الخميس، 28 يوليو، 2011

وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها


وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها


كتبه الدكتور : مناع خليل القطان 


لقد وردت آيات كثيرة في وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة البشرية وهي نصوص قطعية صريحة لا مجال للرأي فيها. واقترنت هذه الآيات ببيان المبادئ والأسس التي تقتضي التحاكم إلى شرع الله، واعتبار هذا من مقتضيات عقيدة الإيمان، كما اقترنت ببيان بواعث الخروج عن تحكيم الشريعة الإسلامية.

أولا:المبادئ والأسس التي تقتضي التحاكم إلى شرع الله. 

تحقيق معنى العبودية لله - تعالى -. 

حدد الإسلام غاية الإنسان في الحياة بقوله - تعالى -: سورة الذاريات الآية 56 وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وإذا عرفنا معنى العبادة في اللغة أمكننا أن ندرك تمام الإدراك أن حياة المسلم لا ينبغي أن تخرج عن معنى العبودية بحال من الأحوال.
فالعبادة معناها: الخضوع والتذلل والاستكانة وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة - طاعة كان للمعبود أو غير طاعة - وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والسمع والبصر والعقل، وأي نوع من أنواع العبادة مهما كان في نظر الإنسان يسيرا فإنه لا يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، فذلك لا يستحق العبادة إلا الله.
قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الأفضال. وهو الله - تعالى -، ولهذا قال:
سورة يوسف الآية 40 أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وذكر الطبري عند تأويل قوله - تعالى -في استكبار فرعون وملائه على موسى وهارون (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) [سورة المؤمنون الآية 47] يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون بأمرهم ويدينون لهم. والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له، وذكر عند تأويل قوله - تعالى -: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [سورة الشعراء الآية 22] أي اتخذتهم عبيدا لك.
ويعرف ابن تيمية العبادة فيقول: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).
فمقتضى العبادة على هذا أن يذعن العبد لله إذعانا كاملا في كل ما يأتي وما يذر في ذلة وخضوع، وأن يجعل حياته كلها رهن أوامر الله ونواهيه، وهي دعوة الأنبياء والمرسلين.
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [سورة الأنبياء الآية 25].
ويذكر القرآن الكريم في مقابل هذا الانقياد لله الانقياد للطاغوت (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [سورة النحل الآية 36] وهذه المقابلة تعني أن الخضوع لأي سلطة أخرى خضوع للطاغوت، سواء كان هذا الخضوع للأهواء والشهوات، أم لقوة أرضية أخرى، عاقلة كانت كبني الإنسان ممن يعطون لأنفسهم صفة التشريع لأمتهم، أو غير عاقلة كاتخاذ الأصنام والأوثان. وهذا ما فسر به الطبري كلمة الطاغوت حيث يقول بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء (والصواب من القول عندي أن كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة من عبده له إنسانا كان ذلك المعبود.
أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء.
وبهذا يكون " الحكم " بغير ما أنزل الله طاغوتا...
ويكون " الحاكم " الذي يحكم بغير ما أنزل الله كذلك طاغوتا...
ويكون " الخضوع " لهذا الحاكم أو لذلك الحكم عبادة للطاغوت،
قال - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) [سورة النساء الآية 60]

التسخير الكوني والتسخير الشرعي: 

الانقياد لله تسخيرا طوعا أو كرها في كائنات الله يقتضي انقياد الناس لدينه حتى يتم التناسق بين الخلائق في الكون كله.
إنك إذا نظرت إلى كائنات الله في السماء من شمس وقمر ونجوم وما أودعه الله في قوى العالم السماوي وجدتها تسير على سنن الله المحكمة. لا يختل توازنها، ولا يعتريها اضطراب، تؤدي وظائفها في الحياة على نهج دقيق يدهش العقول، وتخر لعظمته الجباه صاغرة إكبارا للخالق المدبر، ذلك لأنها مسخرة بأمر الله (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [سورة النحل الآية 12].
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ *  يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [سورة النور الآية 43- 44].
وإذا نظرت إلى الأرض وما عليها من كائنات مختلفة الخلق سوى الإنسان كالنبات والطير والأنعام والدواب واليابس والماء والسهول والجبال وما في العالم الأرضي من قوى متنوعة، وجدت هذه العوالم كلها تسير على سنن الله المحكمة كذلك، مسخرة لأداء وظائفها في عمارة الأرض والانتفاع بخيراتها، بما يشهد لله الخالق بالكمال والإجلال.
(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة النور الآية 45].
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ *  يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة النحل الآية 10 - 11].
وهذا الإنسان إذا استثنينا أعماله الاختيارية وجدناه كذلك خاضعا لله تسخيرا في جهازه العصبي وجهازه التنفسي، وحركته الدموية، وأفعاله الاضطرارية بالقيام بوظائفه العضوية قياما ينطق بالعبودية لله.
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ سورة السجدة الآية 8 ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ سورة السجدة الآية 9 ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [سورة السجدة الآية 7].
وما كان للعالم السماوي، أو العالم الأرضي، أو الجانب الاضطراري في الإنسان أن يخرج عن سنة الله في إرادته الكونية.
ولكن الجانب الإرادي في الإنسان - وإن كان خاضعا لقدر الله - هو وحده الذي تمرد على شرع الله.
فإن الله - سبحانه وتعالى - قد بعث رسله وشرع شرائعه لتكون أفعال الإنسان الاختيارية خاضعة لأمر الله الشرعي حتى يتم انقياد الخلائق كلها لله قدراً وشرعاً (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات الآية 56] .:
وهدف الشريعة الإسلامية أن ترد الناس من هذا التمرد الكفري إلى الله وحده بخضوع شئون حياتهم كلها اعتقادا وسلوكا لشرعه - عز وجل -، وبهذا يتحقق معنى شهادة (لا إله إلا الله) بإفراده - سبحانه - بالربوبية والألوهية، والتشريع من خصائص الألوهية، وسبيل ذلك ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا معنى شهادة (أن محمدا رسول الله) أما أن ينتسب المرء إلى الإسلام، ثم يدين لغير الله في أفعاله الاختيارية، وشئون حياته الإرادية بالخضوع للقوانين الوضعية، فتلك هي انتكاسة الفطرة البشرية التي بعث رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من أجلها حتى يصير الكون خالصا لله.
إنه لا بد من خضوع الناس في أفعالهم الاختيارية لشرع الله حتى يتم التناسق في الكون كله بخضوع الكائنات كلها لله، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله - تعالى -: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [سورة آل عمران الآية 83].

تحكيم شريعة الله من أركان الإيمان
 
الإيمان عقيدة وعمل، إذ لا أثر للعقيدة يدل على صدق صاحبها إلا إذا أقام سلوكه عليها، ووقف عند حدودها، والتزم بما فيها، وبقدر ما يكون العمل تكون درجة الإيمان قوة وضعفا، وزيادة ونقصا.
والشريعة الإسلامية تنبثق من عقيدة الإسلام تنظيم حياة الفرد وحياة الأمة، والعمل بها من أركان الإيمان ومقتضيات توحيد الله - عز وجل -، وما كان للمؤمنين في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتصفوا بالإيمان وهم لا يتحاكمون إلى رسول الله في كل أمر من الأمور يستوي في هذا ما يتعلق بالعبادات، وما يتعلق بالمعاملات، فإن تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل شأن من شئون الحياة مع التسليم والرضا من صميم الإيمان، ويكون هذا بعد مماته بتحكيم شريعته، قال - تعالى -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [سورة النساء الآية 65].
ويأتي بيان هذه الحقيقة في صورة القسم المؤكد بالنفي، فإن دخول لا النافية على القسم إذا كان جواب القسم منفيا يؤكد نفي الجواب، والجواب هنا نفي الإيمان (لا يؤمنون).
كما سيأتي شاملا لأي شجار، فإن (ما) في قوله - تعالى -: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) من صيغ العموم فتشمل أي خلاف في أي شأن من الشئون، والتقييد بعدم الحرج يؤكد ضرورة الرضا حتى يكون التحاكم من صميم القلب(ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ).
ويجب أن يكون الانقياد لحكم الشريعة ظاهراً وباطناً، فيأتي التعبير بالتسليم مؤكدا بالمصدر في قوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه ذلك.
وإذا كان تحكيم الشريعة الإسلامية بهذه المثابة اتباعا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فإن الوقوف عند ذلك هو سبيل المؤمنين، لأنه دينهم، أما مخالفة ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ظهرت البراهين الدالة على رسالته وسلوك طريق غير طريق المؤمنين وما هم عليه من دين الإسلام والعمل بأحكامه فهو موالاة للضلال وخروج عن الدين يصلى أصحابه نار الجحيم، يستوي في هذا أن تكون المخالفة عامة في كل شيء أم في بعض الأمور دون بعض، حيث تكون المشاقة، فإن أصل معناها كونك في شق غير شق صاحبك، وهذا هو معنى قوله - تعالى -: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)  [سورة النساء الآية 115] ؛ ذلك لأن التشريع من خصائص الألوهية. فإقرار تشريع لسلطة بشرية في فرد أو جماعة شرك بالله، وهذا ما يدل عليه تعليل مصير المشاقين في الآية السابقة بقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)[سورة النساء الآية 116]، وقد قال الله في اليهود والنصارى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ) [سورة التوبة الآية 31].
ولم يكونوا عبدوهم مع الله، وإنما اعترفوا لهم بحق التشريع من دون الله فأحلوا لهم وحرموا عليهم:
عن عدي بن حاتم قال: ((سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية فقلت له: إنا لسنا نعبدهم.
قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه. ويحلون ما حرمه الله فتحلونه؟
فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم))، سنن الترمذي (3095).
ونفى الله - تعالى -الإيمان عن اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحاكمين إليه طمعا في أن يوافق حكمه أهواءهم وتحريفهم للتوراة، فلما حكم بينهم بالحق تولوا وأعرضوا، إذ لا يجتمع الإيمان مع عدم تحكيم شريعة الله، بل مع عدم الرضا بحكمها كذلك، لأن عدم الرضا من التولي قال - تعالى -: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [سورة المائدة الآية 43].
إن حقيقة الإيمان هي التصديق القلبي الذي يظهر أثره في السلوك العلمي، ودعوى الإيمان باللسان مع التولي والإعراض عن تحكيم الشريعة دعوى كاذبة لدى المنافقين. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [سورة النور الآية 47].
أما سلوك الإيمان لدى ذويه فهو السمع والطاعة لما جاء عن الله وما جاء عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - انقيادا لحكم الشريعة، وهؤلاء المؤمنون الذين يتصفون بذلك هم المفلحون، لأن سبيل الفلاح هو الاستقامة على مناهج الله وشرعه (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة النور الآية 51].
فمنطق الإيمان هو منطق التسليم المطلق لقضاء الله وقضاء رسوله، وعلى هذه القاعدة يجب على الأمة المسلمة أن تبني منهجها في الحياة بكل شأن من شئونها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلا كانت عاصية ضالة، ولا خيرة للمؤمنين في سلوك منهج آخر ما داموا متصفين بالإيمان.
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [سورة الأحزاب الآية 36].
فالإيمان بوحدانية الله، يعني أنه لا عبودية إلا لله، فلا عبودية لصنم أو وثن، أو مخلوق، أو هوى، أو قانون وضعي، أو نحو ذلك مما يكون الخضوع فيه لغير الله، وتكون الطاعة فيه لغير شريعة الله ذلك لأن العبودية لله وحده تفترض الاهتداء بهديه وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه كما جاءت على لسان رسل الله إلى البشر.

ثانيا: النصوص القرآنية الدالة على تحكيم الشريعة الإسلامية 

يحسن قبل استعراض النصوص القرآنية الدالة على وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية أن نقف على ما يأتي:
أ - إن الدين يطلق على كل ما جاء عن الله - تعالى -من الأوامر والنواهي وكل ما ثبت عن السنة النبوية الصحيحة
حيث أخبر الله - تعالى -عن نبيه بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [سورة النجم الآية 3 – 4]، وأمر باتباعه وطاعته (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر الآية 7]، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [سورة المائدة الآية 92]، وحذرنا من مخالفته (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة النور الآية 63]، وفرض على المؤمنين طاعته لأنها من طاعة الله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) [سورة النساء الآية    80]، والدين بهذا يشمل العقائد والعبادات والمعاملات وشئون الحكم والقضاء وسائر ما يسمى تشريعا.
ب - إن اتباع الدين يعني العمل به، وإذا استبدلت أمة بما جاء في الدين قانونا من القوانين الوضعية، أو مذهبا من مذاهب الناس في الحياة فقد اتخذت غير الإسلام دينا لها، لأن الدين يشمل ما جاء عن الله وما جاء عن رسوله في شئون الحياة كلها، والأمر بطاعة الله وطاعة الرسول يقتضي العمل بالدين كله.
جـ - وقد عرف أكثر علماء الأصول الأمر بأنه: القول المقتضي طاعة المأمور به، وعرفه آخرون بأنه: طلب الفعل على جهة الاستعلاء.
وليست صيغة الأمر قاصرة على صيغة واحدة فإن أساليب طلب الفعل في القرآن كثيرة منها:
1 - صريح الأمر كقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) [سورة النحل الآية 90]، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [سورة النساء الآية 58].
2 - الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [سورة البقرة الآية 178]، وقوله (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [سورة النساء الآية 103].
3 - الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة خاصة كقوله - تعالى -: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [سورة آل عمران الآية 97].
4 - حمل الفعل المطلوب على المطلوب منه كقوله - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية 228].
5 - أن يطلب الفعل بالصيغة الطلبية، وهي فعل الأمر، أو المضارع المقرون باللام، كقوله - تعالى -: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) [سورة البقرة الآية 238] ، وقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [سورة الحج الآية 29].
6 - التعبير بفرض، كقوله - تعالى -: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [سورة الأحزاب الآية 50].
7 - اقتران الفعل بألا، كقوله - تعالى -: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) [سورة التوبة الآية 13].
8 - الاستفهام التعجبي والإنكاري مقرونا بترك الفعل، كقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ)[سورة آل عمران الآية 83].
9 - الإخبار بأن ترك الفعل كفر أو ظلم أو فسق، كقوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة الآية 44].
وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة المائدة الآية 45]، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة المائدة الآية 47].
10 - الإخبار بأن إتيان الفعل من الإيمان أو أن تركه يناقض الإيمان، كقوله - تعالى -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [سورة النساء الآية 65]، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [سورة الأحزاب الآية 36].
قال الغزالي في المستصفى: (إن قول الشارع أمرتكم بكذا، وأنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: أوجبت عليكم، أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا أو أنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب).
وأساليب الطلب تدل على الوجوب إذا عريت من القرائن الصارفة لها عن ذلك. وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية بأساليب الطلب المتعددة، فمنها صريح الأمر كما في قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [سورة النساء الآية 58]، فقد توجه الخطاب بالأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وهذا عام في جميع الأمانات، فالدين أمانة، والشريعة أمانة، والحكم بالشريعة أمانة وتوجه الخطاب بالأمر بالحكم بالعدل بين الناس جميعا، والحكم بالعدل بين الناس يستوجب الحكم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن حقيقة العدل هي الفصل في الحكومة على ما في الكتاب والسنة.
ومنها ما ورد بالصيغة الطلبية، وهي فعل الأمر، أو المضارع المقرون باللام كقوله - تعالى -: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [سورة الأعراف الآية 3].
والأمر باتباع ما أنزل عام في جميع ما أنزله الله - تعالى -بالقرآن الكريم من الأوامر والنواهي؛ وآيات العقوبات في القصاص والحدود وآيات العلاقات الدولية في الحرب والسلم؛ وآيات المال ذلك كله ونظائره مما أنزله الله فهو واجب الاتباع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [سورة البقرة الآية 178]، [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] [سورة النور الآية 2]، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) [سورة المائدة الآية 38]، (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [سورة الأنفال الآية 60]، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) [سورة البقرة الآية 193] (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)[ سورة محمد الآية 4]، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [سورة الأنفال الآية 41]، (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [سورة الأنفال الآية 61]، (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) [سورة الأنفال الآية 58]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [سورة النساء الآية 29]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) [سورة البقرة الآية 278].
والناس في الحياة إما أن يتبعوا ما أنزل الله فهذا هو الإسلام، والاعتراف بالحكم والتشريع لله، وإما أن يتبعوا من دونه أولياء فهذا هو الشرك، سواء رجع الضمير في قوله: من دونه إلى الرب، أو إلى (ما) في قوله: (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [سورة الأعراف الآية 3 ]، فإن معنى الآية، هو نهي الأمة عن أن يتبعوا من دون الله أولياء يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله في خصائص الألوهية، ومنها التشريع، أو النهي عن أن يتبعوا من دون كتاب الله أولياء من أصحاب السلطة والرئاسة والتقنين كما كان يفعله أهل الجاهلية وأهل الكتاب من طاعة الرؤساء والأحبار والرهبان فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم.
ويأمرنا الله - تعالى -باتباع صراطه المستقيم وينهانا عن اتباع سواه. وصراط الله المستقيم هو سبيل دينه، وما شرعه لعباده من أحكام، فهو وحده الذي يجب اتباعه، وما سواه من الملل والنحل والمذاهب والقوانين لا تلتقي معه، بل تميل عنه، لأن الحق واحد لا يتعدد، والخط المستقيم بين نقطتين لا يكون إلا خطا واحدا قال - تعالى -: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وعن ابن مسعود – رضي الله عنه - قال: ((خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام الآية 153])) صحيح البخاري الرقاق (6417)، سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2454)، مسند أحمد بن حنبل (1/465).
وأمرنا الله - تعالى -بطاعة رسوله، وذلك عام في كل ما جاء عن الله أو عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمر ونهي، وتشريع وقضاء، حتى تتنزه سلطة الحكم من الجهالة والهوى وسائر ما ركب في الطبيعة البشرية من نقص، وما يعرض من المشكلات والأقضية التي لا نص فيها، وتختلف العقول في إدراكها، ويحصل عليها التنازع فإن الأمر فيها يرد إلى الله وإلى الرسول، أي إلى كتاب الله، وإلى الرسول في حياته، وإلى سنته بعد مماته، وهذا هو شرط الإيمان بالله واليوم الآخر، يقول - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [سورة النساء الآية 59].
وقد ذكر الأمر بالطاعة صريحاً مع الله، ومع رسوله وجاءت طاعة أولي الأمر معطوفة دون التصريح بالفعل؛ لأن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله، وللرسول، أما طاعة أولي الأمر فإنها تأتي تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله إذ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) صحيح مسلم الإمارة (1840)، سنن النسائي البيعة (4205)، سنن أبو داود الجهاد (2625).
وتقرر الأديان السماوية وجوب الحكم بما أنزل الله حتى يستقيم أمر الحياة البشرية، فإنه لا يستقيم إلا بالدين، عقيدة وعبادة وتشريعا وحكما، فليس الدين صلة روحية لإشراقة النفس وبعدا عن التحاكم إليه في شئون الدنيا، وبهذا جاء الأمر في التوراة والإنجيل والقرآن ففي التوراة يقول - تعالى -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) [سورة المائدة الآية 44]، وصيغة الخبر في مثل هذا الموضع (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) إخبار عن القيام بالأمر الواجب.
وكما أمر أهل التوراة بتحكيم شريعة الله، أمر أهل الإنجيل كذلك بالمضارع المقرون بلام الأمر (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [سورة المائدة الآية 47]، وينتهي أمر الرسالات السماوية إلى الشريعة الإسلامية التي جاءت مهيمنة على ما قبلها، حتى تحتكم البشرية إليها في شئون حياتها كلها إلى يوم الدين، يقول - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [سورة المائدة الآية 48]، ثم تكرر صيغة الطلب في قوله - تعالى -: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [سورة المائدة الآية 49].
وقد أخبر الله - تعالى -في نهاية آيات الحكم بما أنزل الله أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وظلم وفسق وذلك في سورة المائدة يقول - تعالى -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ* وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة المائدة(44- 47)].
وإذا كانت هذه الآيات قد نزلت في أهل الكتاب فإن المذهب الحق الذي ذهب إليه الجمهور أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وقد أجمع الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة؛ لعموم هذه الآية (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [سورة المائدة الآية 45].
وعندما طلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القصاص في سن كسرت، قال: ((كتاب الله يقضي بالقصاص، وليس في القرآن قصاص السن إلا ما حكى عن التوراة في قوله - تعالى -: وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ)) صحيح البخاري تفسير القرآن (4500)، سنن أبو داود الديات (4595)، سنن ابن ماجه الديات (2649)، مسند أحمد بن حنبل (3/167).
وأدلة ترجيح هذا الرأي مبسوطة في كتب الأصول.
هذا وإن الجمل الثلاث (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، قد جاء التعبير فيها بلفظ (من) و (من) من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة، بل بكل من ولي الحكم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن حذيفة: أن هذه الآيات ذكرت عنده وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - و - الظالمون - و - الفاسقون ".
فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل.
فقال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا، والله لتسلكن طريقهم قد الشراك ".

الكفر العملي والكفر الاعتقادي 

فالألفاظ الثلاثة: (الكفر والظلم والفسق) التي سجلها الله عن الحاكمين بغير ما أنزل الله محمولة على إطلاقها فلا يسمي الله الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ولا يكون كذلك. وما روي عن ابن عباس في تفسير قوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ((إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفر))، وما روي عن عطاء أيضا في قوله:
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - هم الظالمون - هم الفاسقون "
قال ((كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق )).
ما روي عن ابن عباس وعن عطاء بن أبي رباح في ذلك محمول على ما يسمى بالكفر العملي، وذلك بأن تحمله أهواؤه وشهواته على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بأن حكم الله وحكم رسوله هو الحق، واعترافه بأنه في هذا الحكم قد أخطأ وجانب الهدى، وعصى الله ورسوله.
أما أن يكون أساس نظام الحكم في الأمة قائما على غير ما أنزل الله بتحكيم القوانين الوضعية، فهذا ليس من الكفر العملي، بل من الكفر الاعتقادي، ولا تفسير له سوى ذلك. لأن الدول التي عدلت عن تحكيم الشريعة الإسلامية إلى تحكيم القوانين الوضعية عدلت عن ذلك باختيارها.
والكفر الاعتقادي في الحكم بغير ما أنزل الله أنواع:
أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله حكم الله وحكم رسوله.
كأولئك الذين يزعمون أن الدين صلة بين العبد وربه. ولا علاقة له بشئون التشريع والحكم والقضاء فإن الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة من أصول الدين المعلوم بالضرورة وإجماع الأمة، وقد اتفق أهل العلم على أن من جحد أصلا من أصول الدين، أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حكما قطعيا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه كافر الكفر الناقل من الملة.
الثاني: أن يضاهي الحاكم بغير ما أنزل الله حكم الله وحكم رسوله معاندة للشريعة، فيتخذ القوانين الوضعية ومصادرها أساسا للحكم. يستمد منها القوانين والنظم، وتؤسس لها المحاكم في البلاد، وتتحاكم إليها الأمة. فتحكم بين الناس بما يخالف الكتاب والسنة، وتجعل حكمها ملزما لهم لا مفر لهم منه، كما هو الشأن في معظم البلاد الإسلامية، التي استبدلت بالشريعة الإسلامية القانون الوضعي المستمد من القوانين الغربية، الفرنسية والبلجيكية وغيرها، أو من مذاهب بعض المبتدعين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، فهذا النوع كفر كذلك يخرج من الملة، وشرك بالله يتنافى مع عقيدة التوحيد التي نعبر عنها بقولنا: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومن مقتضاها أن يكون الحكم لله ولرسوله، فإن التشريع من خصائص الألوهية.
الثالث: أن يعتقد المسلم أو الحاكم بغير ما أنزل الله أن تحكيم القوانين الوضعية أولى وأحسن من تحكيم الشريعة الإسلامية، لأن الحياة متجددة، وتتجدد الحوادث والأقضية بتجددها، ولا تشمل الشريعة الإسلامية مشاكل الحياة المتجددة. إنما تشملها القوانين الوضعية. فينبغي الرجوع إليها لأنها أحسن في تناولها للحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا كفر كذلك. لما فيه من تفضيل لأحكام المخلوقين على حكم الله الخالق وحكم رسوله، واتهام لشريعة الإسلام بالقصور والنقص والعجز.
إن الشريعة الإسلامية تفي بمتطلبات الحياة البشرية في كل عصر، ومصادرها الثرة تغني الناس عن التماس حل فيما سواها من قوانين البشر، ولن يعدم حاكم أن يجد حكم حادثة من الحوادث، أو قضية من القضايا في كتاب الله - تعالى -أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - نصا أو ظاهرا أو استنباطا.
وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها في الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة والمجتهدين المصباح الذي يستطيعون في ضوئه استنباط أحكام جزئيات الحوادث في كل زمان ومكان، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات.
وإنما فصل القرآن ما لا بد فيه من التفصيل فيما يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل، كما في العقائد وأصول العبادات أو لأنه يبني على أسباب لا تختلف ولا تتغير إلا بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث، ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرائم.
الرابع: أن يعتقد المسلم أن تحكيم القوانين الوضعية كتحكيم الشريعة الإسلامية. وأن الحكم بالقوانين كالحكم بالشريعة. ومن اعتقد هذه المماثلة فإنه يكفر كفرا يخرجه من الملة لأنه يسوي بين الخالق والمخلوق. ويجعل ما شرعه الله مماثلا لما شرعه المخلوق، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فقد تفرد - سبحانه - بالكمال، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال والحكم (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة الشورى الآية 11].
الخامس: أن يعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله وحكم رسوله، فهذا يكفر كذلك، لأنه يعتقد جواز ما علم تحريمه من الدين بالضرورة. للنصوص الصحيحة الصريحة التي تقطع بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله - تعالى -ولا تنافي بين أوصاف الكفر والظلم والفسق في الآيات الثلاث: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - والظالمون - والفاسقون) فإنها جميعا صفات لموصوف واحد باعتبارات مختلفة.
فالحكم بغير ما أنزل الله من حيث إنه جحود للشريعة يكون كفرا، ومن حيث إنه مجاوزة لحق الإنسان واعتداء على حق الله في التشريع يكون ظلما، ومن حيث إنه خروج عن شرع الله يكون فسقا.
وفي مفردات الراغب: الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع لستره البذر في الأرض،... وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها، قال - تعالى -: سورة الأنبياء الآية 94 فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة أو الشريعة، أو ثلاثتها.
والظلم يقال في مجاوزة الحق، وهو ثلاثة:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله - تعالى -، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال - تعالى -: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [سورة لقمان الآية 13].
والثاني: ظلم بينه وبين الناس.
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه.
والفسق: من فسق فلان: أي خرج عن حجر الشرع، وذلك من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج عن قشره وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير لكن تعورف فيما كان كثيرا، وأكثر ما يقال الفاسق. لمن التزم حكم الشرع وأقربه، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه.
ويصف الله - تعالى -الكفار والمشركين بالظلم (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [سورة لقمان الآية 13]، (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة الشعراء الآية 10] ،  (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) [سورة هود الآية 37]، (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [سورة هود الآية 67]، (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ) [سورة هود الآية 68]، وجعل جحود آياته ظلما (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) [سورة العنكبوت الآية 49].
كما يصف - سبحانه - المشركين والكفار بالفسق، يقول - تعالى -في خطاب المشركين بعد أن ذكر لهم دلائل ربوبيته وتوحيده: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة يونس الآية 33]، ويقابل الإيمان بالفسق قال - تعالى -: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ*َمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [سورة السجدة الآية18- 20].
ويصف الذين يكفرون بآيات الله ويكذبون الرسل بالفسق (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) [سورة البقرة الآية 99]، (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) [سورة التوبة الآية 84] ، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [سورة الزخرف الآية 54]، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [سورة الذاريات الآية 46]. ويجمع الله للكافرين بين الظلم والفسق، قال - تعالى -: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [سورة البقرة الآية 59].
ومن أساليب القرآن في طلب تحكيم شريعة الله الإخبار بأن الحكم بغير ما أنزل الله ينافي الإيمان ويقود أصحابه إلى الضلال المبين (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [سورة الأحزاب الآية 36]، ولفظ (ما كان) هنا معناه: المنع والحظر من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعا، وقد يكون لما يمتنع عقلا كقوله - تعالى -: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)[سورة النمل الآية 60]، وهذا هو المراد بقولهم في تفسير الآية: ما صح ولا استقام، فإن ما لا يصح شرعا يكون مخالفا للشرع، فمعنى الآية، أنه لا يحل لمن يؤمن بالله إذا قضى الله ورسوله أمرا في أي شأن من الشئون أن يختار سواه من مذاهب الناس. مخالفا أمر الله وأمر رسوله، وإلا كان العصيان والضلال المبين.
ومن ذلك ما جاء بصيغة الاستفهام التعجبي والإنكاري مقرونا بالإعراض عن تحكيم الشريعة (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [سورة الأنعام الآية 114]، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [سورة آل عمران الآية 23].
ويقول - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) [سورة النساء الآية 60]، وإذا كان ذلك التعجب لإرادة التحاكم إلى الطاغوت، فكيف بالتحاكم نفسه والوقوع فيه؟

ثالثا: بواعث الخروج عن تحكيم الشريعة الإسلامية 

يتعلل المتردون على شريعة الله والتحاكم إليها بتعلات فارغة ومن وراء ذلك بواعثهم النفسية:

باعث النفاق: 

تحت سلطة الشعور الإسلامي العام لدى جماهير شعوبنا المسلمة تختفي فئة من المرائين المنافقين الذين نهلوا من معين المستشرقين، وأرضعوا لبان الثقافة الغربية، التي توهن من شأن الشريعة الإسلامية، وتصم المعتصمين بها بالتأخر والرجعية، وهؤلاء يرون أن الغرب لم ينهض من كبوته إلا بعد أن نفض يده من الدين وأهله، حيث وقف رجال الكنيسة حجر عثرة في سبيل العلم والتقدم والمدنية، ويعتقدون أنه لا سبيل لنهضة أمتهم إلا بالعلمانية، أي الانسلاخ من الدين وتركه جانبا أسوة بالحضارة الغربية، متجاهلين الفوارق الواضحة بين طبيعة الإسلام وطبيعة المسيحية، فالإسلام يدعو إلى العلم والمعرفة وإقامة الحضارة الإنسانية المتكاملة في جوانب الحياة المتعددة المادية والروحية والعقلية على أساس من توحيد الله - تعالى -والنظرة السديدة الصائبة إلى الكون والإنسان والحياة بما يحقق السعادة للبشرية كلها.
إن هؤلاء يتسنمون مراكز القيادة في الأمة بهذه العقيدة ويضعون نصب أعينهم الانسلاخ من شريعة الإسلام، أو من الدين كله، ويعتبرون أن إقامة الحدود وحشية لا تلائم عصر المدنية، ولا يجرءون على إعلان ردتهم وكفرهم حتى لا تنقم عليهم جماهير الشعوب المسلمة التي يحكمونها، وهم في حاجة إلى أن يتملقوها باسم الإسلام.
وحين يعاتبهم أحد يحتجون بأنهم ما أرادوا تحكيم القوانين الوضعية إلا لمصلحة الأمة، حرصا على تقدمها وازدهارها، ويبلغ بهم النفاق مبلغه حيث يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بصنيعهم هذا إلا الإحسان وذلك هو ما حكاه القرآن الكريم عن المنافقين؛ لأن النفاق هو النفاق في كل عصر (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا *  أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) [سورة النساء الآية 61- 63].
إنه لا مجال للعدول عن القرآن الكريم إلى كتاب آخر فضلا عن نظام للبشر، وإلا كان الامتراء (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [سورة الأنعام الآية 114].

خشية الناس والطمع في أعراض الدنيا 

يتعارض الحكم بما أنزل الله مع شهوات المستبدين ورغبات الظالمين، وكثيرا ما يستولي هؤلاء على أزمة الحكم، ويقبضون بأيديهم على كل مرفق من المرافق للاستبداد بالأمور كلها، ويضربون بيد من حديد على الرأي الحر والفكر المستنير ما دام يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم. ويضعف أهل الحق عن المجاهرة به والصمود في سبيله ويخشون بأس الظالمين، فيستكينون لهم وينصاعون لرغباتهم ويكتمون شريعة الله التي استحفظوا عليها، وقد يبلغ الضعف بهم مبلغه طمعا في عرض من أعراض الحياة الدنيا فيتملقون الطغيان، ويمالئون ذوي الشهوات، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويصدرون الفتاوى التي تبرر خروج الحكام عن شرعة الله، وتلتمس لهم المعاذير، ولذا نهى الله علماء اليهود الذين تهاونوا في تحكيم التوراة تحت تأثير هذه الدوافع: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة الآية 44].
وفي ظل ذلك الجو الخانق يكثر سواد المضللين، وتختل موازين الحق، وتفسد قيم الحياة، وتقرير الحق والباطل، والهدى والضلال، لا يرجع إلى موازين الناس وأهوائهم، أو اصطلاحات المجتمع وقيمه، وإنما ذلك إلى الله وحده (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [سورة الأنعام الآية 116- 117].

اتباع الهوى والتماس المعاذير 

إن الوقوف عند حدود الشريعة جهاد لهوى النفس لا يصبر عليه إلا أهل الإيمان، وللنفس أهواؤها المختلفة، ونزعاتها المتباينة، وشريعة الإسلام تكبح جماح الأهواء والنزعات، ليستقيم سلوك المسلم على ما فيه خيره وخير الإنسانية، وأهواء الحكم أشد تسلطا على النفس وبعدا عن الحق، ومهما التمس الناس المعاذير لتبرير الخروج عن شريعة الله وتحكيم القوانين الوضعية، فإن باعث ذلك هو الهوى، والهوى وحده، وقد جرت سنة الله على اختلاف الناس في اتجاهاتهم ومذاهب حياتهم وسلطان الحق هو الذي يجمعهم على كلمة سواء، وليس سلطان الهوى وترضية النفوس، ولذا حذر الله - تعالى -رسوله من ذلك حتى لا يفتن عن شيء من حكم الله (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [سورة المائدة الآية 48]، ثم قال - تعالى -: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ *أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [سورة المائدة الآية 49- 50].

كراهية الحق والرغبة في الظلم 

عندما تمرض النفس وتقع أسيرة الهوى والشهوة، تعمى بصيرتها، فلا تنظر إلا بمنظار هواها، وهوى النفس لا يأتي عن طريق الحق والحكم بما أنزل الله، لأن الهوى غي وظلم، وقد فند القرآن الكريم أسباب كبرياء حكم الجاهلية، وإعراض ذويه عن حكم الله وحكم رسوله، وأبطل شبهها، وأرجع ذلك إلى كراهيتهم للحق، قال - تعالى -: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) [سورة المؤمنون الآية 68- 70].
وذكر - سبحانه وتعالى - في موضع آخر طبيعة النفاق، واحتمالات سبب إعراض المنافقين عن حكم رسول الله إذا كان الحق عليهم، وأشارت الآيات إلى أن السبب الحقيقي هو رغبتهم في الظلم وهم يعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقضي إلا بالحق (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة النور الآية 47- 50].
وطواغيت الأرض الذين يتحكمون في عباد الله بأهوائهم ومطامعهم وتعسفهم واستبدادهم يكرهون الإسلام لأنه الدين الحق ويتمردون على حكمه لأنه لا يقضي إلا بالعدل. وهم متجبرون ظالمون.

رابعا: آثار الحكم بغير ما أنزل الله 

وللحكم بغير ما أنزل الله آثاره السيئة في حياة الفرد وحياة الأمة، وفساد الحياة كلها.
أ - له آثاره في حياة الفرد بفراغ النفس وانحراف السلوك، فإن النفس البشرية إذا لم تكن عامرة بالإيمان بالله وحده، خاضعة لشريعة مزقتها الأهواء والشهوات، وأورثتها الاضطراب والخلل، والحيرة والفراغ، فالعبد المؤمن يدين لإله واحد، يطيع أمره، ويخضع لسلطانه، فهو يعرف طريقا واحدا يسلكه، ولا تتنازعه قوة أخرى تشده إليها كالعبد الذي يملكه سيد واحد، يتلقى منه أوامره فيتمثلها، يعمل ما يرضيه، ويسير في اتجاه واحد لا ينازعه فيه منازع، فهو مستقر النفس مستريح البال (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) [سورة الزمر الآية 29] إنهما لا يستويان، فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد يتعلق بإله واحد، يهتدي به ويسير على شرعه ويؤمن بأنه مصدر ما في الحياة من نفع وضر، فإليه يتجه في كل أحواله، ومنه يستمد العون، إنه يسلك اتجاها واحدا لا يزيغ عنه، فيحقق بذلك الاستقامة والطمأنينة والاستقرار.
وخواء النفس من الدين، في فراغها من الانصياع لشريعة الله يبعث فيها الضجر والملل فتنفس عن ضيقها بالانحرافات السلوكية، والشذوذ في المجتمع، وتلك حقيقة يسجلها واقع العالم الحديث، فهذه الدول الراقية. قد استطاعت أن تحقق للإنسان متعة المادة، ولكنها جعلته فارغ الروح، يطارده هذا الفراغ، فيهرب من الحياة الناعمة التي يعيشها، بل يهرب من نفسه التي بين جنبيه، فيلجأ إلى التخلص من ذلك الشقاء بالانتحار الذي يفقده الحياة إلى الأبد، أو بإدمان المخدرات والخمور حتى ينسى الحياة وينسى نفسه بالسكر فترة من الزمن، وتدل إحصائيات هذه الدول على أن الأمراض العصبية وحوادث الانتحار، ونسبة الجريمة والشذوذ ترتفع من سنة إلى أخرى وتزداد من عام لآخر، وحين يفقد أحدهم وسيلة الهرب من الحياة يلجأ إلى الشذوذ والخروج عن مظاهر المجتمع، وليست ظاهرة " الهيبز " و " الخنافس " سوى التعبير عن هذه الحقيقة المرة.
ب - وللحكم بغير ما أنزل الله آثاره السيئة في حياة الأمة، وكيان المجتمع، لأن الأمة التي تعيش بلا ضمير ديني لا يحول القانون الوضعي بينها وبين ارتكاب الجريمة والفساد في الأرض.
لقد تقدمت الدراسات النفسية، والدراسات الاجتماعية، والدراسات القانونية لتحد من تفاقم الشر وانتشار الجريمة ولكنها باءت بالفشل، ففي طبيعة البشر أن يتمرد على البشر إنه يشعر إزاء سائر الناس أنه إنسان وأنهم أناس وأن هذا الاشتراك في البشرية يقتضي أن يكون الجميع سواء في الحقوق كلها، فعلام يدين بالولاء والطاعة لقانون من وضع البشر؟
أيدين له فرارا من جزاء مخالفة بحرمان دنيوي؟ أو عقوبة دنيوية؟ إذا فالخطب غير عسير، ففي استطاعته أن ينقض عرى هذا القانون عروة عروة، ويهدم بناءه لبنة لبنة في غفلة من حراسة القانون ورجال الأمن ولا يمتلك القانون عقوبة في الدار الآخرة، ولا يعلم أسرار الناس وبواطنهم.
أما التشريع السماوي فإنه يستمد سلطته من الله الذي خلق الخلق، وهو يعلم السر وأخفى (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [سورة غافر الآية 19]، وهذا يبعث في نفس المسلم مراقبة الله والحفاظ على شريعته في الغيب والشهادة، بل يغرس فيها الإخلاص الذي يرعى حرمات الله عن صدق، ظاهرا وباطنا، فطاعة التشريع السماوي من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يكفي في تحقيقها السلوك الظاهري في مرأى الناس، بل لا بد فيها من خشوع القلب، واطمئنان النفس، والانقياد لها بين حنايا الضلوع، والإفلات من عقوبة الدنيا بالتستر والمخاتلة لا يغني فتيلا عن عقوبة الحياة الآخرة، ولذا قرن الله في أحكام الشريعة الجزاء الأخروي بالجزاء الدنيوي، فإن أفلت المرء من هذا لم يفلت من ذاك. يقول - تعالى -في القتل: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [سورة النساء الآية 93]، ويقول في المحاربة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة المائدة الآية 33].
وفي القذف: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة النور الآية 23].
وبهذا يتربى الضمير المؤمن الحي الذي يسهر على رعاية حرمات الله، فإن القضاء لا يحل حراما ولا يحرم حلالا.
سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصومه بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: ((أيها الناس إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها)) [صحيح البخاري المظالم والغصب (2458)، صحيح مسلم الأقضية (1713)، سنن النسائي آداب القضاة (5401)، سنن أبو داود الأقضية (3583)، سنن ابن ماجه الأحكام (2317)، موطأ مالك الأقضية (1424)].
والأمة التي تحيد عن شريعة الله بعد أن أكرمها الله - تعالى -بها تستحق عقاب الله، وإذا كان الله قد أكرم هذه الأمة فلم يعاقبها عقوبة إبادة كما عاقب الأمم المكذبة السابقة، فإنه يعاقبها بكوارث الحياة، ونوازل الدهر، فيتخلى عن نصره لها، وتتوالى عليها أحداث الزمن، ويذيقها عدوها بأسه، فتطحنها نكبات الهزيمة، وتسام الذل والهوان، وينوء كاهلها بمصائب الخوف والفقر، ويومئذ لا تنفعها المعذرة حتى تفيء إلى شرع الله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) [سورة النساء الآية 61 -  62]، (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [سورة النحل الآية 112]، ويقول - تعالى - في تهديد من تسول لهم نفوسهم الخروج على شريعة الله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) [سورة المائدة الآية 49].
ويذكر الله - تعالى -أنه حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمته في حياته، أو كانت شريعته فيها بعد مماته، فإن الخروج عن طاعته وطاعة شريعته يورث الضعف والمشقة والهلاك، ولكن حب الإيمان وجمال معانيه في القلب وكراهة المخالفة - لكن هذا العاصم من الخروج عن الطاعة الذي فيه الكفر والفسوق والعصيان (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة الحجرات الآية 7 -  8].
ولقد استبدلت كثير من دول الإسلام بشريعة الله قوانين البشر ومذاهبهم ورفعت شعارات براقة، وأوهمت شعوبها بأن هذا هو سبيل رخائها وعزها فماذا كانت النهاية؟ كانت عار الهزيمة، وذل الخيانة، ومأساة التضليل، وانهيار الاقتصاد، وفساد المجتمع، وضياع الفضيلة، وإهدار القيم، ووأد الحريات، وتلك هي سنة الله في أمة أنزل الله في كتابها قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [سورة الأنفال الآية 53]، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [سورة الرعد الآية 11].
جـ - وللحكم بغير ما أنزل الله آثاره السيئة في فساد الحياة كلها:
لقد استخلف الله الإنسان على الأرض ليعمرها بهداية السماء، وسخر له ما في السماوات والأرض جميعا منه، ووفقه إلى الاستفادة من طاقات الكائنات وما أودعه الله فيها من قوى، واستطاع الإنسان في العصر
الحديث أن يبتكر ويبدع، وأن يأتي بعجائب الحياة، ويستحوذ على طاقات هائلة في الكون، وحسن استخدام هذه الطاقات هو الذي يحقق للبشرية الرخاء والأمن، وسبيل ذلك هو الوقوف في استخدامها عند شرع الله بالحكمة والعدل وحماية الحق والذود عن حياضه، ورفع لوائه، وهذا يعني أن تكون تلك القوى بيد مؤمنة أمينة مهتدية، وإلا كانت وسائل هدم وخراب ودمار وفساد.
هذه حقيقة يدركها الناس اليوم، وهم يشاهدون التقدم العلمي الباهر في الاستفادة من طاقات الأرض والماء والهواء، وقد تحول إلى صراع دولي مدمر، يوشك أن يأتي على بنيان الحضارة الإنسانية من القواعد، ويحيل الحياة إلى جحيم لا يطاق، ولو اشتعلت حرب ذرية نووية لأصبح الهواء سموما قاتلة والعمران براكين ثائرة، والجو نارا متقدة.
فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما تحمله المذاهب والقوانين البشرية من تدمير للأخلاق، وانهيار للمجتمع أدركنا كيف يكون فساد السماوات والأرض على يد الإنسان المتمرد على شريعة الله الذي يجعل الحق تبعا لهواه، وهذا هو ما ذكره الله - تعالى -في قوله بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) [سورة المؤمنون الآية 70- 71].
إن الحق هو ناموس الله للوجود كله، وهو ثابت لا يتغير ولا تتخلف سنته، وأهواء الناس متعارضة متضاربة، ولو ساير الحق أهواءهم لفسدت أوضاع الحياة كلها، تفسد حياة المكلفين بفساد أهوائهم وأعمالهم، وتفسد سائر الكائنات لأنهم قائمون عليها بالتدبير تسخيرا من الله، فالكون كله لا يكون متناسق الأجزاء حتى يكون خاضعا لله شرعا وتسخيرا.
والأمة التي أشرقت فيها رسالة الإسلام هي أولى الأمم لاتباع هذه الرسالة لما في ذلك من مجد لها وشرف، وقد ظلت الأمة العربية لا ذكر لها في التاريخ حتى جاء الإسلام فارتفع شأنها، وذاع صيتها، وظل هذا الذكر يدوي في آذان الدنيا ما استمسكت به، وتضاءل بقدر تخليها عنه، ولن يعود لها ذكر مرة أخرى إلا به. فهل من مجيب؟

المصدر: المختار الإسلامي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق