الأربعاء، 18 يناير، 2012

أسرار انسحاب البرادعي من الترشح للرئاسة

 
كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز
جاء انسحاب البرادعي من سباق الرئاسة المصري ليفتح الباب أمام الكثير من التكهنات والاحتمالات والدوافع الخاصة بهذا القرار المفاجئ الذي أغضب الكثيرين من أنصاره ومعهم التيارات العلمانية والليبرالية في مصر، إذ لم يكن خلال الأشهر الماضية بل الأيام والساعات الأخيرة التي سبقت قرار الانسحاب أي مؤشر يوحي أن الرجل سينسحب من سباق الرئاسة أو حتى يفكر في الانسحاب، وعلى الرغم من كثرة الانشقاقات في حملته الانتخابية، وانقلاب العديد من المقربين منه عليه أمثال حمدي قنديل وممدوح حمزة وغيرهم، وعلى الرغم من شدة الحملات الإعلامية التي نالت من مصداقيته، والتي كشفت الكثير والكثير من أسراره الشخصية وعلاقاته المريبة مع أطراف خارجية في مجملها تصنف على أنها معادية لمصر والعالم العربي والإسلامي عمومًا، وعلى الرغم من تعرضه للعشرات من المواقف الأليمة والمهينة أثناء حملاته الدعائية والتفقدية من رشه بالماء في بولاق وإلقاء الزجاجات الفارغة عليه في إمبابة لطرد الجماهير له من إحدى المؤتمرات في الإسكندرية، رغم ذلك كل هذه المعاناة إلا إن الرجل لم يُبدِ أي أمارة على نية الانسحاب حتى كان القرار المفاجئ اليوم الأحد.
الأسباب التي ساقها البرادعي في قرار انسحابه وإن كانت واقعية وحقيقية إلا إنها في النهاية لا ترقى لكونها أسبابًا وجيهة للانسحاب، وما ذكره من أمور من عينة استبداد المجلس العسكري، وبقاء نظام مبارك، وغياب الديمقراطية الحقيقية، وفساد الحياة السياسية، وقتل الثوار... وغير ذلك من أسباب كلها أمور متفق على وقوعها منذ زمن وقائمة منذ عدة شهور، فما الذي دفعه للانسحاب في هذا التوقيت الغريب الذي لا يخلو من الظنون والشكوك، وهذا الانسحاب المفاجئ دفع العديد من الرموز السياسية والثقافية في مصر للاعتراض على البرادعي، والتشكيك في مصداقية مبرراته، وقد تباينت ردود أفعالهم وتعليقاتهم على هذا القرار، فقد انتقد المستشار زكريا عبد العزيز نائب رئيس محكمة النقض السابق قرار البرادعي بالعدول عن فكرة الترشح وطالبه بالعودة عن هذا القرار، وقال: "أعتقد أنه إذا كانت أسباب البرادعي بالعدول عن الترشح للرئاسة لاعتقاده أن النظام لم يسقط وبالتالي لا يستطيع أن يخدم مصر فهذا انسحاب من المسئولية في النضال من أجل انتزاع الديمقراطية، فالحقوق تنتزع، أما أن أترشح للرئاسة في وجود ديمقراطية فأين النضال هنا؟ وقال الدكتور أيمن نور المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية ومؤسس حزب غد الثورة على قرار البرادعي بالانسحاب بأنه صدمة للضمير الوطني وصفعة للمجلس العسكري وسياساته وقبله حياة للثورة، أما عمرو موسي أمين جامعة الدول العربية السابق فقد أعرب عن أسفه لانسحاب البرادعي من الترشح لرئاسة الجمهورية، مثمنًا دوره ومشاركته في التطورات التي شاهدتها مصر في الفترة الأخيرة، وقال بأنه يأمل أن يواصل البرادعي جهوده إلى جانب جهود كل المصريين الساعين إلى إعادة بناء البلاد، في حين أعرب حزب النور السلفي عن اقتناعه بأن البرادعي قد انسحب من سباق الرئاسة عندما رأى أن الشعب قد اختار الإسلاميين في الانتخابات.
فما هي الأسباب الحقيقية لانسحاب البرادعي في هذا التوقيت تحديدًا؟
البعض يرى أن انسحاب البرادعي جاء كنتيجة طبيعية لفشله في الترويج لنفسه ومشروعه الليبرالي، فعلى الرغم من تسخير العديد من القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج للبرادعي إلا أنه ظل في ذيل المرشحين للمنصب ونفور الشعب المصري له كل يوم في ازدياد، وشعبيته في تدنٍّ مستمر، ومن ثم كان انسحابه بعد يقينه بانعدام فرصه في الفوز بالمنصب، فانسحابه قرار سياسي محض، في حين يرى البعض الآخر أن الانسحاب في هذا التوقيت تحديدًا يأتي في سياق المؤامرة التي يقودها التيار العلماني والليبرالي الثوري في مصر والذي يريد إشعال البلاد للتغطية على فشله في الانتخابات البرلمانية، وإجهاض نجاح التيار الإسلامي ومنع تقدمه نحو تشكيل مؤسسات الحكم في مصر بعد الثورة، وأن البرادعي يلعب بالنار وهو يعلم أن شعبيته متداعية وليس له فرص حقيقية في الفوز بالرئاسة إذا ما ظلت الأوضاع الداخلية في مصر على حالها، وظل المسار الديمقراطي والانتخابي على نفس الوتيرة، وأن البرادعي لن يتولى الرئاسة إلا في ظروف استثنائية ثورية، لذلك فهو يؤجج الثورة ويدفع بها إلى طريق الانفجار، ليلعب دور قائد الثورة الجديدة في ظل غياب القيادة للثورة الأولى، ولكن هذه الفرضية تعوزها الأدلة والبراهين ولا تخرج عن كونها سيناريوهات وتقديرات من شخصيات تؤمن بنظرية المؤامرة في كل خطوة تحدث في مصر اليوم، ورَفْضُ الكثيرين من أنصار البرادعي لخطوة انسحابه ورفضهم لتبريراته التي ساقها للانسحاب خير دليل على عدم صحة هذه الفرضية.
نستطيع أن نقول بأن السبب الحقيقي لانسحاب البرادعي من سباق الترشح هو الرسائل السياسية والدبلوماسية الأخيرة لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، فالبرادعي قد قرأ رسائل أمريكا الأخيرة في سياقها السياسي والاستراتيجي الصحيح، ومن ثم اتخذ قراره بالانسحاب، فمن المعروف أن أمريكا كانت تدعم البرادعي وتروج له بقوة كبديل مقبول عند المصريين، بعد انتهاء صلاحية مبارك واستغناء أمريكا عن خدماته، مستغلة منصبه الدولي المرموق ودوره الذي لا ينكره أحد في تحريك المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية عقب عودته إلى مصر سنة 2009، والموافقة المبدئية لجماعة الإخوان على دعمه كمرشح رئاسي، وتم الترويج له في الصحف الأمريكية على أنه خصم أمريكا و"إسرائيل" اللدود، وأن أمريكا قد اجتهدت للإطاحة به من منصبه الدولي، وأن "إسرائيل" تعتبره هو ونبيل العربي أكبر تهديد لأمنها، وهكذا جرت الصحف الأمريكية و"الإسرائيلية" على خطة تلميع البرادعي لتلافي آثار الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها أجهزة المخابرات الأمريكية والتي تنبأت بأن الثورة ستأتي بنظام علماني جديد، ومن ثم ضغطت على مبارك للرحيل، فلما استولى الإسلاميون على المشهد السياسي والعام في مصر بعد الثورة، حاول الأمريكان والغرب تلافي كارثة الخطأ الاستخباراتي الفادح بتسويق البرادعي كمرشح له وجاهته، وجرت خطة تلميعه ليخرج من دائرة التصنيف الجهنمية التي وضعته في خانة العلماني الموالي لأمريكا الذي دمر العراق، والصديق الحميم لجورج سوروس الصهيوني عدو العالم الإسلامي الذي دمر اقتصاديات دول آسيا المسلمة في تسعينيات القرن الماضي.
واستمر الرهان الأمريكي على البرادعي لعدة شهور على أمل أن يقوم البرادعي بدوره المنوط به في كسب أنصار داخل مصر وهو ما فشل فيه البرادعي ومع مرور الأيام ازداد فشل وتباعد البرادعي عن الشارع المصري وعقل الناخب والمواطن المصري، وكل يوم تكتشف زلة من زلاته السياسية أو الشخصية أو المهينة، والتقارير الخارجية ساهمت بقوة في إضعاف مكانته السياسية والانتخابية، والبرادعي نفسه أعطى خصومه الكثير من المبررات لتشويهه إعلاميًّا وسياسيًّا بأدائه الإعلامي المهتز وحواراته الصحافية مع وسائل الإعلام العالمية التي كرست صورته السلبية في عقلية الناخب المصري، فضلاً عن إحاطته بحاشية من غلاة العلمانية في مصر وهي طائفة مكروهة لجميع المصريين، هذا غير كثرة أسفاره ووجوده في أغلب الأحيان خارج البلاد، خصوصًا في الأوقات العصيبة، فعندما وقعت أحداث إمبابة كان في أمريكا، ولما وقعت أحداث ماسبيرو كان في لندن، ولما وقعت أحداث محمد محمود وما بعدها كان في جولة أوروبية، وهكذا كان الرجل دائم الأسفار والبعد عن الأخطار، في حين أن منافسيه في قلب الحدث ودائمي الوجود والمشاركة الشعبية للمصريين، وهذا الأمر تحديدًا جعل العديد من أنصاره المقربين ينشقون على حملته الانتخابية وينقلبون حربًا على البرادعي، متهمين إياه بعدم الاهتمام بمصر والمصريين وعدم الصلاحية لهذا المنصب الخطير، بالجملة فإن البرادعي قد فشل في القيام بدوره المنوط والجزء الخاص به في كسب شعبية الداخل، وبالتالي بدأت أمريكا في إعادة النظر في رهانها على شخص مثل البرادعي.
جاءت نتيجة الانتخابات المصرية لتمثل إخفاقًا جديدًا للبرادعي، فالبرادعي كان دائمًا ما يسوق نفسه في وسائل الإعلام العالمية على أنه حامل لواء العلمانية والليبرالية والمدافع عن الحريات والمصالح الغربية في مصر، فلما جاءت نتيجة الانتخابات واكتسح التيار الإسلامي مقاعد البرلمان، أيقنت أمريكا أن دور البرادعي قد انتهى ورصيده قد نفد، وأن عليها التعاطي مع الوضع الجديد ليس في مصر وحدها ولكن في المنطقة بأسرها، ولذلك لم تنتظر أمريكا طويلاً فبعد ظهور نتيجة المرحلة الأولى والتفوق الكبير للتيار الإسلامي بدأت الرحلات المكوكية للساسة الأمريكان من العيار الثقيل من أمثال جون كيري وكلينتون وفليتمان والإعلامي الداهية فريدمان وأخيرًا كارتر للتباحث وجس نبض التيار الإسلامي والتعرف على نواياه في مرحلة ما بعد تأسيس مؤسسات الحكم في مصر الجديدة، حيال قضايا المنطقة ومصالح أمريكا فيها، فلما جاءت الإشارات مطمئنة، كانت رسالة أمريكا الأخيرة للبرادعي على لسان كارتر في زيارته الأخيرة لمصر بأن اللعبة قد انتهت والرهان قد انقضى، وأن عليه أن يحدد خياراته في المرحلة المقبلة لأن الغطاء الأمريكي قد رفع، ولأن البرادعي سياسي محنك يجيد قراءة الرسائل الأمريكية ليس في مصر وحدها ولكن في دول الجوار أيضًا، فلم ينتظر أكثر من ذلك وقرر الانسحاب من سباق الرئاسة تاركًا الباب مواربًا لولوجه المشهد السياسي من زاوية أضيق وهي زاوية الوزارة؛ لأنني أرجح بقوة أن يكون البرادعي هو وزير الخارجية المقبل في أول تركيبة وزارية بعد الانتخابات.
البرادعي قد يكون معذورًا في خطوته تلك فهو قد تربى في أحضان الأمريكان ويعلم أساليبهم وطرقهم وسياستهم الشهيرة في التعامل مع عملائهم وأصدقائهم الأوفياء، فأمريكا دولة برجماتية نفعية من المقام الأول لا تهتم بصداقة ولا وفاء إنما هي مصالح فحسب، وقد تخلوا عن مبارك لما فشل في السيطرة على الشارع وتعرضت مصالح أمريكا للأخطار، وهم سيتخلون عن أي صديق لهم ما دام أنه لن يسيطر على الشارع ويحقق مصالح أمريكا في المنطقة، ومن ثم فهم الرجل رسائل أمريكا الأخيرة وقرر الانسحاب في هدوء غبر مبالٍ بأنصاره ومحبيه ومن صبر على نقد الشارع المصري له من أجل مناصرته، ولكن هل بعد انسحاب البرادعي هل لنا أن نتساءل ونقول: هل أصبح عمرو موسى هو الرئيس المقبل لمصر أم أن المسألة لم تحسم بعد؟ سنرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق