الخميس، 19 يناير، 2012

تسوية الأفهام لفقه الوسطية والاعتدال

 الكاتب : حنافي جواد بالألوكه

الإسلام متوسط في صُلبه:
 
فمن مقاصد الشريعة الإسلامية الجوهرية: البحث عن الطريق الوسط المعتدل، الذي يجمع بين مطالب الدين ومطالب الدنيا، بين مطالب الرُّوح ومطالب الجسد، ليس ميَّالاً للانحلال مصدر الدمار، ولا إلى التشدُّد مصدر الغَلبة والجمود؛ إذ جمَعَت الشريعة كلَّ الفضائل، وكل مقوِّمات بناء نموذج الإنسان الصالح والمُصلح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]، وقال الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الدين يُسرٌ، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلَبه، فسدِّدوا وقارِبوا وأبْشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة، وشيء من الدُّلْجة))؛ صحيح البخاري.

فالإسلام متوسط في أصله وفَصْله، فالوسطيَّة من خصائصه ومقاصده، ولسنا نحن الذين نُضفي عليه التوسُّط، كما قد يتخيَّل بعض الجَهَلة.

يا قوم، إنَّ دِينَ الله الإسلام متوسِّط معتدل في أصْله وفصْله؛ والوسطية مِن خصائصه، إنَّه أنموذج الوسطيَّة والاعتدال، فنُصوصه القرآنية والسُّنيَّة نماذجُ عمليَّة، وأمثلة للوسطية، فدِين الله لا يحتاج إليكم لتُوسِّطوه، أو تُعدِّلوه؛ قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]" [1].

والوسطيَّة في الإسلام موافقة للنظام الكوني حذو القُذَّة بالقُذَّة، فهو خير منهج، وأجود مَسلك للسعادتين: الدينية والدنيوية، ولنجاة الأُمة من الأزمة التي هي فيها، ولا يَزْعُمَنَّ أحدٌ أن هذه الوسطية خارجة عن النصوص الشرعيَّة، بل هي أمُّ الوسطية ولُبُّها، مضمَّنة في نصوصها وفي رُوحها.

وسطيَّتُها في كل مجال:

وقد كان من تدبير الله الحكيم في هذه الأمة، أن جعَل وسطيَّتها في كل مجال، فهي في موطن الرسالة الأولى، في مناخ وسط محتمل، لا جو مُتَعَسِّف، ولا في مناطق بركانية زلزاليَّة، ولا في أرضية استوائيَّة، ولا متجمِّدة قطبية، وهي وسطية في موقعها الجغرافي المهم؛ حيث كانت مهابط الوحي أرض السلام، ومَهْد الأمة الإسلاميَّة الأولى، وملتقى الجهات، ومَجمع القارات، فهي وسط بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وهي مركز الوصل بين إفريقيا وآسيا، وطرف ممتد في أوروبا.

وقد تجلَّت وسطيَّة الإسلام في مرافق شتَّى من الحياة: في الاعتقاد، وفي الشعور والتفكير، وفي التعاملات المالية، وفي الحوار.

التوسُّط في الشريعة الإسلامية هو الأصل، أمَّا الميل إلى أحد جانبي الزيادة أو النقص في حكم شرعي، فحالة استثنائية اقْتَضَتها الضرورة، وفرَضَتها الحاجة، لها أسباب تزول بزوالها؛ فكل إفراط أو غُلو، أو تفريط أو تساهُل في فَهْم الإسلام - تشريعًا وتكليفًا، سلوكًا واعتقادًا ومعاملة - خطأٌ كبير في هذا الفهم، وله بالغ الأثر على الشريعة الإسلاميَّة، وليس ذلك من الإسلام في شيء.

لا وسطيَّة ولا اعتدال خارج حِصن النصوص الشرعيَّة: من قرآن، وسُنة، وما أجمَع عليه سلف الأُمة، فالشريعة متوسطة منذ أن نَزَلت من السماء على خير البريَّة محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

فالوسطيَّة هي الإسلام جُملة وتفصيلاً، وكل أحكامه في طريق الوسط تَسير: عباداتها ومعاملاتها، وأخلاقها، وتعامُلاتها المالية.

شريعة لا جنسيَّة لها:

شريعة لا جنسيَّة لها؛ فهي للعرب وغيرهم من الأقوام، صالحة للتطبيق على الأرض، وفي كواكبَ أخرى إن اكتشَفها الإنسان، صالحة للعيش، يُطبِّقها المريض والقوي، والشيخ والشاب، ويُطَبِّقها بسلاسة مَن يطير في الفضاء، ويعمل في باطن الأرض، أو في أعالي البحار، صالحة للتطبيق زمنَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصالحة الآن، وصالحة في المستقبل القريب والبعيد.

سهلة ويسيرة:

فالأصل في الشريعة الإسلاميَّة أنها سهلة يسيرة، لا غموضَ في أحكامها، ولا إشكالَ فيها ولا تعقيد، فأحكامها الاعتياديَّة قريبة من الفهوم، سهلة على العقول؛ بحيث يَشترك في فَهمها الجمهور: مَن كان منهم ثاقبَ الفَهم أو بليدَه، فإنها لو كانت مما لا يُدركه إلاَّ خواصُّ الناس، لَم تكن الشريعة عامَّة، ولَم تكن أُميَّة، وقد ثبَت كونُها كذلك، فلا بد أن تكون المعاني المطلوب عِلْمها واعتقادها سهلة المأْخَذ.

"وعلى هذا، فالتعمُّق في البحث فيها وتطلُّب ما لا يَشترك الجمهور في فَهْمه، خروجٌ عن مقتضى وضْع الشريعة الأُميَّة، فإنه رُبَّما جمحَت النفس إلى طلب ما لَم يُطْلب منها، فوقَعت في ظلمة لا انفكاكَ لها منها، ولله دَرُّ القائل:
وَلِلْعُقُولِ قُوًى تَسْتَنُّ دُونَ مَدًى
إِنْ تَعْدُهَا ظَهَرَتْ فِيهَا اضْطِرَابَاتُ


ومن طِماح النفوس إلى ما لم تُكَلَّف به، نَشَأت الفِرَق كلُّها أو أكثرُها"[2].

وما يدل على ذلك أيضًا أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - لَم يَبلغنا عنهم من الخوض في هذه الأمور ما يكون أصلاً للباحثين والمتكلِّفين، كما لَم يأتِ ذلك عن صاحب الشريعة - عليه الصلاة السلام - وكذلك التابعون المُقتدى بهم، لَم يكونوا إلاَّ على ما كان عليه الصحابة.

"أمَّا العمليات - أي: الأحكام العمليَّة - فمن مراعاة الأُميَّة فيها أن وقَع تكليفُهم بالجلائل في الأعمال، والتقريبات في الأمور، بحيث يُدركها الجمهور، كما عرَّف أوقات الصلوات بالأمور المُشاهَدة لهم كتعريفها بالظِّلال، وطلوع الفجر والشمس، وغروبها وغروب الشَّفق، وكذلك في الصيام"[3].

"أمَّا المتشابهات، فإنها من قبيل غير ما نحن فيه؛ لأنها إمَّا راجعة إلى أمور إلهيَّة، لَم يَفتح الشارع لفَهمها بابًا غير التسليم والدخول تحت آية التنزيه، وإمَّا راجعة إلى قواعد شرعيَّة، فتَتعارَض أحكامها، فهي على العموم أمور استثنائيَّة، لَم يُتعبَّد بها أوَّل الأمر، ولا يُدركها إلاَّ من غاص في أعماق الشريعة، كما أنَّ الناس ليسوا في وزان واحدٍ في الفَهم، والاختصاصات فيها هبات من الله، وأنَّ هذه الأمور المختلَف فيها في غالبها مُطلقة، وُكِلَت إلى أنظار المجتهدين؛ ليستنبطوا منها ما يَصلح"[4].

ضوابط التوسُّط:
كون الحُكم بالتوسُّط داخلاً تحت أصْلٍ من أصول الدين، أو كليَّة من كليَّات الشرع؛ بحيث لا يَخرج عن جوهر الإسلام ورُوحه، ومبادئ الشريعة.

كون الحكم بالتوسُّط لا يُعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإلاَّ كان خارجًا عن ثوابت الدين الكبرى.

كون الحُكم بالتوسُّط مما لَم يقف منه الإسلام موقفَ الزيادة أو النُّقصان، أو مصلحة مُعتبرة شرعًا، كالتشديد في إثبات الزنا، والتساهل في إثبات ما لا يَطَّلِع عليه إلاَّ النساء من الأمور بشهادة امرأة واحدة، ويتطلَّب في الأوَّل أربعة شهود عدول، اتَّفقوا على كلِّ شيء من الزنا.

كون التوسُّط المجتهَد فيه من غير المنصوص عليه بصريح المنقول أو المعقول، وإلاَّ حكَمنا بالنص بلا الْتِفَات إلى قضية التوسط التي تُراعَى من الشارع دائمًا بالضرورة.

كون التوسُّط لا يؤدي إلى مَفسدة أكبر وأخطر.

كون التوسط لا يؤدي إلى تتبُّع الرُّخَص اليسيرة في المذاهب.

وقد ذكَر الشاطبي في موافقاته جُملة من المفاسد في اتِّباع رُخَص المذاهب، "كالانسلاخ من الدين بتَرْك اتِّباع الدليل، وكالاستهانة بالدين؛ إذ يصير بهذا الاعتبار سيَّالاً لا يَنضبط، وكتَرْك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم؛ لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة، وكانْخِرام قانون السياسة الشرعيَّة، بتَرْك الانضباط إلى أمرٍ معروف، وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يَخرق إجماعهم"[5].

فيستخلص من هذه الضوابط:

أنَّ التوسُّط يعرف بشيئين: 

بالشرع في أغلب الأحيان، عندما يكون الأمر شرعيًّا، وبالعقل والعوائد وما يشَهد به جِلُّ العُقلاء، كما في الإسراف والإقتار في النفقات، إن كان من العادات، لكن تَجدر الإشارة إلى أنَّ الأصلَ الأصيل في التوسُّط هو الشرع، والعقل في الإسلام إطاره الشرع، وأُمَّهات المعقولات فيه ورَدَت في أمهات جامعة شاملة للمصالح.

وبهذا تَنقطع ذريعة المتذرِّعين الذين يؤسِّسون لكذبهم من خلال قاعدة التوسُّط والاعتدال؛ ليقولوا في الدين ما تُمليه عليه أهواؤهم وشهواتهم.

فليس التوسُّط تسيُّبًا ولا جنونًا، وإنما هو محكوم بضوابطَ كما عرَفت، والوسطيَّة نابتة في النصوص الشرعيَّة.

فئات تدعو إلى الوسطية والاعتدال:

"ظهَرت وانتشَرت في عصرنا فئات تدعو إلى الوسطية والاعتدال[6]، والتجديد[7]، وفقه الواقع[8]، وإصلاح الخطاب الديني[9]؛ حتى يواكبَ تغيُّرات الزمان والمكان، وعوائد الأشخاص والجماعات، يزعمون أنَّ الإسلام لا يَصْلح لزمانهم، إلاَّ إذا جُدِّد وبُدِّل، وأُضِفَيت له صفات العصر ومستجدَّاته، فهؤلاء فِراخ العصرانيين[10].

والعجيب من أمر هؤلاء الموسِّطين والمعدِّلين، أنهم يستدلون بالنصوص الشرعية وأقوال العلماء الأعلام؛ لتعليل أقوالهم، وبناء مُنطلقاتهم، والتسويغ لاجتهاداتهم وفلسفاتهم، يعتمدون المنطق العلمي والمنهجيَّة الإسلامية الشرعيَّة، ويُلِمُّون بمختلف الفنون الإسلاميَّة، يَحسبهم الجاهل علماءَ، ولكنَّهم عُملاء أو أشباههم.

إنَّ هذا الوافد الجديد قوي ومدعَّم بالوسائل والخُطط والدراسات، يُصيب الهدف في عُقر الدار؛ إذ هو مزوَّد بأحدث الأسلحة الصامتة المدمِّرة"[11].

وليس لأحد توسيط الإسلام - أي: جَعْله متوسِّطًا - فقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]، يدلُّ على أنَّ صفة التوسُّط جوهرية في الدين وأصلٌ من أصوله، وتدلُّ على هذا نصوص كثيرة، هاك بعضها:
قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
قال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6].
قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].
قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286].
وقال - سبحانه -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28].
قال - سبحانه -: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الأعراف: 157].
وقال كذلك: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].

فهل يبقى من شكٍّ بعد هذا الإيراد، أن يدَّعي بعضهم تجديدَ الإسلام أو توسيطَه؟

قال ابن قَيِّم الجوزية:

"والدين كله بين هذين الطرفين - أي: الإفراط والتفريط - بل الإسلام قَصْدٌ بين المِلل، والسُّنة قَصْد بين البِدَع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكذلك الاجتهاد هو بَذْل الجُهد في موافقة الأمر، والغُلو مُجاوزته وتعدِّيه، وما أمَر الله بأمر، إلاَّ وللشيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غُلو ومُجاوزة، وإمَّا إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يَخلُص منها الاعتقاد والقصد والعمل، إلاَّ مَن مشى خلف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتَرَك أقوال الناس وآراءَهم لِمَا جاء به، لا مَن تَرَك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.

وهذان المرضان الخطران قد اسْتَوَلَيا على أكثر بني آدمَ؛ ولهذا حذَّر السلف منهما أشدَّ التحذير، وخوَّفوا مَن بُلِي بأحدهما بالهلاك، وقد يَجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حال أكثر الخَلق، يكون مُقَصِّرًا مُفَرِّطًا في بعض دينه، غاليًا مُتجاوزًا في بعضه، والمهديُّ مَن هداه الله"[12].

وقال الشاطبي كذلك:

"الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل؛ الأخذ من الطرفين بقسطٍ لا ميلَ فيه، الداخل تحت كسْبِ العبد من غير مَشقَّة عليه ولا انحلال...، فإذا نظَرَت في كليَّة شرعيَّة، فتأمَّلها تَجِدها حاملة على التوسُّط، فإذا رأيت ميلاً إلى جهة طرَفٍ من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقَّع من الطرَف الآخر، فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزَّجر - يؤتى به في مقابلة مَن غلَب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة مَن غلَب عليه الحَرَجُ في التشديد، فإذا لَم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسُّط لائحًا، ومَسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمَعقِلُ الذي يُلجَأ إليه، والتوسُّط يُعْرَف بالشرع، وقد يُعرَف بالعوائد وما يَشهد به معظم العُقلاء، كما في الإسراف والإقتار في النفقات"[13].


[1] الموسطون والمعدلون؛ حنافي جواد،.
[2] انظر: الموافقات؛ للإمام الشاطبي، ج 2، ص 75.
[3] انظر: الموافقات؛ للإمام الشاطبي، ج 2، ص 74 - 75.
[4] انظر: الموافقات؛ للإمام الشاطبي، ج 4، ص 121 - 122.
[5] انظر: الموافقات؛ للإمام الشاطبي، ج 4، ص 121 - 122.
[6] الإسلام الوسطي.
[7] تجديد المقاصد، وتجديد أصول الفقه، والفقه، والتفسير، والفَهم، تجديد كلِّ شيء.
[8] ويَقصدون به جَعْل الواقع - الصالح والفاسد - حاكمًا على الشريعة ونصوصها، أمَّا إذا تصادَم الواقع والنصوص، فإنهم يحاولون طَيَّ النصوص وَلَيَّها؛ لتخدم أغراضهم وتوفي بمقاصدهم، ولا يقصدون بفقه الواقع ما قصَده ابن قَيِّم الجوزيَّة في إعلامه؛ حيث قال: "ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحقِّ، إلاَّ بنوعين من الفَهم: أحدهما: فَهم الواقع والفقه فيه، واستنباط عِلْم حقيقة ما وقَع بالقرائن والأمارات والعلامات؛ حتى يُحيط به عِلمًا، والنوع الثاني: فَهْم الواجب في الواقع، وهو فَهْم حُكم الله الذي حكَم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يُطَبق أحدهما على الآخر".
[9] تجديد الخطاب الديني: يقصدون به جَعْل الدين الإسلامي - القرآن والسُّنة، ومناهج البحث الإسلامية - تبعًا للنمط الفكري والاقتصادي، والاجتماعي والسلوكي الأمريكي والأوروبي؛ بحيث لا يَحدث التصادُم بين النموذج الغربي الأمريكي، والتشريع الإسلامي، وبذلك فقد تجاوَزوا الدعوات العلمانية الداعية إلى الفصل بين الدين والدولة السياسة، كما تجاوَزوا وتخطَّوا بخُطوات الدعوات اللادينيَّة الإلحادية؛ ليدعوا إلى فكرة خطيرة جدًّا، لا يُدركها إلاَّ العاقلون، هي تجديد الدين: الخطاب الديني؛ لإفساده وتدميره من الداخل.
[10] العصرانيون:فئات تدَّعي تشبُّثَها بالعقل والفكر، وتنادي بالتحرُّر من الماضي وأغلاله، تدعو إلى التجديد والتفكير المنطقي، والمواكبة والتقدُّم وَفْقًا للمفاهيم والفلسفات الغربية، ودعواها أنَّ تغيُّر الزمان يقتضي تغيير النصوص الشرعية؛ لتواكِب المستجدات، وتحتوي المتغيرات الوطنية والدولية، بشكل يوافق المعاهدات الدولية والاتفاقيات.
لا يُنكرون النصوص الشرعية القرآنية والسُّنية، وإنما يدعون إلى الاجتهاد فيها، وتنَزيلها على الواقع المعاصر، فهم دُعاة التنوير والعقلانيَّة والتحرُّر، يُقَسِّمون السُّنة النبوية إلى تشريعيَّة وغير تشريعيَّة، وهدفهم من وراء التقسيم خبيثٌ، يدعون إلى الفكر المقاصدي كما يرونه، ويحتجُّون بقول العلماء: حيثما وُجِدت المصلحة، فثَمَّ شرْعُ الله، ويفهمون القاعدة وَفْقًا لمبادئهم ومُنطلقاتهم، ويحثون على تجديد أصول الفقه والتفسير.
ليسوا علمانيين ولا ثابتين على النصوص والمنطلقات التي اتَّفقَت عليها الأمة، إنهم فئة هجينة تدسُّ السُّمَّ في العسل، تَحسبهم مؤمنين وهم كالمنافقين، لهم رموزهم القديمة وأعلامهم الجديدة.
مُمَوَّلون مدعومون للترويج لفكرهم ودَسِّ سمومهم، بل فكر أعداء الإسلام؛ ولهذا تُعَدُّ العصرانية قنطرة العلمانيَّة.
للتفصيل في الموضوع انظر كتاب: "العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب"؛ بقلم محمد حامد الناصر.
"لقد زعَم أصحاب هذه المدرسة أنهم يريدون التجديد؛ لتَنهض الأمة من كَبْوتها، ويريدون إعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي، من خلال طَرْح العديد من الدراسات والأبحاث المتعلِّقة بالتراث، إلاَّ أنهم عَمَدوا إلى إحياء وتمجيد الاتجاهات الفكرية المنحرفة، وعَرْضها في إطار عقلاني تحت مظَلَّة الانتماء إلى التراث الإسلامي"، الصحيفة 177 من كتاب العصرانيون؛ محمد حامد الناصر.
[11] الموسطون والمعدلون؛ حنافي جواد، .
[12] انظر: كتاب الرُّوح؛ لابن القيم الجوزية، ص 250، دار الفكر، ط 1992م.
[13] انظر: الموافقات؛ للشاطبي، ج 2، ص 139 - 143.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق