الاثنين، 28 نوفمبر 2011

بحث الفتوى بغير علم وأثرها على المجتمع "كتاب إليكتروني رائع "

بحث الفتوى بغير علم وأثرها على المجتمع كتاب الكتروني رائع


بحث
الْفَتْوَىبِغَيْرِعِلْمٍ
وَأَثَرُهَا عَلَى الْمُجْتَمَعِ

راشد بن عبدالرحمن بن رِدْن البـِداح

معلم بمدرسة الإمام محمد بن سعود الثانوية بمحافظة الزلفي
وخطيب جامع ابن عثيمين -رحمه الله تعالى –

كتاب الكتروني رائع
حجم البرنامج 585كيلوبايت




 



 




رابط التحميل المباشر :

http://adel-ebooks.sheekh-3arb.info/...y/Feqh/238.rar

الأحد، 27 نوفمبر 2011

شرح اختصار علوم الحديث كتاب الكتروني رائع

شرح اختصار علوم الحديث كتاب الكتروني رائع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرح اختصار علوم الحديث
د. إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن اللاحم


الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث مجموعة أشرطة مفرّغة لشرح الشيخ إبراهيم اللاحم على كتاب إختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير رحمه الله
 
حجم الكتاب 858 كيلوبايت
 
 
رابط التحميل المباشر :
 
 
شيخ العرب

حمل مخطوط "المنتخب المستطاب من مناقب عمر بن الخطاب " pdf نسخة مصورة







المنتخب المستطاب من مناقب عمر بن الخطاب



كتاب يتحدث عن سيرة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حيث اسمه ونسبه وصفاته وإسلام وخلافته وبعض من أعماله رضي الله عنه..

عدد ملفات المخطوط: 73 صورة..


رابط التحميل المباشر :
 
اضغط على الصورة التالية :




من شيخ العرب


السبت، 26 نوفمبر 2011

الذين قالوا الليبرالية والعلمانية هي الحل - للدكتور مصطفى محمود -

الذين قالوا الليبرالية هي الحل
د / مصطفى محمود
من كتاب المؤامرة الكبرى

 
هناك أصوات ترتفع الآن لتنادي بأن .. الليبرالية هي الحل .. و هي تفهم الليبرالية كما فهمها الغرب في البداية بأنها الحرية و إتاحة الفرص للجميع و تشجيع كل المبادرات .. دعه يعمل .. دعه يمر .. 

و هو كلام ظاهره حلو و لا يختلف عليه أحد .. و لكن ما حدث بالفعل كان شيئا آخر .. ما حدث بالفعل في أورويا و أمريكا .. أن .. دعه يعمل دعه يمر .. اتسعت بقدرة قادر و بالتدريج لتصبح .. دعه يختلس .. دعه يسرق .. دعه يرتشي .. دعه يباشر الانحلال .. دعه يباشر الشذوذ الجنسي .. 
                                                                                                                                                                                                      
كل إنسان حر في جسمه يفعل به ما يشاء .. ثم ابتكروا اسما جديدا محببا للشواذ فأسموهم Gay Community أو المرحين ..

ثم أصبح الشذوذ في المصطلح العصري يطلق عليه Sexual Preference أو الاختيار المفضل .. و ذلك لتنزع عنه نهائيا صفة العيب و يصبح نوعا من المزاج الخاص ..

و تحت راية الليبرالية دخل الشواذ الجيش و تسلموا أعلي المناصب و تحولوا إلي لوبي خطير له شأن و قوة انتخابية يحسب لها ألف حساب ..

و أصبح الفساد و الرشوة و السرقات بالملايين ظاهرة عادية .. و رأينا رئيس الوزراء في إيطاليا جوليانو أماتو يشد شعره علي شاشات السي إن إن و يصرخ بأن بين أعضاء وزارته لصوص و مرتشون .. و أن هناك ألفين و خمسامائة وزير سابق و سياسي متهمين بالعمالة للمافيا من كراكسي إلي أندريوتي .. و أن المافيا تسللت إلي القضاء العالي و جندت مئات القضاة بإرهابها و رشاواها .. و الذي استعصي عليهم مثل جيوفاني فالكوني فجرو  ه بالقنابل و من بعده زميله بورسولينو ..

كلام خطير يقوله رجل في أعلي سلم المسؤولية .. و ما حدث في إيطاليا حدث مثله في فرنسا و في أسبانيا و في أمريكا .
و هذا هو الغرب الذي نجعل منه قدوة .. و هذه هي الليبرالية التي نحاول أن نقتدي بها في بلادنا ..

أما العلمانية و هي الراية الثانية التي يرفعها الشيوعيون القدامي و يسيرون بها في الشارع المصري ففضائحها أعجب .

و العلمانية بفتح العين مشتقة من كلمة العالم بمعني الدنيا . . أي لنعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا و لا نفكر في آخرة أو دين .. فالدين معوق للمسيرة الاجتماعية و العلمية .. و علي الذين يختارون الدين و يتمسكون به أن يضعوه داخل علبة المسجد أو صندوق الكنيسة و يصلون داخل هذه العلب كما يشاؤون . و لكن لا يخرجون بقيمهم الدينية ليفرضوها علي الشارع و علي الحياة و لا يتدخلون بمثالياتهم في في المسيرة الاجتماعية أو المسيرة السياسية .

و العلماني يدعي أنه يحترم الدين و المتدينين و لا يتدخل في أديانهم بشرط أن يعطوه أكتافهم و يغلقوا عليهم بابهم و يدعوه في حاله .
و لكن الذي حدث في الواقع كان العكس .

و العلمانية التركية في الواقع لم تدع المتدينين في حالهم و لا تركت الدين لحاله و إنما طاردت الأئمة المسلمين و قتلتهم و شردتهم و حلقت لحاهم ، كما انتزعت حجاب المحجبات و اقتلعت اللغة العربية من المصاحف و من ألسن الناس .. و كتبت المصاحف الجديدة بالأحرف اللاتينية ..و جعلت الولائم و موائد الخمر شرعة رسمية في أيام رمضان . 

أما العلمانية الأوروبية فقد عكفت علي إذاعة العملية الجنسية بجميع أوضاعها و راحت تبثها تلفزيونيا بالأقمار الصناعية في مسلسلات من الفحش المقزز علي الأولاد و البنات كل مساء في البيوت .. تقوم بذلك المحطات الحكومية و ليس القطاع التلفزيوني الخاص .. ناهيك عن أفلام العنف و الرعب و الدم و العري .

و تقول الإحصاءات في أمريكا إن الطفل حينما يبلغ سن الثانية عشرة يكون قد شاهد اثنتي عشرة ألف جريمة قتل في التلفزيون .. و هذه هي التربية العلمانية التي تدعي أنها تترك الدين في حاله .. و لم يجد رجال الدين المسيحي بدا من إدخال رقص الديسكو في الكنائس لاجتذاب الشباب و قالوا هذا أرحم ..

و الشيوعيون الذين يدعون أن مصر بلد علماني كاذبون .. فالإسلام منصوص عليه في دستورنا المصري .. و القانون في بلادنا منصوص بأنه يستلهم الشريعة الإسلامية في مواده ..و مصر لا تستطيع أن تنسلخ عن الدين لأن الدين ليس جلدها و إنما لبابها و مخها و حشوتها التاريخية .. و التوحيد دخل مصر قبل أن يدخل القدس و قبل أن يدخل الجزيرة العربية .. و النبي إدريس هو أوزوريس الذي حرفوا اسمه و عبدوه و جعلوا منه إلها .. و تعدد الآلهة في مصر كان من افتراء الكهنوت و من مكر الحكام ليجعلوا منه سبيلا إلي تحصيل القرابين و فرض الضرائب و ليمزقوا الشعب شيعا و طوائف ليخلوا لهم الجو ..
و ستظل مصر محفوظة و محروسة تحت ظل العرش .. و ستظل خيمة عباده .. حتي يأذن الله للدنيا بانتهاء .. 

و أنا لا أنكر ما أحرزته الحضارة الغربية من تقدم في كل مجالات العلم المادي .. و تبهرني غزوات أمريكا للفضاء و اقتحامها لأسرار الذرة و كشوفها في الهندسة الوراثية و إنجازاتها في علوم الكومبيوتر .. و أري أن من واجبنا أن نأخذ كل هذا و نتعلمه و نشكر أصحابه و نمجد أهله .. و لكن ليس معني هذا أن نبتلع الجانب الآخر الهابط و الفاحش و المنحل من تلك الحضارة .. فالذين يقدمون الفحش و الانحلال و الكوكايين و الكراك و العري و الجنس و العنف هم قبيلة أخري مندسة في هذه الحضارة .. و هم سوس تلك الحضارة الذي يأكلها من الداخل ..

هذه القبيلة و التي أسميها قبيلة التلمود و قبيلة البروتوكولات .. التي تخطط من ألف سنة لخراب هذا العالم و السيطرة عليه .. هذه القبيلة ليست قدوة لنقتدي بها .. و ليست أسوة لنتأسي بأخلاقها و سلوكياتها .. و إنما هي علي النقيض .. عدو علينا أن نكشفه في جميع مظانه .

و لم يتقدم العلم بجهود تلك القبيلة و لكن بجهود المخلصين و النجباء من كل الأديان .. و لكن تلك القبيلة كانت تحرص علي التقاط ثمرات تلك الكشوف و المخترعات المخلصة لتستغلها في الشر و تجني بها الثروات و تحوز بها السلطة . 

و الإسلام ليس ضد العلم بل علي العكس هو يأمر بالعلم و يحض عليه بشرط أن يكون علما للخير و للنفع و لله و ليس علما لتحصيل المغانم و تكديس الثروات و الإضرار بالناس .

و لكن الحروب و التكالب علي المغانم ما زالت مستمرة .. و الشر غالب ..

و الله يقول - إن أكثر الناس لا يفقهون - و عن المؤمنين الشاكرين يقول و قليل ما هم ..

و قدرنا أن نخوض تلك الحرب ..
و لا مهرب من تلك الفتنة ..

يقول ربنا :

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)

صدق الله العظيم

..........................

دكتور مصطفى محمود

من أبطال الهجرة.. أبو بكر الصديق

أبو بكر الصديق .. رفيق النبي في الهجرة
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي، كنيته: أبو بكر، ولقبه الصِّدِّيق، وكنية أبيه أبو قحافة.

كان أبو بكر رضي الله عنه يسمَّى أيضًا: عتيقًا، وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أنت عتيق من النار". وقيل: إنه سُمِّي كذلك لحسن وجهه وجماله، ولقب بالصديق لتصديقه بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة تصديقه لحديث الإسراء وقد أنكرته قريش كلها. وأبو بكر الصديق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أول من أسلم من الرجال، وهو رفيق الرسول في هجرته، وخليفته على المسلمين.

 

هجرة أبي بكر الصديق:

لما أذن الله عز وجل لنبيه بالهجرة إلى المدينة, أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهاجروا، وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يمهله ويقول له: "لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا". حتى نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرًا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وتناول النبي حفنة من التراب فنثرها على رءوسهم وهم لا يشعرون، وذهب إلى بيت أبي بكر وكان نائمًا فأيقظه، وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة. تقول عائشة: "لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح"، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!".

وأقاما في الغار ثلاثة أيام ثم انطلقا، وكان أبو بكر أعرف بالطريق، وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول: "إنه رجل يهديني الطريق"، وبينما هما في طريقهما إذ أدركهما سراقة بن مالك، وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد، ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين فكرر أبو بكر مقولته على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لِمَ تبكي؟". فقال أبو بكر: "يا رسول الله، والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك".

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم اكفناه بما شئت". فساخت قوائم الفرس ووقع سراقة وقال: "يا محمد، إن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمّينَّ على مَن ورائي". فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلبه، ودعاه إلى الإسلام ووعده إن أسلم بسواري كسرى.

واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة، واستقبل الصحابة مهاجرين وأنصار رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين، وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الأنشودة الشهيرة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع...

اضطهاد أبي بكر الصديق:

كان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش، فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين، ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى، فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب، فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له: أدرك صاحبك فأسرع أبو بكر إليه وجعل يخلصه من أيديهم وهو يقول: "ويلكم! أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله". فتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوا يضربونه حتى حمل أبا بكر أهل بيته وقد غابت ملامحه من شدة الأذى.

أعمال أبي بكر الصديق

لأبي بكر الصديق رضي الله عنه مواقف وأعمال عظيمة في نصرة الإسلام، منها:
- إنفاقه كثيرًا من أمواله في سبيل الله؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال أبي بكر". فبكى أبو بكر وقال: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله"[1]. وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم بلال بن رباح وعامر بن فهيرة.

- عندما مرض النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حوله: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: يا رسول الله، لو أمرت غيره. فقال: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره". وقال عليّ بن أبي طالب: "قدّم رسول الله أبا بكر فصلى بالناس، وإني لشاهد غير غائب، وإني لصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا".

- عندما قبض النبي صلى الله عليه وسلم فتن الناس حتى إن عمر بن الخطاب قال: "إن رسول الله لم يمت ولا يتكلم أحد بهذا إلا ضربته بسيفي هذا"، فدخل أبو بكر وسمع مقالة عمر فوقف وقال قولته الشهيرة: "أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت...".

- بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة أصر على إنفاذ جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهّزه وولّى عليه أسامة بن زيد، وكان فريق من الصحابة منهم عمر قد ذهبوا لأبي بكر وقالوا له: إن العرب قد انتفضت عليك، فلا تفرق المسلمين عنك. فقال: "والذي نفسي بيده لو علمت أن السباع تأكلني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر الرسول بإنفاذه، ولا أحلّ لواءً عقده رسول الله بيده". واتخذ الجيش سبيله إلى الشام تحت إمرة أسامة.

- واجه أبو بكر في بدء خلافته محنة كبرى تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنعت بعض القبائل زكاة أموالها، وأمام هذه الردة جهز أبو بكر الجيش، وقرّر حرب المرتدين جميعًا، واعتزم أن يخرج بنفسه على قيادة الجيش غير أن علي بن أبي طالب لقيه وقد تجهز للخروج فقال له: "إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ضم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك ما يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا".

فرجع أبو بكر، وولّى خالدًا على الجيش، وسار خالد فقضى على ردة طليحة الأسديّ ومن معه من بني أسد وفزارة، ثم توجه إلى اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه من بني حنيفة، وكان يوم اليمامة يومًا خالدًا، كتب الله فيه النصر لدينه وقتل مسيلمة وتفرق جنوده ومضى المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتى أطفأها الله تعالى، ثم استمر جيش خالد في زحفه حتى حقق نصرًا عظيمًا على الروم في معركة اليرموك.

- لما أحس أبو بكر بقرب أجله شاور بعض كبار الصحابة سرًّا في أن يولي عمر بن الخطاب الخلافة من بعده فرحبوا جميعًا، غير أن بعضهم اعترض على غلظة عمر، فقال أبو بكر: "نعم الوالي عمر! أما إنه لا يقوى عليهم غيره، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، إن عمر رأى لينـًا فاشتد، ولو كان واليًا لَلاَنَ لأهل اللين على أهل الريب". ثم أمر أبو بكر عثمان فكتب كتابًا باستخلاف عمر.

من أقوال أبي بكر الصديق:

- كان أبو بكر إذا مدحه أحد قال: "اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون".

- لما بايعه الناس خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم خطب فيهم فقال: "أما بعد، أيها الناس فإني قد ولِّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ألا إن الضعيف فيكم هو القوي عندنا حتى نأخذ له بحقه، والقوي فيكم ضعيف عندنا حتى نأخذ الحق منه طائعًا أو كارهًا، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

- عندما امتنع بعض المسلمين عن أداء الزكاة قرّر أبو بكر قتالهم فذهب عمر إليه وقال له: "كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". فقال أبو بكر: "والله لأقاتلَنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة من حق الله، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه". قال عمر: "فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، عرفت أن الحق معه".

من مواعظ أبي بكر الصديق:

- "إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا، مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة".

- "وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد".

- "اعلموا -عباد الله- أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه فصدقوا قوله، وانصحوا كتابته، واستضيئوا منه ليوم الظلمة".

- قبل موته دعا عمر بن الخطاب وقال له: "إني مستخلفك على أصحاب رسول الله، يا عمر: إن لله حقـًّا في الليل لا يقبله في النهار، وحقًّا في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تقبل نافلة حتى تُؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليه، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدًا أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفـًا.

يا عمر، إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله ما ليس لك، ولا ترهب رهبة تلقي فيها ما بيديك.

يا عمر، إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم؛ لأنه تجاوز لهم ما كان من سيئ، فإذا ذكرتهم قلت: أي عمل من أعمالهم أعمل؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو نازل بك، وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت ولست تعجزه".

وفاة أبي بكر الصديق:

توفِّي أبو بكر رضي الله عنه في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة قيل: يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى، وقيل: مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة. وصلّى عليه عمر بن الخطاب، وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر، ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيًا ثلاثة وستين عامًا وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا.

وقال عمر في حقه: "رحمة الله على أبي بكر! لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا".

رثاه علي بن أبى طالب وهو يبكي بكاء عظيمًا يوم موته بكلام طويل منه: "رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه ومكان راحته، وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانـًا، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتـًا... سمّاك الله في تنزيله صدِّيقـًا فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]. فالذي جاء بالصدق محمد ، والذي صدَّق به أبو بكر. واسيته حين بخل الناس، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة، وخلفته في دينه أحسن الخلافة، وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي...".


[1] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

إسلام أون لاين 

من أبطال الهجرة.. أسماء بنت أبي بكر

من أبطال الهجرة.. أسماء بنت أبي بكر
هي أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق، وأخت عائشة أم المؤمنين لأبيها، زوج الزبير بن العوَّام حواري رسولِ الله وابن عمته، وأم الفارس المغوار الخليفة عبد الله بن الزبير. أسلمت مع السابقين الأولين وكان ترتيبها في الإسلام (الثامن عشر)، وظلَّت في مكَّة تشارك المسلمين لنشر الدعوة، ومرارة الأذى في سبيل الله، حتى كانت الهجرة إلى المدينة، فكان لها ثلاثةُ مواقفَ سجَّلها لها تاريخ السيرة النبوية بفخار وإعزاز.

أسماء بنت أبي بكر وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم

حدَّثت عن أوَّلها، فقالت: صنعت سفرة للنبي حين أراد أن يسافر إلى المدينة فلم نجد لسفرته وسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، قال شقيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء وبالآخرة السفرة.
وروي أن النبي قال لها حين فعلت ذلك: "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة". فقيل لها: (ذات النطاقين).
حدَّثت عن ثانيها: لما خرج رسول الله وأبو بكر الصديق t، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا عند باب أبي بكر؟ فخرجت إليهم، فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي، فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشًا خبيثًا- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي.
وحدثت عن الموقف الثالث، فقالت: لما خرج رسول الله إلى الهجرة، وخرج أبو بكر t معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيراً، فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة البيت التي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيد جدي فقلت: يا أبت.. ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال لا بأس، إذا كان ترك لكم ها فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. قالت أسماء: لا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني لأردت أن أسكن الشيخ بذلك.

أسماء بنت أبي بكر المسلمة

ليست امرأة فارغة همها زينتها، وإنما هي مؤمنة همها رسالتها، فلا عجب أن تكتم السر في شجاعة، وتستقبل أبا جهل وأصحابه في قوة، وتشق نطاقها وهي راضية، وتتحمل لطم خدها وهي صابرة، وتحسن الحيلة لإرضاء جدها، وهي سعيدة بما تصنع من أجل دينها ورسالتها.

أسماء بنت أبي بكر الزوجة

تزوجت أسماء الزبير بن العوام قبل الهجرة، وكلاهما مسلم خالطت بشاشة الإيمان قلبه، وامتزج الإسلام بلحمه ودمه، فكانا مثال الزوجين المتوافقين ضمهما هدف واحد، وطريقة واحدة، تحت لواء واحد.. هاجر إلى المدينة فهاجرت، وجاهد فشدت أزره، وصبرت في ضرائه، وشكرت في سرائه. لم يمنعها مكان أبيها، ولا شرف قومها، أن تقف إلى جانبه في أيام الشدة والفقر، تعمل وتكدح وتُعَمِّرَ عش الزوجية بكدِّ اليمين، وعرق الجبين.
قالت أسماء بنت أبي بكر: تزوجني الزبير، وما له في الأرض مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، فكنت أخدمه خدمة البيت كله، وأعلف فرسه، وأسوسه وأكفيه مئونته، وأحشُّ له وأقوم عليه، وأدق النوى لناضحه (إبله)، وكنت أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير، على ثلثي فرسخ، وكنت أعجن وأسقي الماء، وأخزر الدلو.
ولم تطل المدة حتى انتشرت دعوة الإسلام، وفاض الخير على المسلمين، وكان للزبير -فيما له- ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وتمت كلمة ربك على المؤمنين بما صبروا، وصدق الله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل:41].

أسماء بنت أبي بكر الأم

ظل المسلمون بعد الهجرة بمدة لا يولد لهم ولد، وأشاع اليهود أنهم سحروهم فلن ينجبوا، حتى كذبهم القدر، فولدت أسماء بنت أبي بكر ابنها "عبد الله"، فكان أول مولود في المدينة، فاستبشر المسلمون وكبَّروا، وولدت بعد ذلك "عروة" و"المنذر"، وما منهم إلا عالم أو فارس، على أن موقفها مع ابنها عبد الله هو الذي جعل التاريخ يصغي لها سمعه، ويكتبها في سجل الأمهات الخالدات.

محنة عبد الله بن الزبير

بعد وفاة يزيد بن معاوية بويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة في معظم بلاد الشام: في الحجاز، واليمن، والعراق وخراسان، وظل تسع سنوات ينادى بأمير المؤمنين، حتى شاءت الأقدار -لحظ بني أمية- أن تزول الخلافة من أرض الحجاز.
جاء الحجاج بجند الشام فحاصر عبد الله بن الزبير في مكة، وطال المدى، واشتد الحصار، وتفرق عنه أكثر من كان معه، فدخل عبد الله على أمه قبل قتله بعشرة أيام، فقال لها: إن في الموت لراحة.

قالت: لعلك تمنيته لي؟ ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك: إما قتلت فأحتسبك، وإما ظفرت فتقر عيني.

فلما كان اليوم الذي قُتل فيه دخل عليها حين رأى من الناس ما رأى من خذلانه، فقال لها: يا أماه، خذلني الناس حتى ولداي وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فماذا ترين؟
وهناك أمسك التاريخ بقلمه ليكتب موقف الأم الصبور من ابنها وفلذة كبدها، من لحظة حاسمة من لحظات الخلود: الأم التي شاب رأسها ولم يشب قلبها، وشاخ جسدها ولم يشخ إيمانها، وانحنى ظهرها ولكن عقلها ظل مستقيمًا مسددًا..

قالت أسماء بنت أبي بكر: أنت والله يا بني أعلم بنفسك: إن كنت تعلم أنك على حق، وإليه تدعو، فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية يلعبون بها، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك، وأهلكت من قُتل معك، وإن قلت: كنت فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟!.. القتل أحسن.

قال: إني أخاف أن يُمَثِّل بي أهل الشام.

قالت: إن الكبش لا يؤلمه سلخه بعد ذبحه.
فدنا ابن الزبير فقبَّل رأسها وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا، ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، لأكون على بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله.

قالت: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا.

قال: جزاك الله خيرًا، فلا تَدَعي الدعاء لي قبل وبعد.
قالت: لا أدعه أبدًا، فمن قتل على باطل فقد قُتِلتُ على حق. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك الظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبرَّه بأبيه وبي، اللهم قد سلَّمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين.

وذهب عبد الله بن الزبير t فقاتل الساعات الأخيرة قتال الأبطال، وهو يتمثَّل صورة أمه في عينيه، وصوتها في أذنيه، مرتجزًا منشدًا:

أسماء يا أسماء لا تبكني
لم يبق إلا حسبي وديني
وصارم لأنت بـه يميني
وما زال على ثباته حتى قُتل، فكبر أهل الشام لمقتله، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: الذين كبروا لمولده خير من الذين كبروا لموته.

مع الحجاج بن يوسف الثقفي

صلب الحجاج عبد الله بن الزبير t مبالغة في التشفي والإرهاب، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه، فأعاد إليها الرسول: لتأتينني أو لأبعثنّ إليك من يسحبك من قرونك. فأبت وقالت: والله لا آتيه حتى يبعث إليَّ من يسحبني بقروني.
فما كان من الحجاج إلا أن رضخ لصلابتها، وانطلق حتى دخل عليها، فقال: أرأيت كيف نصر الله الحق وأظهره؟

قالت: ربما أُديل الباطل على الحق وأهاه.

قال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله.
قالت: أراك أفسدت على ابني دنياه، وأفسد عليك آخرتك.

قال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]، وقد أذاقه الله ذاك العذاب الأليم.
قالت: كذبت! كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحنَّكه بيده، وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به، وكان برًّا بأبويه صوامًا قوامًا بكتاب الله، معظمًا لحرم الله، مبغضًا لمن يعصي الله، أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني أن في ثقيف كذَّابًا ومبيرًا، فأما الكذاب فقد رأيناه (تعني: المختار بن عبيد الثقفي)، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه.
فخرج الحجاج من عندها منكسرًا يتمنى لو لم يكن لقيها، بعد أن دخل عليها مزهوًّا يريد أن يتشفَّى.
هذه أسماء بنت أبي بكر العجوز في سن المائة، وهذا هو الحجاج الجبار في أوج انتصاره وعنفوان طغيانه. إنَّ الإيمان في قلبها جعله في عينها يتضاءل ويتضاءل حتى صار شيئًا صغيرًا كالهباء، وجعلها في عينه تمتد وتستطيل حتى صارت شيئًا كبيرًا كالمارد العملاق.
وبلغ عبد الملك بن مروان ما صنع الحجاج مع أسماء بنت أبي بكر فكتب إليه يستنكر فعله، ويقول: ما لك وابنة الرجل الصالح؟ وأوصاه بها خيرًا. ودخل عليها الحجاج فقال: يا أماه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟
قالت: لست لك بأم، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، وما لي من حاجة.
وأخيرًا..
آن للفارس المصلوب أن يترجل، وينزل من فوق خشبته ويسلَّم إلى أمه فتحنّطه وتكفنه وتصلي عليه وتودعه جوف الثرى، ليلتقي في دار الخلود بأبيه الزبير وجده أبي بكر، وجدته صفية، وخالته أم المؤمنين عائشة y.
وهكذا استقبلت المصيبة الكبيرة بنفس أكبر، وإيمان أقوى!!
دخل عليها عبد الله بن عمر y، وابنها مصلوب. فقال لها: إنَّ هذا الجسد ليس بشيء، وإنما الأرواح عند الله، فاتقي الله واصبري.
فقالت: وما يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل؟
ولم يطل بها المقام بعد ولدها، فما هي إلا مائة يوم -أو أقل- حتى لحقت به عام ثلاث وسبعين للهجرة، وقد بلغت المائة عام، لم تسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، رحمها الله ورضي عنها.

قصة الاسلام 

عام جديد وهدف وحيد

عام جديد وهدف وحيد

عبد العزيز بن محمد الغفيلي المطوع
عام جديد وهدف وحيدلكل مخلوق فوق هذه المعمورة خِلْقَتُه وفِطْرَتُه التي فطره الخالق عليها، كما أنّ له غاية وهدفًا يَطْمَحُ في الوصول إليهما، وما سَبَقَ ينطبق على أي ديانة يَدين بها هذا المخلوق الضعيف، كما أنَّ الطيور والبهائم -أيضًا- لها هدف تسعى إلى تحقيقه إبَّان حياتها فقط!! فالرغبة مشتركة عند الكلِّ من ناحيةِ تحقيق الهدف، بَيْدَ أنَّ هذه الرغبة متباينة من حيث النوع.

ولكن.. هل سأل كل واحد منا نفسه: ما هذا الهدف الذي أطمح في الوصول إليه؟!

أعتقد -والله أعلم- أنّ الغالبيّة سيشطح خيالهم بعيدًا عن الهدف الأسمى والأغلى بل والأهم، فهناك من يهدف إلى جمع المزيد من المال بأيِّ طريقة كانت، وهناك من يهدف إلى الحصول على أعلى الشهادات والأوسمة، وهناك من يَطْمَحُ في قصر مُنيف، أو سيارة فارهة أو زوجة ذات حسن وجمال ومنصب، أو غير ذلك من الأهداف الواهية.

عودًا على بدء، إخال من كانت هذه غاية مبتغاة -من بني قومي- فقد شارك غيره من بني صهيون وعلمان ومجوس وبقية حثالة الغرب والشرق في نوعية هذا الهدف!!

كيف لا، وهو قد شاركهم الطموح ذاته؟! أليس الجميع منهم يبحث عن ثراء ومنصب وزوجة فقط؟! يبذل الغاليَ والنفيس في سبيل الحصول على ذلك.

نعم، أعتقد أن في الأمر متسعًا، ولا أطلب من الجميع الرُّكُونَ والكسل حتى لا يطالهم ذلك الاتهام، ولكن {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. هذا ما أريد الوصول إليه، فبعد الفرض نتفرغ للنفل، نتفرغ للفروع والمتغيِّرات، ولكن بعد أن نؤدي الأصول والثوابت، لم لا يكون هدف كل مخلوق رضا الله عنه في كل فعل يفعله؟ فيكون جمعه للمال من أجل رضا الله، ويرغب في الوصول للمنصب ليفعل ما يُرْضِي الله، ويريد الزواج طَمَعًا في رضا الله، فرضا الله يدخل في أي شيء، ولا يمكن لأيِّ شيء أن يدخل في رضا الله!!

أتمنى من جميع إخواني المسلمين عَقْدَ العزم مع بداية صفحة جديدة من عام جديد -ولكنه من الأجل قريب- على وضع رضا الله تعالى نصب أعينهم في كل أمر يُقْدِمُون عليه.

إنه لَمِنْ بَالِغِ الأسى والحزنِ أَنْ نرى أحفادَ القردة والخنازير بني يهود وقد وضعوا نصب أعينهم هدفا يطمحون جميعًا -صغيرهم وكبيرهم، ذكورهم وإناثهم- أقول: وضعوا هذا الهدف الذي يسعون جاهدين لتحقيقه شعارًا لهم في علم بلادهم -طمس الله معالمها- بل وضعوه حتى في عملتهم الرسمية "الشيكل"، يرونه صباح مساء، هذا الهدف للأسف يتمثل فيما يسمى بإسرائيل الكبرى أو إسرائيل المستقبل، وهي التي تمتد من النيل إلى الفرات، وهذا ما يمثله علمهم بخطَّيْه الأزرقين وبينهما نجمة داود، أتمنى أن يعرف ويدرك كل مسلم ما يُحاك من خلف الكواليس وهو قابع خلف الحائط، يَلهو ويمرح، غَرَّه فسحة الأمل وطول العيش، أتمنى أن نقتبس من هؤلاء اليهود شيئًا واحدًا فقط؛ هو: توحيد الهدف بين الجميع.

يا لها من سعادة عظيمة عندما نعمل ما بدا لنا ونحن نَنْعَمُ برضا المولى جل وعلا، نغدو ونروح، نفرح ونحزن، نُمسي ونُصبح، كل ذلك والله راضٍ عنا.

قد يقول قائل: إن رضا الله أمرٌ فِطْريٌّ عند كل مسلم محقق لمعنى العبودية؛ لكون العبادة بمعناها العام: اسمًا جامعًا لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال. ولكن أقول لهذا القائل: نعم، هو أمر فطري، بَيْدَ أنه نظري، فالهوّة ساحقة بين النظرية والتطبيق، ولا أدل على ذلك من كون كل مخلوق يولد على الفطرة، ولكن ماذا بعد ذلك؟!

يقول الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]. أي أخلص عمل وأصوبه؛ فإن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا؛ لم يُقبل وإذا كان صـوابًا ولم يكن خالصًا؛ لم يقبل، فلا يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا.

عجبًا لمن يعمل ما بدا له ويقول بأنني مسلم، فإن كان هذا العمـل الذي يعمله دينيًّا؛ لم يقبـل منه وإن كان دنيويًّا؛ لم يؤت ثمرته المطلوبة، ولم يحقق نتيجته المرقوبة؛ لأنه مبني على نظر غير صحيح، ولهذا قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 2-5].

على كل مسلم أن يَقْرِنَ العمل بالرضا؛ ليتحقق له الحسنيان، وعليه أن لا يركن إلى الانتحال لدين الإسلام فقط، فليس كل من ادعى السعادة سعيدا، ولا كل من سُمِّيَ صالحا بصالح، فلا بد من العمل والرضا وهو الأهم.

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124]. فالنص واضح وصريح، فالانتماءات والأسماء وحدها لا تكفي -ولو كانت شريفة وصحيحة في ذاتها- حتى يقترن بها العمل، الميزان مرتبط بـ: "من يعمل ..."، أو: "ومن يعمل ...". ولهذا كان بعض السلف يقولون: إن هذه أخوف آية في كتاب الله تعالى. يقول الحافظ ابن كثير: "والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلّي، ولا بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، وليس كلُّ من ادعى شيئًا؛ حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه على الحـق سُمِعَ قـوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان. وكلمة الحسن البصري -رحمه الله- مشهورة، وهي التي ساقها ابن كثير في صدر كلامه السابق.

هناك من الناس من بلغت به الثقة العمياء من صحة موقفه وعمله ما جعله يعتقد أنه أحد المبشَّرين بالجنة، وهنا مَكْمَنُ الخلل وعين الخطأ، فكل عمل لا بد له من الاقتران بالرضا حتى يكتب له القبول، فالقول شيء والعمل شيء آخر، يقول الطغرائي في قصيدته الشهيرة (لامية العجم):
غاض الوفاء، وفاض الغدر، واتسعـ *** ـت مسافة الخلف بين القول والعمل

ختامًا، أسأل الله للجميع عامًا جديدًا، وهدفًا وحيدًا، ألا وهو رضا الله ، وعلينا نسيان الماضي، فليست العبرة بنقص البدايات، ولكن العبرة بكمال النهايات كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.

صيد الفوائد 

أحداث الهجرة ملف علمي شامل للهجرة وموثق - به دروس وعبر من حادثة الهجرة النبوية -

أحداث الهجرة ملف علمي للهجرة وموثق
دروس وعبر من حادثة الهجرة
عناصر البحث :

أولاً: الهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
1 ـ الهجرة الأولى إلى الحبشة.
2 ـ الهجرة الثانية إلى الحبشة.
3 ـ الهجرة من مكة إلى المدينة.
ثانياً: الرواية الصحيحة للهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.
ثالثاً: دروس وعبر من حادثة الهجرة.
رابعاً: التأريخ الهجري.
 
أولاً: الهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

لقد حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث هجرات مشهورة:
1-  الهجرة الأولى إلى الحبشة:
كانت هذه الهجرة في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، حيث خرج أحد عشر رجلاً وأربع نسوة مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار فنزلوا بخير دار إلى خير جار أمنوا على دينهم ولم يخشوا ظلما([1]).
2-  الهجرة الثانية إلى الحبشة:
بلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة، فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحاً، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وكانوا أكثر من ثمانين رجلاً، وهي الهجرة الثانية([2]).
3-  الهجرة من مكة إلى المدينة النبوية:
وسنفرد لها فصلاً خاصاً بها.

 

([1])  انظر: فتح الباري (7/ 188).
([2])  انظر: فتح الباري (7/ 189).


ثانياً: أحداث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم:

· كان اختيار المدينة مهاجراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى،  قال صلى الله عليه وسلم : ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل،  فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب)) ([1])، وقال صلى الله عليه وسلم : ((إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين)) ([2]).
قال ابن المنير: "كأن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِي دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أُري الصفة المختصة بالمدينة فتعينت".
· وأول من هاجر إلى المدينة كما تذكر كتب السير هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وكان ذلك قبل بيعة العقبة بسنة، وكذلك كان مصعب بن عمير وابن أم مكتوم من أوائل المهاجرين حيث كانا يقرئان الناس القرآن، ثم تتابع المهاجرون فقدم المدينة بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ثم عمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة([3]).
· أراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة وتجهز لذلك فقال له النبي : ((على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي)).وكان ذلك قبل الهجرة بأربعة شهر.
ولم يهاجر أبو بكر رضي الله عنه رجاء أن يكون في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إن أذن له في الهجرة([4]).
· أجمعت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر القرآن: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}[الأنفال:30].
· أذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فجاء إلى الصديق في وقت الظهيرة، تقول عائشة: فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهراً . . قال : ((أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟!))، قال: الصحبةَ يا رسول الله؟ قال: ((الصحبة)) ([5]).
وكان الصديق قد أعد ناقتين فعرض إحداهما على رسول الله يركبها فقبل وقال: ((بالثمن)) ([6]).
· وبدأ آل أبي بكر بالتجهيز السريع للرحلة، قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب([7]).
· وقد كان خروجهم من مكة ليلاً يقول الصديق: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة([8]).
قال ابن حجر: "أسريت: في سير الليل"([9]).
وكان ذلك في يوم الاثنين أو الخميس، قال الحاكم: "تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين".
قال ابن حجر: "خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين"([10]). فكأنه اعتبر بداية رحلة الهجرة.
· وأوى رسول الله إلى بئر ميمون (في طريق منى) حيث واعد الصديق، ثم دخلا الغار فيما بقي علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعمي على قريش خروج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وقد كانت قريش ترميه بالحجارة، وهي تظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم([11]).
· كَمَنَ صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة، فيسمع أخبار قريش، فإذا جاء الظلام انطلق إلى الغار يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، فيما كان عامر بن فهيرة يرعى بغنمه عليهما فيشربان من ألبانها، ويعود عند الغلس إلى رعيان قريش([12]).
· وصلت قريش باقتفاء الأثر إلى غار ثور حتى وقفوا على باب الغار يقول أبو بكر: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا قال : ((ما ظنك باثنين  ـ يا أبا بكر ـ الله ثالثهما))([13]).
· وبعد المكث في الغار ثلاثة أيام انطلق النبي وصاحبه صباحاً بصحبة الدليل الليثي وعامر بن فهيرة وقد خلا الطريق لا يمر فيه أحد ([14]) .
· وقصد رسول الله وصاحبه صخرة طويلة وإذا براع لرجل من أهل مكة، فحلب لهما ورسول الله نائم،  فبرده الصديق له، فاستيقظ رسول الله فشرب ثم شرب الصديق([15]).
· ومر رسول الله وصاحبه بخيمة أم معبد بقُديد، وطلبا منها القِرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها، وعندها شاة هزيلة لا تدر لبناً، فأخذ رسول الله الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله وحلب في إناء،  حتى علت الرغوة،  وشرب منه الجميع([16]).
· وانطلق الركب من طريق الساحل، وشعرت قريش بخيبتها فجعلت لمن قتل رسول الله وصاحبه ديتين فلما جازا قديداً أدركهما سراقة بن مالك المدلجي يقول : فركبت فرسي .. تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت،  وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثَان ساطع في السماء مثل الدخان . . فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت وجئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: ((أخف عنا))،  فسألته أن يكتب لي كتاب أمن،  فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم([17]).
· وأما الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته فقد ذكره ابن إسحاق والحاكم فرويا عن عائشة رضي الله عنها قالت: ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الغار مهاجراً ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مردفه أبو بكر، وخلفه عبد الله بن أريقط الليثي فسلك بهما أسفل من مكة، ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديداً، ثم سلك  بهما الحجاز، ثم أجاز بهما ثنية المرار، ثم سلك  بهما الحفياء، ثم أجاز بهما مدلجة ثقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح ثم سلك  بهما مذحج ثم ببطن مذحج من ذي الغصن ثم ببطن ذي كشد ثم أخذ الجباجب ثم سلك  ذي سلم من بطن أعلى مدلجة ثم أخذ القاحة ثم هبط العرج  ثم سلك  ثنية الغائر عن يمين ركوبه ثم هبط بطن ريم فقدم قباء على بني عمرو بن عوف([18]).
وفي الطريق كان الصديق إذا سئل عن النبي قال: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق،  وإنما يعني طريق الخير([19]).
· وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل([20]) .
وقد كان الصحابة يخرجون كل يوم ينتظرون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا ارتفعت الشمس عادوا إلى بيوتهم.
· ولما أتى النبي قباء كانت الشمس قد اشتدت فدخلوا بيوتهم، وقدم رسول الله فبصر به يهودي فصرخ : يا معشر العرب،  هذا جدكم الذي تنتظرون([21]). فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول،  فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة([22]).
· وبلغ عدد مستقبليه صلى الله عليه وسلم حين جاء المدينة-كما جاء في بعض الروايات- خمسمائة من الأنصار،  ودخل والرجال والنساء فوق البيوت، والغلمان في الطرقات يقولون : يا محمد يا رسول الله([23]). يقول البراء: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله([24]).
يقول أنس: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه([25]).
· ومشى موكب النبي صلى الله عليه وسلم في طرقات المدينة، وتطلع زعماء الأنصار إلى استضافة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكلما مر بأحدهم دعوه للنزول عندهم، فكان يقول لهم: ((دعوا الناقة فإنها مأمورة))،  فبركت على باب أبي أيوب([26]).
وكانت داره طابقين، يقول أبو أيوب : لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو،  فقلت له : يا نبي الله – بأبي أنت وأمي – إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك،  وتكون تحتي،  فاظهر أنت،  فكن في العلو،  وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: ((يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت))، قال: فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، وما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله منه شيء يؤذيه([27]) .
وفي رواية ضعيفة لابن سعد أن مقام النبي في دار أبي أيوب استمر سبعة أشهر([28]).

 

([1])  أخرجه البخاري ح (6629) ومسلم ح (2272).
([2])  أخرجه البخاري ح3694.
([3])  أخرجه البخاري ح (4657).
([4])  أخرجه البخاري ح (2176).
([5])  أخرجه البخاري ح (2318).
([6])  أخرجه البخاري ح (2318).
([7])  أخرجه البخاري ح (3906).
([8])  أخرجه البخاري ح (1365).
([9])  فتح الباري ح (6/ 623).
([10])  فتح الباري ح (7/ 237).
([11])  أخرجه أحمد ح (3052) وإسناده صحيح.
([12])  أخرجه البخاري ح (3906).
([13])  أخرجه البخاري ح (3653)، ومسلم ح (2381).
([14])  أخرجه البخاري ح (3615).
([15])  أخرجه البخاري ح (3615)، ومسلم ح (2009).
([16])  أخرجه الحاكم ح (4274)، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
([17])  أخرجه البخاري ح (3906).
([18])  أخرجه الحاكم ح (4272) وصححه، وسكت عنه الذهبي، وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (7/238).
([19])  أخرجه البخاري ح (3911).
([20])  أخرجه الحاكم (3/ 8).
([21])  أخرجه البخاري ح (3906).
([22])  أخرجه البخاري ح (3906).
([23])  أخرجه مسلم ح (2009).
([24])  أخرجه البخاري ح (3925).
([25])  أخرجه أحمد ح (13110).
([26])  أخرجه الطبراني وفيه راو ضعيف.
([27])  أخرجه الحاكم ح (5939) وصححه ووافقه الذهبي.
([28])  الطبقات (1/ 237).


 
ثالثاً: دروس وعبر من حادثة الهجرة:

- معية الله لأوليائه المؤمنين ونصرته لهم، ويتجلى هذا في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار من أن تناله أيدي المشركين ثم نجاته من سراقة بن مالك.
- الثقة المطلقة بالله وبنصره وتأييده، ويتجلى هذا الدرس في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما))، ثم في عدم تلفته عندما لحقه سراقة، وكأن الأمر لا يعنيه صلى الله عليه وسلم، ثم في إعطائه صلى الله عليه وسلم سراقة كتاب أمان، وهو الذي يخرج من بلده مهاجراً، لكنه كان يرى نصر الله له ويرقبه ويتيقنه كما يتيقن الشمس في رابعة النهار.
- الأخذ بالأسباب المادية لا ينافي التوكل، فها هو صلى الله عليه وسلم حال هجرته يأخذ شتى الوسائل المادية المتاحة له، فيستخفي بالظهيرة ثم بسواد الليل ثم بتجويف الغار، ويسلك طريقاً غير معتادة، وينطلق جهة الجنوب ومقصده الشمال، ويستعين بكافر قد أمنه ... لكن ذلك كله لم ينسه أن يتوكل على ربه ويعتمد عليه.
وهذه الأسباب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن كافية لإبعاد قريش عنه، فقد وصلت قريش إلى غار ثور، لكن الله حجبه عنهم فلم يصلوا إليه بسوء.
يقول ابن حجر: "فالتّوكّل لا ينافي تعاطي الأسباب لأنّ التّوكّل عمل القلب وهي عمل البدن، وقد قال إبراهيم عليه السّلام: {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى}[البقرة:260] وقال عليه الصّلاة والسّلام: ((اعقلها وتوكّل))" ([1]).
 وقال الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة رحمه الله: "مهما أمكن المكلّف فعل شيء من الأسباب المشروعة لا يتوكّل إلا بعد عملها، لئلا يخالف الحكمة, فإذا لم يقدر عليه وطّن نفسه على الرّضا بما قدّره عليه مولاه، ولا يتكلّف من الأسباب ما لا طاقة به له".
 قال ابن حجر: الأسباب إذا لم تصادف القدر لا تجدي"([2]).
وقال بعد أن ذكر أقوال العلماء في العلاقة بين الأسباب والتوكل: "والحقّ أنّ من وثق باللّه وأيقن أنّ قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكّله تعاطيه الأسباب اتّباعًا لسنّته وسنّة رسوله, فقد ظاهر صلّى اللّه عليه وسلّم في الحرب بين درعين, ولبس على رأسه المغفر, وأقعد الرّماة على فم الشّعب, وخندق حول المدينة, وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة, وهاجر هو, وتعاطى أسباب الأكل والشّرب, وادّخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السّماء, وهو كان أحقّ الخلق أن يحصل له ذلك, وقال الّذي سأله : أعقل ناقتي أو أدعها ؟ قال : ((اعقلها وتوكّل)) فأشار إلى أنّ الاحتراز لا يدفع التّوكّل, واللّه أعلم"([3]).
- جواز استخدام المعاريض في دفع الشر والبلاء كما صنع الصديق حين كان يخبر من قابله في طريق الهجرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم دليله في الطريق، فيفهم المخاطب أنه طريق السفر، وهو يقصد الطريق إلى الجنة.
قال ابن تيمية في بيان جواز استخدام المعاريض في بعض المواطن، بل وجوبها: "وقد يكون واجباً إذا كان دفع ذلك الضرر واجباً ولا يندفع إلا بذلك، مثل التعريض عن دم معصوم وغير ذلك، وتعريض أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد يكون من هذا السبيل"([4]).
وبين رحمه الله الفيصل بين ما يحل وما يحرم من المعاريض فقال: "والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على الإنسان والعقود بأسرها، ووصف العقود عليه والفتيا والتحديث والقضاء إلى غير ذلك، وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب"([5]).
قال ابن حجر: "ومحلّ الجواز فيما يخلّص من الظّلم أو يحصّل الحقّ, وأمّا استعمالها في عكس ذلك من إبطال الحقّ أو تحصيل الباطل فلا يجوز"([6]).
وقال النووي: "استعمال المعاريض عند الحاجة .... وشرط المعاريض المباحة ألا يضيع بها حقّ أحد"([7]).
- العفة والزهد فيما عند الناس رغم الحاجة إليه درس آخر من دروس الهجرة، حيث عرض سراقة بن مالك عليه الزاد والعون وهو صلى الله عليه وسلم أحوج الناس يومذاك إليه، يقول سراقة: وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: ((أخف عنا)) ([8]).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) ([9]).
- جواز الاستعانة بالمشرك إذا أمن شره ومكره، فقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقط فكان دليله في سفره وكان (هادياً خرّيتاً – والخريت الماهر بالهداية – قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه([10]) .
- بذل الصحابة أنفسهم وأموالهم وأهليهم فداء لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقد نام علي في فراشه ليلة خروجه، وكان الصديق شريكه في أهوال رحلة الهجرة، فيما جهد ولداه عبد الله وأسماء ومولاه عامر في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من علامات الإيمان وضروراته، قال صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))([11]).
- دلائل صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ثباته في الغار، وحين دهمهم سراقة، وذلك لا يتأتى إلا لمن علم أن ربه لا يسلمه إلى عدوه.
ومنه أيضاً معجزاته عليه الصلاة والسلام فقد ساخت يدَا فرس سراقة لما همه بالسوء، كما حلبت شاة أم معبد وهي عجفاء لم يطرقها فحل -كما جاء في بعض الروايات – لما مسّ صلى الله عليه وسلم ضرعها.
- الاستفادة من الطاقات المختلفة، وكل حسب نوعه وسنه، فقد كان الصديق بحكمته خير رفيق للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما تولى الشاب عبد الله بن أبي بكر مهمة تحسس أخبار قريش، وتولى عامر بن فهيرة الخدمة، وتولت أسماء إعداد الجهاز والطعام لهذا الركب.
- استحباب الرفقة في السفر، وأن يكونوا أكثر من واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب))([12]).
قال الخطابي : "والمنفرد في السّفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه, ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم, ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة, فإذا كانوا ثلاثةً تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلّوا الجماعة وأحرزوا الحظّ فيها"([13]).
 - فضل عبادة الهجرة وعظم ثواب المهاجر حيث قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) ([14])، وفي بيان ما فيها من بلاء قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [النساء:66]، فجعل ترك الديار والأوطان قرين القتل والموت.
- فضل الصديق وشدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان له أنيساً وصاحباً في الهجرة وخادماً، فقد كان يحرسه ويخاف عليه ويبرد له اللبن ويؤثره على نفسه ويظله إذا قامت الشمس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار، أترى لم يسمع الروافض الكفار: {ثاني ... الغار} [التوبة: 40]؟!
دعا إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحبة فما زل ولا كبا، وصبر في مدته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا([15]) .
تا لله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار، {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ}.
من كان قرين النبي في شبابه؟! من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟! من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟! من أول من صلى معه؟! من آخر من صلى به؟! من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟! فاعرفوا حق الجار.
نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ، وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الألحاظ، فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ، حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره، ولكن أين الفرار؟!.
كم وقى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جلية وهي خلية عن اللبس، يا عجبًا! من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارًا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول: ((ما ظنك باثنين الله الثالث)) فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث، فزال القلق وطاب عيش الماكث، فقام مؤذن النصر ينادي على رؤوس منائر الأمصار (ثاني اثنين إذ هما في الغار).
حبه ـ والله ـ رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية، لولا صحة إمامته ما قيل: ابن الحنفية، مهلاً مهلاً، فإن دم الروافض قد فار.
والله ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هوانًا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: (رضيك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟!).
تا الله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تا لله لقد وجب حق الصديق علينا، فنحن نقضي بمدائحه ونقر بما نقر به من السني عينًا، فمن كان رافضيًا فلا يعد إلينا وليقل: لي أعذار([16]).
- اختلف العلماء في توجيه شرب النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الراعي في الطريق، قال المهلّب بن أبي صفرة : "إنّما شرب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من لبن تلك الغنم لأنّه كان حينئذ في زمن المكارمة, ولا يعارضه حديثه: ((لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه))، لأنّ ذلك وقع في زمن التّشاحّ, أو الثّاني محمول على التّسوّر والاختلاس، والأوّل لم يقع فيه ذلك بل قدّم أبو بكر سؤال الرّاعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم, كأنّه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك والإذن في الحلب على المارّ ولابن السّبيل, فكان كلّ راع مأذونًا له في ذلك .
وقال الدّاوديّ : إنّما شرب من ذلك على أنّه ابن سبيل وله شرب ذلك إذا احتاج, ولا سيّما النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم"([17]).
- أهمية المسجد ودوره في الإسلام، حيث حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه أينما حل، فقد بنى مسجد قباء قبل وصوله المدينة، وكان بناء المسجد النبوي أول أعماله صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة.
وليس هذا آخر الدروس والعبر المستفادة من حادثة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

([1])  رواه الترمذي 2517، فتح الباري (6/ 82).
([2])  فتح الباري (9/ 120).
([3])  فتح الباري (10/ 212).
([4])  الفتاوى الكبرى (3/ 205).
([5])  الفتاوى الكبرى (3/ 206).
([6])  فتح الباري (10/ 594).
([7])  شرح النووي على مسلم (2144).
([8])  أخرجه البخاري ح (3694).
([9])  أخرجه البخاري ح (1361).
([10])  أخرجه البخاري ح (3694).
([11])  أخرجه البخاري ح (15).
([12])  أخرجه أبو داود ح (2107)، والترمذي ح (1174).
([13])  تحفة الأحوذي 5/ 260.
([14])  رواه الترمذي ح (3925) وقال: "حديث حسن غريب صحيح".
([15])  أي: حتى توفي.
([16])  الفوائد (ص 100 ـ 101).
([17])  انظر: فتح الباري لابن حجر (7/ 10).


رابعاً: التأريخ الهجري:

إن من المؤسف جدًا أن نجد اليوم أكثر المسلمين يجهلون التأريخ الهجري ويجهلون الشهور العربية، ولا يحسبون إلا بالتاريخ الإفرنجي أو غيره من التواريخ المبدلة المحرفة، يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي رحمه الله: "ومن هنا اعتمد الصحابة التاريخ الهجري منتبهين ومستنبطين، حين استشارهم العبقري الذي يفري الأمور فريًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم، فاتفقوا أن يكون التاريخ من عام الهجرة، وكانوا يؤرخون بالحوادث المشهورة كعام الفيل... ومن الجهل والغفلة بل من العار والشنار أن يؤرخ عربي مسلم بتاريخ جوان وجوليت وحزيران وأغسطس وبشنس وهلم جرا، وبالميلاد المنسوخ بالهجرة، فيترك الناسخ ويجعل الهجرة مهجورة والعياذ بالله، وإن بعض الحكومات كمصر تعمل بهذا وهي مسلمة ويا للغفلة!! والمطلوب كل المطلوب أن تعتبر الهجرة وصاحب الهجرة صلى الله عليه وعلى وآله وصحبه وسلم ومن تبعه وتبعهم من أمته إلى يوم الدين"([1]).

 

([1])  الثمرة الأولى لجمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين (ص 41، 42).

 المصدر : المنبر

بث مباشر للمسجد الحرام بمكة المكرمة