السبت، 26 نوفمبر، 2011

عام جديد وهدف وحيد

عام جديد وهدف وحيد

عبد العزيز بن محمد الغفيلي المطوع
عام جديد وهدف وحيدلكل مخلوق فوق هذه المعمورة خِلْقَتُه وفِطْرَتُه التي فطره الخالق عليها، كما أنّ له غاية وهدفًا يَطْمَحُ في الوصول إليهما، وما سَبَقَ ينطبق على أي ديانة يَدين بها هذا المخلوق الضعيف، كما أنَّ الطيور والبهائم -أيضًا- لها هدف تسعى إلى تحقيقه إبَّان حياتها فقط!! فالرغبة مشتركة عند الكلِّ من ناحيةِ تحقيق الهدف، بَيْدَ أنَّ هذه الرغبة متباينة من حيث النوع.

ولكن.. هل سأل كل واحد منا نفسه: ما هذا الهدف الذي أطمح في الوصول إليه؟!

أعتقد -والله أعلم- أنّ الغالبيّة سيشطح خيالهم بعيدًا عن الهدف الأسمى والأغلى بل والأهم، فهناك من يهدف إلى جمع المزيد من المال بأيِّ طريقة كانت، وهناك من يهدف إلى الحصول على أعلى الشهادات والأوسمة، وهناك من يَطْمَحُ في قصر مُنيف، أو سيارة فارهة أو زوجة ذات حسن وجمال ومنصب، أو غير ذلك من الأهداف الواهية.

عودًا على بدء، إخال من كانت هذه غاية مبتغاة -من بني قومي- فقد شارك غيره من بني صهيون وعلمان ومجوس وبقية حثالة الغرب والشرق في نوعية هذا الهدف!!

كيف لا، وهو قد شاركهم الطموح ذاته؟! أليس الجميع منهم يبحث عن ثراء ومنصب وزوجة فقط؟! يبذل الغاليَ والنفيس في سبيل الحصول على ذلك.

نعم، أعتقد أن في الأمر متسعًا، ولا أطلب من الجميع الرُّكُونَ والكسل حتى لا يطالهم ذلك الاتهام، ولكن {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. هذا ما أريد الوصول إليه، فبعد الفرض نتفرغ للنفل، نتفرغ للفروع والمتغيِّرات، ولكن بعد أن نؤدي الأصول والثوابت، لم لا يكون هدف كل مخلوق رضا الله عنه في كل فعل يفعله؟ فيكون جمعه للمال من أجل رضا الله، ويرغب في الوصول للمنصب ليفعل ما يُرْضِي الله، ويريد الزواج طَمَعًا في رضا الله، فرضا الله يدخل في أي شيء، ولا يمكن لأيِّ شيء أن يدخل في رضا الله!!

أتمنى من جميع إخواني المسلمين عَقْدَ العزم مع بداية صفحة جديدة من عام جديد -ولكنه من الأجل قريب- على وضع رضا الله تعالى نصب أعينهم في كل أمر يُقْدِمُون عليه.

إنه لَمِنْ بَالِغِ الأسى والحزنِ أَنْ نرى أحفادَ القردة والخنازير بني يهود وقد وضعوا نصب أعينهم هدفا يطمحون جميعًا -صغيرهم وكبيرهم، ذكورهم وإناثهم- أقول: وضعوا هذا الهدف الذي يسعون جاهدين لتحقيقه شعارًا لهم في علم بلادهم -طمس الله معالمها- بل وضعوه حتى في عملتهم الرسمية "الشيكل"، يرونه صباح مساء، هذا الهدف للأسف يتمثل فيما يسمى بإسرائيل الكبرى أو إسرائيل المستقبل، وهي التي تمتد من النيل إلى الفرات، وهذا ما يمثله علمهم بخطَّيْه الأزرقين وبينهما نجمة داود، أتمنى أن يعرف ويدرك كل مسلم ما يُحاك من خلف الكواليس وهو قابع خلف الحائط، يَلهو ويمرح، غَرَّه فسحة الأمل وطول العيش، أتمنى أن نقتبس من هؤلاء اليهود شيئًا واحدًا فقط؛ هو: توحيد الهدف بين الجميع.

يا لها من سعادة عظيمة عندما نعمل ما بدا لنا ونحن نَنْعَمُ برضا المولى جل وعلا، نغدو ونروح، نفرح ونحزن، نُمسي ونُصبح، كل ذلك والله راضٍ عنا.

قد يقول قائل: إن رضا الله أمرٌ فِطْريٌّ عند كل مسلم محقق لمعنى العبودية؛ لكون العبادة بمعناها العام: اسمًا جامعًا لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال. ولكن أقول لهذا القائل: نعم، هو أمر فطري، بَيْدَ أنه نظري، فالهوّة ساحقة بين النظرية والتطبيق، ولا أدل على ذلك من كون كل مخلوق يولد على الفطرة، ولكن ماذا بعد ذلك؟!

يقول الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]. أي أخلص عمل وأصوبه؛ فإن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا؛ لم يُقبل وإذا كان صـوابًا ولم يكن خالصًا؛ لم يقبل، فلا يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا.

عجبًا لمن يعمل ما بدا له ويقول بأنني مسلم، فإن كان هذا العمـل الذي يعمله دينيًّا؛ لم يقبـل منه وإن كان دنيويًّا؛ لم يؤت ثمرته المطلوبة، ولم يحقق نتيجته المرقوبة؛ لأنه مبني على نظر غير صحيح، ولهذا قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 2-5].

على كل مسلم أن يَقْرِنَ العمل بالرضا؛ ليتحقق له الحسنيان، وعليه أن لا يركن إلى الانتحال لدين الإسلام فقط، فليس كل من ادعى السعادة سعيدا، ولا كل من سُمِّيَ صالحا بصالح، فلا بد من العمل والرضا وهو الأهم.

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124]. فالنص واضح وصريح، فالانتماءات والأسماء وحدها لا تكفي -ولو كانت شريفة وصحيحة في ذاتها- حتى يقترن بها العمل، الميزان مرتبط بـ: "من يعمل ..."، أو: "ومن يعمل ...". ولهذا كان بعض السلف يقولون: إن هذه أخوف آية في كتاب الله تعالى. يقول الحافظ ابن كثير: "والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلّي، ولا بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، وليس كلُّ من ادعى شيئًا؛ حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه على الحـق سُمِعَ قـوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان. وكلمة الحسن البصري -رحمه الله- مشهورة، وهي التي ساقها ابن كثير في صدر كلامه السابق.

هناك من الناس من بلغت به الثقة العمياء من صحة موقفه وعمله ما جعله يعتقد أنه أحد المبشَّرين بالجنة، وهنا مَكْمَنُ الخلل وعين الخطأ، فكل عمل لا بد له من الاقتران بالرضا حتى يكتب له القبول، فالقول شيء والعمل شيء آخر، يقول الطغرائي في قصيدته الشهيرة (لامية العجم):
غاض الوفاء، وفاض الغدر، واتسعـ *** ـت مسافة الخلف بين القول والعمل

ختامًا، أسأل الله للجميع عامًا جديدًا، وهدفًا وحيدًا، ألا وهو رضا الله ، وعلينا نسيان الماضي، فليست العبرة بنقص البدايات، ولكن العبرة بكمال النهايات كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.

صيد الفوائد 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق