الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

دور المسجد في مكافحة الفقر والبطالة

دور المسجد في مكافحة الفقر والبطالة

مقدمة من
الدكتور / إسماعيل سعيد رضوان
أستاذ الحديث المشارك وعميد المكتبات
بالجامعة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ... وبعد،
لقد اهتم الإسلام بمشكلتي الفقر والبطالة وحرص على علاجهما قبل نشوئهما بوسائل وقائية وإذا وقع الفقر أو وجدت البطالة، وضع لها وسائل لمعالجتها منها :

أولاً : الوسائل الوقائية:
 
1- الإيمان : حيث إن الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق يدعو الفقير إلى الرضا بما قسمه الله له، وهذا الإيمان يدفعه إلى السعي وراء أسباب الرزق لتحصيل ما كتبه الله له. فقال تعالى: { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } (هود: 6)

2- التقوى:إن تقوى الله تفتح له أبواب الخير والرزق من حيث لا يحتسب حيث قال الله { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - ويرزقه مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } (الطلاق:2-3)

3- الشكر: وشكر الله على نعمائه يكون سبباً في زيادة الخير والنعيم قال تعالى { وَإِذْ تَأَذَن َرَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } (إبراهيم: 7)

4- الاستغفار: وهو سبب من أسباب البركة من السماء والأرض وزيادة في المال والبنين { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } (نوح: 10-12)

5- إعمار بيوت الله بالصلاة والمحافظة عليها، والذكر والدعاء والتسبيح والشكر لله تعالى، فإنه بذلك يفيض الله بنعمه على عمّار بيوت الله بالخير في الدنيا والجزاء في الآخرة حيث قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ } ( التوبة: 18)

6- حسن التوكل على الله: قال تعالى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } (الطلاق : 3)
عَنْ عُمَرَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ([1])

7- عدم الإسراف والتبذير : حيث إن التبذير والإسراف سبب من أسباب الفقر في المجتمعات، لأجل ذلك فقد نهى الإسلام عن الإسراف والتبذير فقال تعالى: { وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأعراف: 31)

ثانياً : الوسائل العلاجية

إن من طرق معالجة المسجد للفقر:
 
1- تشجيع الناس على مزاولة الأعمال الحرة، وبعض المهن والصناعات كما كان يفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين أعطوا القدوة والمثل الأعلى في العمل الحر والكسب الحلال. ومن أمثلة ذلك :
أ- نوح عليه السلام تعلم صنع السفن، وأمره الله بصنعها في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ - وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } (هود: 37-38)

ب- داوود عليه السلام كان يجيد الحدادة وصناعة الدروع الحربية قال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ - أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُون بصيرَ } (سبأ: 10-11) وأخرج البخاري عن أَبُي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ([2])

ج- موسى عليه السلام الذي أجّر نفسه في رعي الغنم ثماني سنوات لنبي الله شعيب عليه السلام مقابل نكاح إحدى ابنتيه قال تعالى: { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ - قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } (القصص : 27-28)

د- ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يرعى الغنم ويزاول التجارة بأموال خديجة رضي الله عنها قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ([3])
فلنا في الأنبياء القدوة الحسنة والصالحة في مزاولة العمل والتجارة ورعي الأغنام وهو من أشرف الكسب وأعظم الحلال لأن ذلك مهنة الأنبياء وفعل المرسلين عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وقد حث القرآن الكريم على الكسب الحلال ودل على طرق الرزق وأسباب الغنى بكسب اليد وذلك لأن العمل طريق إلى المجد والرفعة والنهوض بالمجتمع نحو التقدم في كل المجالات.
 
فمن الآيات التي جاءت ترغب في العمل وتحض عليه:
 
أ - قال تعالى : { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } (التوبة : 105)
( فَسَيَرَى اللَّه عَمَلكُمْ وَرَسُوله ) يَقُول : فَسَيَرَى اللَّه إِنْ عَمِلْتُمْ عَمَلكُمْ , وَيَرَاهُ رَسُوله والمؤمنون سيرونه في الدنيا، وفيها حث على الإتقان في العمل واستشعار مراقبة الله تعالى في جميع أعمالنا.
ب- وقد أمر الله تعالى بالانتشار في الأرض والسعي والكسب من أجل تحصيل الرزق، قال تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الجمعة: 10)
أي: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ) وابتغوا من فضل الله) أي من رزقه ، وكان عرّاك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.([4])
وقال بعض السلف : "من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقوله تعالى { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } (الجمعة :10)
ج – ويقول تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (الملك: 15)
فقد ذلل الله تعالى الأرض وسخرها للإنسان ، فالقرآن يذَكّر الناس بهذه النعمة الهائلة، فقد ذلل الله تعالى الأرض للعيش عليها، والتنقل بين جنباتها، فهي مذللة للسير عليها بالفلك التي تمر في البحار، وهي مذللة للزرع والجني والحصاد وقوله (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) فالمناكب هي المرتفعات والجوانب فإذا أذن الله بالمشي في الجبال والمرتفعات فقد أذن بالمشي في البطاح والسهول من باب أولى، والرزق المقصود في الآية ليس هو المال الذي يجده المرء في يده ليحصل على حاجياته ومتاعه، وإنما هو كل ما أودعه الله في هذه الأرض من أسباب الرزق من خيرات ظاهرة وباطنة تشمل بذلك المعادن الكامنة في أعالي الجبال والمخبوءة في جوف الأرض وقد جعل الله الوصول إليها أمراً ممكناً بسبب تذليله للأرض وتسهيله التنقل عليها، والتجول بين جنباتها.
ولقد حثت السنة النبوية الشريفة على العمل ونهت عن التواكل والتكاسل، وقد أخرج البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ([5])
فهذا الحديث يبين أهمية العمل وشرفه، وأن الاحتطاب على ما فيه من مشقة وتعب وربح قليل خير من الكسل والقعود عن العمل وسؤال الناس([6]).
فالعمل هو إحدى وسائل معالجة الفقر، وبغيره يصبح الإنسان عالة على الناس والمجتمع، فالخطيب حينما يدعو الناس في خطبة الجمعة وفي مواعظه للعمل والكسب الحلال ويرغب في ذلك إنما يساهم في حل مشكلة الفقر والبطالة التي تنتشر في المجتمعات الإسلامية

ثالثاً : التكافل الاجتماعي:

التكافل الاجتماعي بمعنى التساند والاجتماع والالتقاء ويحدث هذا بين أفراد المجتمع وجماعاته بحيث تراعى مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ولا يطغى أحدها على الآخر.
فالتكافل الاجتماعي كفالة متبادلة بين أفراد المجتمع للتعاون في المنشط والمكره على تحقيق منفعة أو دفع مضرة ولا يكون لفريق في هذا التكافل فضل على فريق آخر، إذ العبء فيه موزع على كافة الأفراد والفائدة فيه عائدة على الجميع وهذه الصورة لا تتحقق إلا في المجتمع الإسلامي الذي يرتبط أفراده برباط العقيدة. ([7])
فالتكافل بين أفراد المجتمع المسلم الغني يكفل الفقير، والقوي يكفل الضعيف، هو عملية مستمرة ومسئولية متبادلة بين الأفراد بحيث يشعر كل فرد من أفراد المجتمع بإحساس أخيه وشعوره ، وأن ما ينال أخاه من خير أو شر عائد عليه لا محالة([8]).
والمسجد الذي يعمل على ترسيخ مبدأ التكافل الاجتماعي يساهم في علاج مشكلتي الفقر والبطالة، وذلك من خلال الدور الذي يقوم به إمام المسجد وخطيب المسجد وأسرة المسجد.
ويمكن لإمام المسجد وخطيبه أن يقوم بدورٍ حيوي لتحقيق الترابط الأخوي، ودعم أجواء الأمن والسلامة، وصيانة المجتمع من دواعي الأنانية والتعسف، لإيجاد مجتمع فاضل متعاون، من خلال حثّه المصلين على القيام بتوطيد العلاقة بينهم، و تجسيد نظام التكافل الاجتماعي، وشعور كل مسلم بمسؤوليته نحو مجتمعه، فيعمل كل فرد على تعميق معاني الأخوة الإيمانية، بتبادل مشاعر المحبة والود، وتصفية النفوس من الشحناء، وتنقيتها من العداوة والبغضاء، وسعي كل عضو لدفع مظاهر السخرية والاحتقار، والعمل على فك الضائقات وتفريج الكربات، بالبذل والإنفاق، وتفقد المحتاجين من أبناء الحي والتبرع لهم، والعطف على المعوزين والمعدمين، والنظر في أحوال المرضى والمعاقين، والرحمة بهم، ومدّ يد العون لأولئك الذين عضتهم أنياب الفقر، وأصابتهم الفاقة، والعناية بمن يحتاجون إلى رعاية مادية ومعنوية.
كما أن إمام المسجد يستطيع –بما يحظى به من ثقة- أن يستقطب الأثرياء وذوي اليسار من أبناء الحي، ليكونوا مصدر تمويلٍ لإخوانهم المحتاجين، للتخفيف من معاناتهم، ومساعدتهم بما أنعم الله عليهم من المال، وسدّ حاجات الفقراء، وبسط أيديهم للإنفاق على العجزة والأيامى، والمكلومين واليتامى، والعاجزين عن التكسب والعمل، والتخفيف من آلامهم، كلُّ ذلك من أجل إقامة جسور من الرحمة والرأفة مع أفراد المجتمع، الذين أدت بهم الظروف المعيشية إلى الوصول إلى هذه الحالة، وإشباعهم وإكفائهم وانتشالهم من مذلة السؤال ومهانته.
إن التكافل الاجتماعي حين يطبق بين أفراد المجتمع، تبرز آثاره التربوية النافعة، في معالجة النفوس، وإصلاح القلوب، وتهذيب السلوك والطباع، والإحساس بالشعور الأخوي بين الجميع، وترسيخ التآلف والتعايش الودي الآمن، والمعالجة العملية لحالات من الفقر والحرمان، والعجز والإعسار.
إنَّ العناية بالتكافل الاجتماعي، وتطبيقه عملياً، يحفظ المجتمع وينقذه من لجوء البعض إلى طريق الإجرام، والوقوع في مزالق الانحراف، ومحاضن الرذيلة، وسلوك السبل الملتوية للوصول إلى تحقيق الهدف، مما يؤدي إلى خلخلة أمن المجتمع، وتفككه واضطرابه، وارتفاع نسبة الجريمة، فالتكافل الاجتماعي له دور مهم وفعال في انضباط الأفراد، وتحقيق الأمن الاجتماعي، وترسيخ الاستقرار والاطمئنان، وغرس القيم الإيمانية بين جميع فئات المجتمع، وهي القيم التي تحفظ على المجتمع أمنه وسلامه، وتبث فيه روح الإخاء، وتبعده عن الاستغلال والعدوان، وتنقي النفوس من الأحقاد والعداوات.

1- كفالة الأغنياء للأقارب الفقراء:

حيث حث الإسلام على كفالة الأغنياء للأقارب الفقراء لأنهم أعلم بأحوالهم حيث قال تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (البقرة: 177) وقال تعالى: { وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (الأنفال: 75)

2- كفالة اليتامى:
 
اهتم الإسلام باليتامى اهتماماً كبيراً حيث ذكرهم المولى عز وجل في كتابه العزيز في اثنتين وعشرين آية، لكن الله سبحانه وتعالى لم يحث صراحة على كفالة اليتيم ولا في آية واحدة ويشعر هذا إلى أن كفالة اليتيم هي من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى النص عليها رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على كفالة اليتيم واهتم بذلك ، فقد أخرج البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ([9]) .
وقد حصر الدكتور عبد العال أحمد عبد العال التكافل الاجتماعي في الخطوط العريضة التالية:
 
1- أن يشعر كل فرد في المجتمع بأن عليه واجبات يجب أن يؤديها وأن له حقوقاً يلزم الدولة أن تكفلها له.
فقد أخرج البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ([10])

2- فتح باب العمل للقادرين وسد حاجة غير القادرين عليه ويوجب الإسلام على بيت المال الإنفاق على المحتاجين لذلك ، والمسجد بإمكانه أن يقوم بدور في حل أزمة المحتاجين في هذا الجانب من خلال تنمية شعور التكافل الاجتماعي بين المسلمين، ومن خلال صندوق العائلات الفقيرة الذي من الممكن إنشاؤه في كل مسجد بحيث يقوم المصلون الذين يستطيعون أن يتبرعوا بدينار واحد كل أسبوع لإعالة العائلات الفقيرة والمحتاجة ، أو من خلال صناديق الزكاة التي تنتشر من خلال المساجد.

3- توزيع الأموال العامة على وجه يحقق التوازن بين المسلمين .
4- اشتراك كل أفراد المجتمع القادرين على تحمل المسئوليات في تنمية الخير ودفع الشر.

5- أن يوقن الناس بأنهم متساوون في أصل الحقوق والواجبات وأن الجزاءعلى الأعمال علىحسب طبيعتها ومقدارها وثمرتها ([11]). قال تعالى : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (المائدة: 2)

رابعاً: أداء الحقوق المفروضة والمندوبة في الأموال:
 
يمكن معالجة مشكلتي الفقر والبطالة من خلال الحقوق المفروضة والمندوبة في الأموال([12])، كالزكوات والكفالات والفدية والأضاحي والهدي والصدقات قال تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (التوبة: 60)
وقد رغب الإسلام في الإنفاق ليسد حاجة الفقراء والمحتاجين
فقال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ } (البقرة: 215)
ولو قام المسلمون بأداء واجباتهم في الزكوات لحلت جميع مشاكل الفقر والبطالة في العالم الإسلامي، والمسجد له دور رئيس في تحفيز الناس للالتزام بواجباتهم، وتحذيرهم من عدم الالتزام بأداء ذلك وتعد الزكاة من الوسائل المهمة في علاج مشكلة الفقر والبطالة.
فزكاة الفطر مثلاً الحكمة من مشروعيتها وإيجابها كما بينها الحديث الذي أخرجه أبو داوود عن ْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَات ([13])
والأضاحي التي يقوم المسلمون بأدائها تساهم في علاج مشكلة الفقر التي تنتشر في المجتمع، ويكون هذا من خلال الدور الذي تقوم به المساجد في مساعدة الفقراء وتوزيع الأضاحي عليهم، فيسن للمضحي أن يأكل من أضحيته ويهدي للأقارب ويتصدق منها على الفقراء.
---
الهوامش :

( [1] ) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد ، باب التوكل واليقين ، ح4154
( [2] ) انظر : صحيح البخاري ، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ح1931.
( [3] ) صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الأغنام على قراريط ، ح 2102.
( [4] ) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي، 18/105.
( [5] ) انظر صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ح 1932.
( [6] ) انظر: الإعجاز التشريعي في علاج مشكلة الفقر من منظور قرآني، محمود عنبر، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، 2000م.
( [7] ) المرجع السابق.
( [8] ) انظر: الثروة الاجتماعية في ظل الإسلام، البهي الخولي، ص 236.
( [9] ) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: فضل من يعول يتيماً ، ح5546.
( [10] ) انظر: صحيح البخاري، كتاب العتق ، باب: العبد راع في مال سيده، ح2371
( [11] ) انظر: التكافل الاجتماعي في السنة النبوية المحمدية، رسالة دكتوراة، ص: 806.
( [12] ) انظر: الإعجاز التشريعي في علاج مشكلة الفقر من منظور قرآني، محمود عنبر، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، 2000م.
( [13] ) سنن أبو داوود ، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، ح1817.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق