوا على أوقاتهـم أشـد منكـم حرصـاً على دراهمكم ودنانيركم .
قال أبو هلال العسكرى كان الخليل بن أحمد – الفراهيدى البصرى أحد أذكياء العالم – (170) هـ يقول أثقل الساعات علي : ساعة آكل فيها ، فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده ؟! ، وما أوقد الغيرة على الوقت لديه ؟!(3) .
وروى الخطيب البغدادى عن أبى العباس المبرد قال : ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ – عمرو بن بحر إمام أهل الأدب – ( 255 ) والفتح بن خاقان – الأديب الشاعر أحد الأذكياء – من أبناء الملوك ، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخاً ، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن ، (247 هـ) وإسماعيل بن إسحاق القاضي – الإمام الفقيه المالكى البغدادى – ( 282 هـ ) .
فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أي كتاب كان ، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.
وأما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه ، فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو للصلاة ، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي ، حتى يبلغ الموضع الذي يريده ، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه ، إلى أن يأخذ مجلسه ، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده .
وأما إسماعيل بن إسحاق القاضي فإني ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب . (4)
وقال عبيد بن يعيش : أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل ، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث(5) .
وهذا الإمام جمال الدين القاسمي رحمه الله وقد عاش قرابة خمسين سنة وألف ما يزيد عن خمسين مؤلفاً وكانت حياته زاخرة بالعلم والدعوة والكفاح ، ومع ذلك كان يقول : يا ليت الوقت يباع فأشتريه.
وبحرص سلفنا الصالح على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم ، وخلد ذكرهم ، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف المسلمين تفننهم وتفانيهم في تدمير وإهدار أوقاتهم في المقاهي والملاهي والطرقات وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها " .
(1) - انظر: تذكرة السامع والمتكلم (ص27) .
(2) - انظر: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (1534) .
(3) - الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه لأبى هلال العسكرى ص 87 .
(4) - تقييد العلم للخطيب البغدادى ص 139.
(5) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/178 ، وعبيد بن يعيش شيخ البخاري ومسلم تراجع ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبى 11/45.
اداب طالب العلم (2-5)
آداب طالب العلم (2 – 5)
1/ العمل بالعلم :
فالعلم إن لم يترجم إلى عمل فما الفائدة منه، فعلى طالب العلم كما يجد في الطلب أن يجد في العمل، فإنه أولى الناس بقطف ثمرات علمه، ولقد مدح الله - عز وجل- في كتابه الكريم العاملين بما علموا ، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ {18}) سورة الزمر .
كما ذم الله أولئك الذين لا ينتفعون بما يحملونه من علم، وشبههم - عز وجل- بالحمار الذي يحمل أسفارا لا يعرف قيمتها، فضلا عن جهله بما تحويه من درر، قال تعالى في سورة الجمعة: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {5} }.
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلانا ما شأنك؟ أليس كنت تأمرننا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه). صحيح البخاري (3094)، وصحيح مسلم (2989).
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-: ( هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل ). (1)
وقال الشافعي: " ليس العلم ما حفِظ، العلم ما نفع " . (2)
وقال بعض السلف: " يا حملة العلم، اعملوا فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقِيَهم، يخالف عملهم علمهم، ويخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حِلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى إنّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدَعَه، أولئك لا يصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى " . (3)
ومن ذلك دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وملازمة خشيته سبحانه، قال الإمام أحمد: "أصل العلم الخشية ".
وقال الزهري : " إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يترك العمل به حتى يذهب ، ومن غوائله النسيان ، ومن غوائله الكذب فيه ، وهو شر غوائله " . (4)
وسئل سفيان الثوري: طلب العلم أحبّ إليك أو العمل؟ فقال: " إنما يراد العلم للعمل، فلا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم " . (5)
2/ الصبر والتحمل:
فطريق العلم ليس مفروشا بالورود والرياحين بل إنه يحتاج إلى صبر ويقين وعزيمة لا تلين ، فالطريق طويل، والنفس داعية إلى الملل، والسآمة، والدعة، والراحة، فإذا طاوع طالب العلم نفسه قادته إلى الحسرة والندامة، يقول الشاعر:
وما النفس إلا حيث يجعلهــا الفتى فإن أطمعت تـاقت وإلا تسلتِ
ويقول شاعر آخر:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ومن أعظم ميادين الصبر : الصبر في طلب العلم : فلا سبيل إلى طلب العلم إلا بالصبر ، فالصبر يضئ لطالب العلم طريقه ، وهو زاد لا يستغني عنه ، وخلق كريم لا بد وأن يتحلى به ، صبره على مشقة الترحال إلى الشيوخ، وطول المكث عندهم، والتأدب معهم، وصبره على المذاكرة والتحصيل، وفي قصة موسى والخضر دار هذا الحوار بين نبي الله موسى وبين الخضر - عليهما السلام-، قال تعالى في سورة الكهف: ( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {69} ) .
كذلك ينبغي على المعلم أن يتحلى بجميل الصبر مع تلاميذه وأن يتسع صدره لأسئلتهم، فلا يضيق بهم ذرعا، وأن يتحملهم، ويحلم بهم ويترفق، ويسهّل لهم التحصيل ، اقتداء بنبينا ومعلمنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي مدحه ربه بقوله: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159} ) سورة آل عمران.
(1) - اقتضاء العلم العمل (35-36).
(2) - تذكرة السامع والمتكلم (ص15).
(3) - حاشية تذكرة السامع (ص16-17).
(4) - جامع بيان العلم ( 1 / 107 - 108 ) .
(5) - حلية الأولياء (7/12).
اداب طالب العلم (1-5)
آداب طالب العلم ( 1 – 5 )
إن من خير ما تعمر به الأوقات الاشتغال بالعلوم الشرعية، طلباً وتحصيلاً ، مذاكرة وتعليماً ، فطلب العلم الشرعي من أفضل القربات وأجل الطاعات، ولذا اهتم كثير من العلماء قديماً وحديثاً ببيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طلاب العلم؛ فهي حليته ووسيلته إلى الفلاح والنجاح، كما بيّنوا الأخلاق المحمودة ، والأخلاق المذمومة في الطلب ، والتي تكون معرفتها والعمل بها - امتثالاً وتركاً- سبيلاً لنيل مايريد من العلم ، وتحصيل ثمرته ، ومن أهمها :
1/ إخلاص النية لله تعالى:
فالعلم طاعة وعبادة ، والإخلاص لله تعالى واجب في جميع العبادات وسائر الطاعات، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {5}) سورة البينة .
والإخلاص في العلم أن يبتغي به وجه الله تعالى ، فإذا كان هَمُّ طالب العلم تحصيل شهادة، أو تبوء منصب لكسب منافع مادية فحسب ؛ فإنه لا يكون مخلصا في طلب العلم .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((من تعلّم علماً مما يبتغَى به وجه الله - عز وجل- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها .أخرجه أحمد (2/338)، وأبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وصححه الحاكم (1/160)، والنووي في رياض الصالحين.
وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على إخلاص النية لله تعالى، كما في حديث عمر المتفق عليه: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى .. )) الحديث. رواه البخاري (1)، ومسلم (1907).
وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث وصدّروا به كتبهم؛ لعموم الحاجة إليه، كما قال الخطابي، فهذا البخاري - رحمه الله- قد صدّر كتابه الصحيح بهذا الحديث، فقال العلماء: هو خطبة كتابه، حيث لم يكتب له مقدمة، والقصد من ذلك تنبيه طلاب العلم على تصحيح النية، وإرادة وجه الله تعالى، ونهج نهجه النووي، والبغوي ـ في عدد من كتبهما ـ وغيرهما من المصنفين.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: " لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل كتاب منه بهذا الحديث".
قال الإمام أحمد : " العلم لا يعدله شيء لمن صحّت نيته "، قالوا: كيف ذلك ؟ قال: " ينوي رفع الجهلَ عن نفسه وعن غيره " .
وقال ابن جماعة الكناني بعدما بيّن فضل العلم: " واعلم أن جميع ما ذكر من فضل العلم والعلماء إنما هو في حقّ العلماء العاملين الأبرار المتقين، الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم ، لا من طلبه بسوء نية، وخبث طوية ، أو لأغراض دنيوية ، من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب " . (1)
وقال أبو يوسف : " أَريدوا بعلمكم اللهَ تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قطّ أنوي فيه أن أتواضع إلالم أقم حتى أعلُوَهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى اُفْتَضَح "(2)
2/ تقوى الله - عز وجل-:
فالعلماء هم أعرف الناس بالله وأتقاهم له، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ {28}) سورة فاطر. وبالتقوى يزداد العالم علما ، وبالعلم يزداد التقي تقوى قال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282}) سورة البقرة. وقال تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا {2} ويرزقه من حيث لايحتسب... ) سورة الطلاق . ومن أعظم الرزق العلم النافع .
والتقوى هي جماع كل خير، ووصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى في سورة النساء: (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا {131}).
وقال - عز وجل- في سورة الأنفال: ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {29}) .
أي يجعل لكم ما تٌفرقون به بين الحق والباطل، وبين الصحيح والسقيم، وبين الغث والسمين، وذلك إنما يكون بنور العلم وميزانه، ونبراسه ومقياسه، فالعلم ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى سبيل إلى نيل العلم ، والعلم يرقى بصاحبه إلى أعلى درجات المعرفة بالله، والخشية من الله، ولهذا يؤثر عن الشافعي - رحمه الله- أنه قال:
شكوت إلى وكيع سـوء حفظـي فأرشـدني إلى ترك المعــاصي
وأخبرنـي بأن العلـم نــــور ونـور الله لا يهدى لعـاصـي
ومن أول ما يدخل في ذلك القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام: ومن ذلك المحافظة على الصلاة في المساجد، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار السنن، وإخماد البدع، وغير ذلك من الأحكام الظاهرة ليحصل التأسّي به، وليصون عرضه عن الوقيعة والظنون المكروهة.
ومن ذلك أيضاً المحافظة على المندوبات الشرعية القولية والفعلية:
ومن ذلك تلاوة القرآن الكريم بتفكّر وتدبّر، والإكثار من ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، والإلحاح في الدعاء والتضرع بإخلاص وصدق، والاعتناء بنوافل العبادات من الصلاة والصيام والصدقة وحج بيت الله الحرام، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك من فضائل الأقوال والأعمال التي يراد العلم لأجلها.
(1) - تذكرة السامع والمتكلم (ص13) .
(2) - تذكرة السامع والمتكلم (ص69) .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
