الأربعاء، 18 يناير، 2012

تأسيس التفكير العلمي بآيات النظر والاستدلال


تأسيس التفكير العلمي بآيات النظر والاستدلال
د.ناول عبد الهادي

جعل الإسلام اليقين الصحيح ثمرة النظر العميق في كتاب الكون المفتوح وقراءة آياته المبثوثة في الآفاق.

والقرآن الكريم دعوة ملحة إلى معرفة الله عن طريق التدبر في ملكوته والتفكر في صنوف خلقه, بل إنه ليعتبر الكفار دواب لأنهم عطلوا حواسهم وأهملوا مشاعرهم وأهدروا نعمة العقل التي أكرمهم الله بها. وزاد القرآن في تقدير الحرية العقلية عنصرا لم يكن موجودا في الديانات السالفة, هو ما أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلّي, فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة).

يعني أن معجزات الأنبياء السابقين كانت خوارق للعادات, يسلمها العقل عن قهر, لأنه لا مدخل له فيها. أما معجزة الإسلام فأساسها كتاب يخاطب العقل خطابا مباشرا. فما بقي على الأرض عقل بقي أمل في الإيمان بهذا الدين, ولهذا رجا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكون أكثر الأنبياء أتباعا.

وما من باحث منصف يدرس القرآن الكريم إلا ويكتشف فيه حقيقة كونية هائلة منهجا ومعرفة. أما المنهج فيتجلى في وضع القرآن الكريم المبادئ الأساسية للوصول إلى حقائق الوجود, كالسببية والغائية وعدم الاستسلام للظنون والأوهام والانتقال من المحسوس إلى المجرد واتباع طرق الاستقراء والاستدلال والنظر من خلال استعمال الحواس والتحليل العقلي والتلقي بالقلب: «من عمل بما علم , علمه الله علم ما لم يعلم» وسائر الطاقات البشرية المادية.

وبالنسبة للمعرفة العلمية الكونية, فقد وردت إشارات متنوعة عنها في كثير من الآيات القرآنية, تكشف أسرار الوجود وما أودع الله فيها من القوانين المادية من خلال الحديث المفصل عن مظاهر القدرة الإلهية, وإذا أضفنا إلى ذلك موقف الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العلم والتعلم, والفهم السديد لصحابته وتابعيهم لإدراك المقاصد القرآنية في فهم الدعوة إلى فهم أسرار الوجود, أدركنا حقيقة التغيير الحضاري الذي نتج في العالم الإسلامي من منطلق مواجهة المسلمين للحضارات العالمية يومئذ مواجهة نشيطة مفتوحة بعقلية علمية دقيقة(منهج التغيير الاجتماعي في الإسلام د.محسن عبد الحميد ص 49, وهناك كتب أخرى تسير في نفس الاتجاه ككتاب (حول إعادة تشكيل العقل المسلم) للدكتور عماد الدين خليل, وكتاب (الإسلام في عصر العلم) للدكتور محمد أحمد الغمراوي ).

ولهذا فهدف العلم عندنا لا يقف عند حدود استثمار البيئة وخلق المواطن وإنما يتعدى ذلك إلى خلق الإنسان الكامل, كما يتعدى معرفة البيئة إلى معرفة خالقها. ويلخص سيد قطب مميزات المنهج القرآني في:

ا - عرض الحقيقة كما هي في عالم الواقع بالأسلوب الذي يكشف كل زواياها وكل جوانبها وارتباطاتها ومقتضياتها. وهو مع هذا الشمول لا يعقد هذه الحقيقة.

2 - عدم الانقطاع والتمزق الملحوظين في الدراسات العلمية والتأملات الفلسفية.

3 - المحافظة على إعطاء كل جانب من جوانب الحقيقة مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان الله.( مقومات التصور الإسلامي لـ «سيد قطب» ص 66)

وهكذا نجد نداءات القرآن الكريم الملحة الموجهة إلى عقل المسلم تدعوه إلى القراءة والتفكير والتعقل والتفقه والتبصر والتدبر.. يجمعها قوله تعالى: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ } «ص: 29»

فهل يعي المسلمون اليوم هذه الحقيقة؟

ويكسروا الحواجز التي حجبت هداية القرآن عن نفوسهم وعقولهم, ويدركوا الأسباب التي أدت إلى هزيمتهم أمام الحضارة الغربية, ليراجعوا مواقفهم الخاطئة ويعودوا للمنهج القويم؟

عرض لبعض آيات النظر والاستدلال:

انطلاقا من نظرتنا الشمولية للقرآن, فإننا لن نحصر آيات النظر والاستدلال في بضع آيات, بل سنعتمد على القرآن ككل وذلك لاختلاف الأساليب التي خاطب بها القرآن المسلمين على اختلاف درجاتهم المعرفية ومستوياتهم الإدراكية.

وهكذا فإننا نصادف في القرآن الكريم الأسلوب البرهاني والحجة والجدال الحسن والاستقراء والمقارنة والتمحيص استنادًا إلى المعطيات الحسية الخارجية وضرب الأمثال إلى غير ذلك من الأساليب.

وحسب ما ورد في (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) فإن مادة ن.ظ.ر قد وردت في القرآن 130 مرة بتسع وعشرين صيغة. وهذه بعض النماذج منها:

1 ـ {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } "العنكبوت: 20".

وهذه الآية ـ حسب ما ورد في حاشية الصاوي على الجلالين ـ خطاب لمنكري البعث ليشاهدوا كيف أنشأ الله جميع الكائنات, ومن قدر على إنشائها بدءا يقدر على إعادتها.

2 ـ {فَانظُرْ إِلَىَ آثَارِ رَحْمَةِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الْمَوْتَىَ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} «الروم: 50"

3 ـ {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَىَ طَعَامِهِ} «عبس: 24"

في هذه الآية بيان لتعداد النعم المتعلقة بحياة الإنسان في الدنيا, إثر بيان النعم المتعلقة بإيجاده.

4 ـ {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ} «الطارق5"

5 ـ {أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}«ق: 6".

6 ـ والملاحظ أن مادة هذا الفعل تأتي غالبا بعد استفهام يفيد الإنكار والتوبيخ. والتقدير أَعَمُوا فلا ينظرون كما في قوله: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} «الغاشية: 17», أو أغفلوا وعموا فلم ينظروا إلى آيات الله الباهرة. وفي هذا تقريع لكل ذي نظر لا يعمله في التفكير والتأمل والاتعاظ.

أما مادة (د.ل.ل) فوردت ثمان مرات كما في قوله تعالى في سورة الفرقان: {أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمّ جَعَلْنَا الشّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} «آية: 45"

كيف رسم القرآن خطوات الاستدلال البرهاني؟:

يرسم لنا القرآن سورة مشرقة للنموذج الحي الرائع الذي يبحث فيه الإنسان عن الحق ويسعى إليه, وهو صورة النبي العظيم إبراهيم ـ عليه السلام ـ في سعيه الحثيث للوصول إلى الحق لينتهي بعد ذلك إلى موقف الإيمان الحق بأقصر طريق وأقواه, وهو موقف رائع يصور لنا رحلة الإنسان الباحث عن الحق من موقع الشك إلى موقع الإيمان ـ قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ, فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ الْلّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ , فَلَمّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأكُونَنّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالّينَ , فَلَماّ رَأَى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـَذَا رَبّي هَـَذَآ أَكْبَرُ فَلَمّآ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ , إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} «الأنعام: 75, 79"

فقد بدأت القضية مثلما بدأت عند البسطاء والساذجين من قومه, من الخضوع للظواهر الكونية, فيما تمثله من عظمة وفيما يكتنفها من أسرار. فكانت عبادة الكواكب.. وكانت عبادة القمر والشمس وأوضاعها المختلفة هي التي تقررت في وعي الناس على ضوء ما نفهمه من التدرج في قضية الألوهية المدعاة من الصغير إلى الكبير إلى الأكبر. مما جعل إبراهيم يشعر بالخضوع للشمس في النهاية فيعتبرها ربَّا يستحق العبادة لأنها أكبر من الكوكب والقمر, فهي أحق بالعبادة. وكانت الفكرة تنمو في ذهنه أمام عظمة هذه أو تلك.. ولكنها لم تلبث أن تضاءلت إزاء حالة الأقوال التي تُمثل الضعف.

والغيبوبة عن الكون في نظامه ودوامه, إنها الصورة الحية للإنسان الذي يعيش قلق المعرفة بروح واعية متفتحة خاضعة للحق في كل أدلته وبراهينه.

وينقل لنا القرآن صورة أخرى عن إبراهيم النبي ـ عليه السلام ـ في موقف آخر يجسد لنا فيه طبيعة الإنسان الذي يريد أن يؤمن, ويعمل على أن يتجاوز الإيمان إلى المستوى الذي يحصل فيه على الاطمئنان الروحي. وهو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَـكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} «البقرة: 26".

وقد وردت هذه القصة بعد قضية عُزير, وسبب سؤال إبراهيم أنه مر بساحل طبرية فوجد جيفة إنسان فلما رآه وجد السباع والطيور والسمك تأكل منها فاشتاقت نفسه لرؤية جمع الله لها. فقال النمروذ أنا أحيي وأميت ودعا برجلين فقتل أحدهما وعفا عن الآخر فقال له إبراهيم: ليس هذا إحياء, فإن الإحياء إدخال الروح في الجسم وتقويمه بها. فقال النمروذ: أو ربك يفعل ذلك؟ فقال إبراهيم: نعم. فقال له: هل عاينته؟ فانتقل لحجة أخرى وهي: {فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ } . فعند ذلك تشوق للمعاينة لتقوى حجته على قومه.

وسأله الله تعالى: {أو لم تؤمن} أي بقدرتي على الإحياء, سأله مع علمه بإيمانه ليجيبه بما سأل فيعلم السائلون غرضه. وهو أن سؤاله ليس لعدم إيمانه ولكن ليسكن قلبه بالمعاينة المضمونة إلى الاستدلال وذلك لا يقدح في إيمان إبراهيم فإن الإنسان يؤمن برسول الله وبيت الله الحرام ولكن قلبه يظل مشتاقا ومضطربا لمشاهدتهما ومع ذلك لا يقدح ذلك في إيمانه. وهذا كسؤال موسى رؤية الله مع كونه في أعلى مراتب الإيمان(حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 1/124, دار إحياء التراث العربي ومن أهم الكتب التي عرضت لحوار الرسل مع أقوامهم كتاب (الحوار في القرآن) للشيخ محمد حسين فضل الله).



إذن فإبراهيم يؤمن بقدرة الله المطلقة, إيمانا ينبع من التفكير والملاحظة, ولكنه يطلب أن ينطلق الإيمان من عملية الحس لأنها تربط القلب بالفكر والعقل بالنظر.. وبكل قوة.. ولم يكن هذا الطلب تحديًا , بل كان دعاء ورجاء حارًّا. يتمنى فيه على الله ـ بشعور صادق ـ أن يستجيب له لقدرته على ذلك وحاجته إليه من خلال مسؤوليته الرسالية في مجتمعه الكافر الذي اضطربت فيه جوانب العقيدة وتعددت فيه طرق الضلال.

دعوة القرآن إلى الاستقلالية في التفكير:

لقد دعا القرآن إلى الابتعاد عن الأجواء الانفعالية التي تبعد الإنسان عن الوقوف مع نفسه وقفة تأمل وتفكير. فإنه قد يخضع في قناعاته وأفكاره للجو الاجتماعي الذي تنطلق فيه الجماعة في أجواء انفعالية حماسية لتأييد فكرة معينة, أو رفض فكرة خاصة.. الأمر الذي يفقد فيه الفرد استقلاله الفكري وشخصيته المميزة فيعود ظلا باهتا للجماعة.

وقد صور لنا القرآن ذلك فيما نقله لنا من أسلوب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حواره مع مشركي مكة عندما اتهموه بالجنون, فقد دعانا إلى التجرد عندما نريد أن نتبنى فكرة أو نرفضها. قال تعالى: {قُلْ إِنّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلّهِ مَثْنَىَ وَفُرَادَىَ ثُمّ تَتَفَكّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} «سبأ: 46".

حيث دعاهم إلى الانفصال عن الجو المحموم الذي لا يملكون معه أفكارهم.. بأن يتفرقوا مثنى وفرادى, في موقف فكر وتأمل يرجع إليهم أفكارهم وشخصياتهم, لأن طبيعة الفكر الهادئ الواعي أنه يضع القضية في موقعها الطبيعي, لينتهي إلى الإقرار ـ بعد ذلك ـ بأنه رسول الله إلى الناس.

وقد واجه القرآن التقديس المطلق لعقائد الآباء والأجداد وبين أن قضايا الفكر يجب أن تنبع من عقل الإنسان بعيدا عن أي تأثير عاطفي أو خارجي. فليس أمام الإنسان ليؤمن أو لا يؤمن إلا أن يدرس القضية في إطارها الطبيعي من خلال الجوانب التي تؤثر فيها وتتأثر بها من الناحية الفكرية.. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} «البقرة: 170".

{وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّقْتَدُونَ, قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىَ مِمّا وَجَدتّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوَاْ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} «الزخرف: 23 ـ 24"

نواجه في هذه الصورة إصرارا على رفض رسالة الله, بحجة مخالفتها لما عليه الآباء.. فكان منهج القرآن في ردهم. هو محاولة إثارة عنصر التساؤل أمامهم, حول الإمكانات الفكرية التي كان يملكها آباؤهم, مع توجيههم إلى القيام بعملية موازنة بين ما لديهم من تراث آبائهم وبين ما تأتيهم به الرسالات من قبل الله, فقد يطلعون على أفضلية الرسالة, وبالتالي يخرجون من جو القداسة والهالة الكبيرة لآبائهم إلى الجو الطبيعي الذي يوحي لهم بأن احترام الآباء لا يمنع من قابليتهم للخطأ لأنهم غير معصومين.

وهكذا نجد أن القرآن يريد أن يصل إلى نتائج إيجابية في جانب المعرفة والاقتناع بالفكر من خلال عدة أساليب: كالدعوة إلى النظر والاستدلال والابتعاد في مجال الفكر عن الأجواء العاطفية.. إلخ, وكل هذه الأساليب تنتهي بالفكر المسلم إلى الانطلاق في التعرف على أسرار الكون وقوانينه من أجل اكتشاف الطريقة التي يستطيع الإنسان الاستفادة منها في التعامل مع هذه القوانين في مجالات الحياة المتحركة في أكثر من اتجاه.

ونخلص من كل ما سبق إلى أن العلم ـ في الإسلام ـ يمر من طريق الدين. على أساس جعل قضية الإيمان حافزا هاما للإنسان لاكتشاف خالقه من خلال اكتشافه لعظمة خلقه وهذا ما يعرف بدليل الأثر على وجود المؤثر. وهكذا فكلما ازداد الإنسان علما ازداد معرفة بالله. وكلما ازدادت معرفته ازداد تدينه وخشيته من الله وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة: {إنما يخشى الله من عباده العلماء خصوصًا في الوسط العلمي. المهتم بدراسة علوم النبات والأحياء والفيزياء والكيمياء...إلخ, ويبقى ما ورد في القرآن من حديث عن الإنسان وخلقه من النطفة إلى الموت إلى الزرع الذي نزرعه والماء الذي نشربه والنار التي نوقدها..

يبقى كل ذلك مجرد إشارات وتنبيهات إلى بعض الحقائق والنواميس الكونية التي ينبغي أن تستكشف. لأن القرآن هو كتاب هداية وإرشاد إلى خيري الدنيا والآخرة قبل كل شيء. وليس كتابا في العلوم الكونية ترد إليه كل نظرية قد تتغير أو يثبت بطلانها بعد حين.

ما يهمنا من كل هذا, هو أن القرآن قد أرشدنا إلى الطريقة السديدة في البحث, ووضع لنا أسس المنهج العلمي السليم.

هذه الأسس التي تقوم على النظر والملاحظة والتحقق والتقصي وتحكيم الفكر والتأمل في حصيلة كل ذلك للوصول إلى الحقائق والقوانين بتركيب الجزئيات والتفاصيل.

وحسب القرآن الكريم أنه حطم أمام العقل القيود. ورفع عنه الحجب وحفزه إلى الانطلاق على ألا يتجاوز حده ويتخطى ميدانه.

مكتبتنا العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق