الثلاثاء، 26 يوليو، 2011

رسالة الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي في الحكم بغير ما أنزل الله

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي
في الحكم بغير ما أنزل الله
يقول رحمه الله :
قال الله تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {58} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  }

أمر الله جل شانه جميع الناس ان يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة ، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة ، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح ، فان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

ثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما ان يحكم بينهم بالعدل سواء
كان : محكما ، أو ولي أمر عام ، أو خاص .
ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذلك الهدى ، والنور ، والصراط المستقيم .

ثم أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة ؛ إغراء لهم بالقيام بحقها ، والوقوف عند حدودها .

وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهل ؛ من كمال السمع والبصر ، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه ، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه .

ثم أمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مطلقا ؛ لان الوحي كله حق ، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك .

فإذا اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع _ في بيان الحق والفصل فيما اختلف فيه _ إلى الكتاب والسنة لقوله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  }
وقوله : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ }
وامثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة .
فان الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مآلا ، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد .

حالات الحكم بغير ما انزل الله :


فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع ، واخذ بأسباب الوصول إلى الحق فهو مأجور اجرين ان أصاب حكم الله  ، أو معذور مأجور أجرا واحدا ان أخطأه ، وله ان يعمل بذلك في نفسه ، وان يحكم به بين الناس ويعلمه الناس  ، مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين ؛ بناء على قاعدة ( التيسير ودفع الحرج ) وعملا بقوله : فاتقوا الله ما استطعتم " ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم " ولقوله : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فاخطأ فله اجر واحد "

حالات الحاكمين بغير ما انزل الله :

الأولى : من لم يبذل جهده في ذلك ولم يسأل أهل العلم وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة فهو آثم ضال ، مستحق العذاب ان لم يتب ويتغمده الله برحمته ؛ قال الله تعالى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }

الثانية : وكذا من علم بالحق ورضي بحكم الله ؛ لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه أو حكم بين الناس في بعض المسائل أو القضايا على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة مثلا فهو آثم ، لكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام ، اذا كان معترفا انه أساء ، ولم ينتقص شرع الله ، ولم يسيء الظن به ، بل يحز في نفسه ما صدر منه ، ويرى ان الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى .
روى الحاكم عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متعمدا أو قضى بغير علم فهما في النار "

الثالثة : من كان منتسبا للإسلام عالما بأحكامه ، ثم وضع للناس أحكاما ، وهيأ لهم نظما ، ليعملوا بها ويتحاكموا إليها ، وهو يعلم انها تخالف أحكام الإسلام ؛ فهو كافر خارج من ملة الإسلام .
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك ، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك القوانين والنظم أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم انها مخالفة لشريعة الإسلام .
وكذا من يتولى الحكم بها ، وطبقها في القضايا ، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله .

لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه ، وبعضهم يأمر بتطبيقه ، أو يحمل الأمة على العمل به ، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه ، وبعضهم يأمر بطاعة الولاة  والرضا بما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا : فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه وكانوا شركاء في الزيغ والإلحاد والكفر ولا ينفعهم علمهم بشرع الله واعتقادهم ما فيه  ، مع إعراضهم عنه وتجافيهم لأحكامه بتشريع من نعد أنفسهم وتطبيقه والتحاكم إليه كما لم ينفع إبليس علمه بالحق  واعتقاده إياه مع إعراضه عنه وعدم الاستسلام والانقياد إليه وبهذا قد اتخذوا هواهم إلها فصدق فيهم :
قوله تعالى : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }  وقوله : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ
مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ }
وقوله : { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  }
إلى قوله سبحانه : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ....}  إلى قوله : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ  }
وقوله سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا {60} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ
صُدُودًا }  إلى قوله : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا  }

ان هؤلاء قد صدوا عن تحكيم شرع الله انتقاصا له ، وإساءة للظن بربهم الذي شرعه لهم ، وابتغاء الكمال فيما سولته لهم أنفسهم ، وأوحى به إليهم شياطينهم .
وكان لسان حالهم يقول : ( ان شريعة الكتاب والسنة نزلت لزمان غير زماننا ليعالج مشاكل قوم تختلف أحوالهم عن أحوالنا وقد يجدي في إصلاحهم ما لا يناسب أهل زماننا ، فلكل عصر شانه ، ولكل قوم حكم يتفق مع عروفهم ونوع حضارتهم وثقافتهم )

فكانوا كمن أمر رسول الله ان ينكر عليهم ويسكتهم بقوله : ا{ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً } إلى قوله : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }

وكانوا ممن حقت عليهم كلمة العذاب وحكم الله عليهم با لا خلاق لهم في الآخرة بقوله : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

لقد استهوى الشيطان هؤلاء المغرورين فزين لهم ان يسنوا قوانين من عند أنفسهم ليتحاكموا إليها ، ويفصلوا بها خصوماتهم ، وسول لهم ان يسنوا قواعد بمحض تفكيرهم القاصر وهواهم الجائر لينظموا بها اقتصادهم وسائر معاملاتهم محادة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وانتقاصا لتشريعها ؛ زعما منهم ان تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم ، ولا يكفل لهم مصالحهم ، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم ؛ حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي في المعاملات وكثرت المشكلات ؛ فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر ، والواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها ، وطرق حلها ؛ لتكون مستمدة من ثقافتهم وحضارتهم .

فهؤلاء قد طغى عليهم الغرور المكروه فركبوا رؤوسهم ، ولم يقدروا عقولهم قدرها ، ولم ينزلوها منزلتها ، ولم يقدروا الله حق قدره ، ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهاجه وأحكامه ، ولم يعلموا ان الله قد أحاط بكل شيء علما ؛ فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وانه انزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة ، قدرها بكامل علمه وبالغ حكمته ؛ فأحسن تقديرها ، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان ؛ فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال ؛ فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم ، والفصل في خصوماتهم ، وحل مشاكلهم وصلاح جميع شؤونهم في عباداتهم ومعاملاتهم .

ان العقول التي منحها الله عباده ليعرفوا بها وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل قد اتخذوا منها خصما لدودا لله فانكروا حكمته وحسن تدبيره وتقديره ، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه ، وأساءوا الظن به فنتقصوه وردوه وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل ، فكانوا ممن قال الله فيهم : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }  وكانوا ممن : { الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ {28} جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ }

ان الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القران بأحوال المعتدين الهالكين ، ويحثهم على ان يسيروا في الأرض لينظروا ما كانوا فيه من قوة ورغد عيش وحضارة وبسطة في العلم نظر عظة واعتبار ، ليتنكبوا طريقهم اتقاء لسوء مصيرهم ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري لشدة خطره وبين انه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم ليعرفنا بقصور عقول البشر انها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل ، وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين .

قال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ {82} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون {83} فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ {84} فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ  }

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
 
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى / 265 طبع دار الفضيلة ، الطبعة الثانية
نقلها أبو خبيب الغريب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق