الخميس، 15 سبتمبر، 2011

الزواج المبكر وأزمة العنوسة

الزواج المبكر وأزمة العنوسة

 
 
الهيثم زعفان




ليس أهل الشهوات فقط هم السبب الرئيس في تأخير سن الزواج، بل في أحيان كثيرة يكون الآباء هم صنّاع العنوسة في المجتمع، وذلك بتمسكهم بأفكار ومعتقدات بالية في اختيار شريك الحياة الزوجية، وجميعها تسير وفق هوى الناظر لا مراد الشارع.
الأمم المتحدة تعتبر الزواج المبكر عنفاً ضد المرأة ينبغي القضاء عليه، وهي تفرق في وثائقها بين زواج الأطفال وبين الزواج المبكر فزواج الأطفال عندها هو ما كان بين 15-19 سنة، بينما الزواج المبكر عندها هو ذلك الزواج الذي يعيق المرأة عن تحصيلها لتعليمها الجامعي، وسعيها للعمل خارج المنزل.

الزواج نعمة من الله، ففيه السكينة والاستقرار، ومن خلاله تتعاقب الأجيال، وبتركه تفتح أبواب الانحرافات، وانتشار ظاهرة العنوسة بين الجنسين مع ما يصاحبها من تعقيدات نفسية، وخسائر اجتماعية، فضلاً عن مخالفة الترك لمراد الشارع الكريم.
ولأن الزواج يضبط العلاقة بين الرجل والمرأة في قالب شرعي محدد وواضح، فإن ذلك لا يسير وفق هوى أهل الشهوات متعددي النزوات، فصاروا يزينون الانحراف ويعسرون سبل العفاف وذلك لحقدهم وحسدهم على أصحاب الفضيلة التي حرموا لذتها ونعيمها، وبوصولهم لمواقع صنع القرار أضحوا يبتكرون آليات ظاهرها الرحمة وباطنها تعسير منافذ الحلال من قوانين وتشريعات ترفع سن الزواج وتجرم من يخالفها. إضافة إلى استثمار كافة القنوات التي تحت أيديهم من إعلام وتعليم ومنظمات لتصب جلها في ضرورة تأخير سن الزواج، وتعظيم أمور أخرى بصورة مبالغ فيها من تعليم وخروج المرأة للعمل، وكل ذلك على حساب الأدوار الأصلية والشرعية للمرأة في بنائها لبيتها ورعايتها لذريتها.
وليس أهل الشهوات فقط هم السبب الرئيس في تأخير سن الزواج، بل في أحيان كثيرة يكون الآباء هم صنّاع العنوسة في المجتمع، وذلك بتمسكهم بأفكار ومعتقدات بالية في اختيار شريك الحياة الزوجية، وجميعها تسير وفق هوى الناظر لا مراد الشارع.
والزواج المبكر الذي اشتهر به سلف الأمة، وصار علامة من العلامات المميزة للمسلمين حتى وقت قريب، اضمحل كثيراً وصار عملة نادرة في سوق الزواج في مجتمعاتنا الإسلامية، والغريب أن الأضواء جميعها تسلط على العنوسة التي هي أحد انعكاسات ترك الزواج المبكر بحجج تسويفية، حيث تعقد المؤتمرات وتنظم ورش العمل وتجرى الدراسات لبحث تلك الأزمة، ونادراً ما نجد من يشير إلى تشجيع الزواج المبكر كأحد وسائل القضاء على العنوسة؛ بل إنه على نفس المسار نجد أن الزواج المبكر يصنف على أنه من العادات السلبية التي يجب للمجهودات أن تتضافر للقضاء عليها.
فأي ازدواجية هوائية تلك ونحن نرى الدكتور أحمد المجدوب الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بمصر يشير في دراسة بحثية له إلى أن الشباب الذين تخطوا سن الخامسة والثلاثين في مصر بدون زواج بلغ عددهم 9 ملايين شاب وفتاة، مقسمين إلى 5.5 مليون شاب و3.5 مليون فتاة، أي أن ثمة مليوني شاب زيادة عن عدد الفتيات، فهل نحن نعاني فعلاً من عنوسة أم أن المعانة الحقيقية تكمن في تعنت التزويج وتسويفه؟.
الأمم المتحدة ومحاربة الزواج المبكر

تعد الأمم المتحدة الآن هي قبلة أدعياء حقوق الإنسان وحرية المرأة، ومنها يستقى نشطاء تعسير منافذ الحلال موجهاتهم من مقررات صريحة وواضحة في مخالفتها للشريعة الإسلامية.
فالأمم المتحدة تعتبر الزواج المبكر عنفاً ضد المرأة ينبغي القضاء عليه، وهي تفرق في وثائقها بين زواج الأطفال وبين الزواج المبكر فزواج الأطفال عندها هو ما كان بين 15-19 سنة، بينما الزواج المبكر عندها هو ذلك الزواج الذي يعيق المرأة عن تحصيلها لتعليمها الجامعي، وسعيها للعمل خارج المنزل.
وعلى ضوء ذلك تشدد الأمم المتحدة على حكومات الدول بأن تعمل على توحيد الجهود للقضاء على تلك الظاهرة الحميدة والتي يعتبرونها خبيثة.
وفي سبيل قضاء الأمم المتحدة على الزواج المبكر نجد أن هناك مسارين بارزين تستخدمهما لتحقيق هذا الهدف:

الأول: منها هو سن القوانين التي تكفل رفع سن الزواج كما جاء في المادة 274 من وثيقة مؤتمر بكين 1995 -والذي تعد مقرراته بمثابة دستور لأدعياء حقوق المرأة- والتي نصت على ضرورة سن القوانين المتعلقة بالحد القانوني الأدنى لسن الرشد، والحد الأدنى لسن الزواج وإنفاذ تلك القوانين بصرامة، ورفع الحد الأدنى لسن الزواج عند الاقتضاء" ويلاحظ هنا أن الأمم المتحدة تفرق بين سن الرشد وسن الزواج وهى جزئية لا تمر هكذا في الفقه الإسلامي فهناك فرق فقهي معلوم بين سن الرشد والذي يستحق اليتيم فيه حقه المالي، وبين الزواج الذي لا حرج في إتمامه بعد سن البلوغ.

الطريق الثاني: هو استخدام التعليم للحد من الزواج المبكر حيث تنص المادة 275 من وثيقة بكين على "توليد الدعم الاجتماعي من جانب الحكومات والمنظمات غير الحكومية لإنفاذ القوانين المتعلقة بالحد الأدنى لسن الزواج من خلال إتاحة الفرص التعليمية أمام البنات".
الآباء وصناعة العنوسة:

يشارك بعض الآباء في تأخير سن الزواج للأبناء ووقوعهم فريسة لأزمة العنوسة؛ وحجج الآباء في كثير من الأحيان واهية، فمرد معظمها إلى الكبر في ناحية البنات ليتحقق وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتنة والفساد الكبير، وربما شارك الآباء في صناعة العنوسة من حيث لا يشعرون بالمبالغة في مستلزمات الزواج والمهور وغير ذلك مما يعجز الشباب عن توفيره مما يجعل الهروب من الزواج أسهلا الحلول المطروحة.
وأما عن الشباب فمرد التسويف غالباً ما يكون إلى قلة ذات اليد والعجز عن توفير الحد المقبول "مجتمعيا" للحياة المناسبة وتأسيس بيت والقدرة على الإنفاق على أسرة في وقت يعجز فيه الشباب أحيانا عن الإنفاق على أنفسهم تحت سطوة ظروف مادية صعبة تعيشها معظم المجتمعات المسلمة، مما يجعل من فكرة الزواج المبكر حلماً بعيد المنال لبعض الشباب، وأمنية يصعب تحقيقها لدى الغالبية منهم.
العوانس وصناعة العنوسة :

قد يكون أحياناً المتأخر في سن الزواج هو اللاعب الرئيس في الحالة التي وصل إليها من عنوسة؛ فنادراً ما نجد فتاة تأخر زواجها إلا وقد تقدم لها يوماً ما عريس مناسب تتوافر فيه كافة شروط السنة في الزوج الكفء، أو بعضها مما يقام على مثله حياة أسرية مقبولة، ولكنها ترفض بحجج تسويفية غرورة، تتخفي في " صناعة الذات" من تعليم ووظيفة أو كِبر، وجميعها مبني على الجهل وقصر النظر وضعف الإيمان.
ومن ناحية الشباب نجد أن من يتخوف من  تلك الخطوة إنما يضعف لديه اليقين في الرزق، متناسياً أن بالزواج تفتح أبواب الرزق، وبالتماسه يتحقق الغني بإذن الله.
إشكالية التعليم وتأخير الزواج :

يلتبس عند البعض أمر التعليم والزواج، وأن التعليم مقدم على الزواج، وبالتالي فإن الزواج ينبغي أن يأتي بعد الانتهاء من التعليم؛ فهل هذه النظرة صحيحة شرعاً؟

يقول الشيخ الفوزان عن التعليم " ...إنما هو أمر مكمل لا يفوت به الزواج الذي فيه المصالح العظيمة والمنافع الكثيرة مع أنه يمكن الجمع بين الأمرين، بأن يحصل الزواج و تواصل الدراسة، أما إذا تعارض الزواج مع الدراسة، فيجب أن يتم تقديم الزواج، لأن تفويته فيه أضرار بالغة بخلاف تفويت التعليم فإنه لا يترتب عليه كبير ضرر"

كما أن الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله آخ
ر شيخ للإسلام في الدولة العثمانية، يقول بعد استقراره بمصر في كتابه قولي في المرأة "مما يعين على التعفف عدم تصعيب النكاح بتحديد سن الزواج وإرجاء النكاح إلى ما بعد بلوغ الجنسين ببضع سنين" ويذهب إلى أنه "لا داعي لأن يمنع التعليم الشباب من الجنسين عن الزواج وذلك للعفة، خاصة أثناء مرحلة التعليم العليا، لذا يجب أن نألف التعليم مع الزواج للمحافظة على عفة المتعلمين "

هذا الكلام قاله الشيخ في بداية القرن العشرين، فماذا كان سيقول لو اطلع على حال امتنا الآن خاصة وأن حال التعليم المدني المختلط الذي يقدمه الشباب على الزواج يندى له الجبين ؟

إننا بحاجة ماسة إلى إعادة إحياء سنة  الزواج المبكر داخل المجتمع وهذا أمر مجتمعي قبل أن يكون سلطوي، والزمام الأكبر في أيدي الآباء بتيسيرهم سبل الزواج للبنين والبنات متلازمين، وكذلك الأبناء بقبول الأمر والسعي إليه، حتى لا يقعوا آجلاً في براثن أزمة العنوسة الموحشة. 

لواء الشريعة 


العنوسة أزمة تجتاح المرأة العربية 

بعيدًا عن الصحف العلمانية والمؤتمرات الغربية التي تطالعنا ليل نهار عن المرأة وحقوقها ومشكلاتها، فإن هناك الكثير من الحقوق المغيبة للمرأة لا تتحدث عنها تلك الأبواق، ومشكلات تكتوي المرأة بها كل يوم لكن لا عين تلك المنظمات وصحفها لم ترها أو تسمع عنها، وتعد ظاهرة العنوسة التي تجتاح مجتمعاتنا من أبرز تلك المشكلات، فمن حق المرأة أن يكون له بيتًا تنعم فيه بالأمن والطمأنينة، وأن تشبع رغبة الأمومة في وجدانها، ولكن مع عظم تلك الظاهرة وآثارها السلبية على المرأة والمجتمع فإنها لم تأخذ حقها من الحديث كما أخذت مثلا قضية الزواج المبكر، مع إن عدد النساء اللاتي يعانين من مشكلة العنوسة أضعاف أضعاف الفتيات اللاتي تعرضن للزواج المبكر. ما جعلنا نحاول أن نرصد تلك الأزمة فنعرض المشكلة ونتلمس لها الحلول.
الموضوع شيق ومتميز وهنالك تقرير حجم الظاهرة في بعض البلدان العربية مثل السعودية ومصر وسوريا والجزائر والكويت , كما يشمل أسباب العنوسة وقد حصرها الكاتب بخمسة أسباب رئيسية , ويشمل التقرير أثر الظاهرة على المجنمع , وسبل حل هذه المشكلة

1. حجم الظاهرة:

نستطيع أن نقول إن مشكلة العنوسة ظاهرة تعاني منها معظم إن لم يكن كل الدول العربية والإسلامية، وتفجأنا الإحصائيات بأرقام مرعبة لم نكن نتوقعها، فقد أشارت دراسة أعدتها وزارة التخطيط السعودية إلى أن عدد الفتيات اللواتي لم يتزوجن، حيث بلغن سن الزواج بلغ عددهن 1.529.418 فتاة، واحتلت مدينة مكة المكرمة النسبة الكبرى بوجود 396248 فتاة، ثم منطقة الرياض بوجود327427 فتاة، وفي المنطقة الشرقية 228093 فتاة، ثم منطقة عسير بوجود 130812 فتاة، تليها المدينة المنورة بـ95542 فتاة، ثم جازان 84845 فتاة، ثم منطقة القصيم 74209 فتيات، ثم الجوف 5219 فتاة، وحائل 43275 فتاة، ثم تبوك 36689 فتاة، وكشفت الدراسة أن عدد الفتيات المتزوجات في السعودية بلغ مليونين و638 ألفا و574 امرأة، من مجموع عدد الإناث البالغ أربعة ملايين و572 ألفا و231 أنثى، كما أن هناك ما بين عشر وخمس عشرة حالة زواج لسعوديين من إندونيسيات شهريا، وتبلغ أحيانا 25 زيجة، حيث يعمل معظمهن كخادمات في المنازل. ويتضح من ذلك ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع السعودي إلى أكثر من مليون ونصف المليون فتاة عانس في المملكة.

ـ وفي مصر كشفت دراسة رسمية أعدها الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع نسبة غير المتزوجين بين الشباب المصري إلى 37%، وأن عدد الشبان والشابات العوانس – الذين تجاوزوا الخامسة والثلاثين من دون زواج – وصل إلى أكثر من 9 ملايين نسمة من تعداد السكان البالغ 64 مليون نسمة، بينهم 3 ملايين و773 فتاة وقرابة 6 ملايين شاب غير متزوج.
كما كشفت الدراسة عن أن عدد المطلقين والمطلقات بلغ 364 ألفا و361 مصريا ومصرية، وأن عدد عقود الزواج التي تم إبرامها رسميا في مصر عام 1999 بلغ 520 ألفًا بنسبة 8.2% من السكان، مقابل 405 آلاف عقد زواج في عام 1990، أي بزيادة قرابة 115 ألف عقد زواج، في حين بلغت عقود الطلاق التي تم استخراجها عام 1999 نحو74 ألف حالة بنسبة 1.2% مقابل 67 ألف شهادة عام 1990.

ـ وفي سوريا تكشف الأرقام الرسمية المنشورة أن أكثر من 50 في المائة من الشبان السوريين الذين وصلوا إلى سن الزواج عازفون عن الزواج – أو عجزوا عنه – بسبب عدم قدرتهم المادية على ذلك وعدم توفر المسكن الملائم للزواج، ووفقا لأرقام المجموعة الإحصائية السورية لعام 1995 فإن 82.4% من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 20 و24 عاما لم يتزوجن أبدا، و60% من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 25 و29 عاما لم يتزوجن أبدا أيضا، بينما بلغت نسبة اللاتي تخطين 34 عاما دون زواج 37.2%، ووصلت نسبة اللاتي تجاوزن 39 عاما دون زواج إلى 21.3%، وهو ما يعني أن أكثر من نصف النساء غير متزوجات.

ـ وفي الجزائر كشفت الأرقام الرسمية التي أعلنها الديوان الجزائري للإحصاء أن أكثر من51 بالمائة من نساء الجزائر الذين بلغوا سن الإنجاب يواجهن خطر العنوسة، وأن هناك أربعة ملايين فتاة لم يتزوجن رغم تجاوزهن الرابعة والثلاثين عاما، موضحا أن عدد العزاب بالجزائر تخطى 18 مليونا من عدد السكان البالغ 30 مليون نسمة، وأن نسبة المطلقات بلغت 36.9%.

وفي الكويت بلغت نسبة العنوسة بين الفتيات الكويتيات ت 30% حسب بعض الإحصاءات الرسمية: لأن الشباب الكويتي بدأ يتأخر في الإقدام علي الزواج، بسبب الأعباء الاقتصادية الباهظة التي تترتب عليه.

ـ وفي الإمارات، لا تزال مشكلة العنوسة تفرض نفسها بقوة، فقد كُشفت إحصائية حديثة أجراها صندوق الزواج الإماراتي عن أن معدلات الطلاق بين الإماراتيين في إمارة أبو ظبي انخفضت عام 1999م إلى 5ر16% مقابل 52% قبل عشرة أعوام، حيث بلغ عدد حالات الطلاق عام 99 نحو 138 حالة مقابل 810 زيجات، بينما وصلت حالات الطلاق عام 91 إلى 283 حالة مقابل 544 حالة زواج.

2. أسباب العنوسة:

1. دراسة المرأة وطمـــوحها العلمــــــي: فالكثير من الفتيات وأسرهن يرفضن الزواج بحجة الانتهاء من الدراسة أو التعليم أولاً، وعندما تمتد سنوات العمر بالفتاة وهي تدرس تجد نفسها في النهاية قد حصلت على الشهادة بيد أن قطار الزواج قد فاتها، وأحيانًا ترفض الفتاة الزواج حتى تحصل على الماجستير والدكتوراه، وعندما تحصل عليهما تتغير شروطها في زوج المستقبل، فيبدأ مسلسل الرفض حتى يفوتها قطار الزواج.. وبينما كانت الفتاة التي حصلت على قسط بسيط من التعليم في الماضي تحلم بأن تصبح زوجة وربة بيت، وتدرك أن الزواج سنة الله في أرضه، فإنها الآن أصبحت تعيش حالة صراع الأدوار، بعد أن أصبحت لا تفكر في دورها التقليدي فقط كزوجة وأم، بل أيضا في دورها كامرأة عاملة تخشى أن تتزوج من رجل يستولي على راتبها، بينما هي من وجهة نظرها تستطيع الاستغناء عن الزوج لأنها لا تحتاجه اقتصاديا.
كما أدى التفاوت الكبير في المستوى التعليمي بين كثير من الشاب و الفتاة، إلى إحجام الشباب عن الفتاة المتعلمة خوفاً من تعاليها عليه، وأحيانًا ترفض هي الاقتران بمن هو أقل منها خوفاً من اضطهاده لها والتعامل معها بعنف ليقتل فيها إحساسها بالتميز و التفوق.
ويذكر الباحث في علم المواريث والمأذون الشرعي أحمد المعبي أن في السعودية نسبة عنوسة كبيرة، والسبب في رأيه هو انتشار الحضارة، فقبل خمسين سنة لم تكن هناك تعقيدات في الزواج بالصورة التي نراها الآن.
ويضيف أن تعليم الفتاة من قبل لم يكن كما هو الحال الآن، حيث تمر الفتاة في عدد من المراحل الدراسية حتى التعليم العالي، وبذلك نجد الفتاة وصلت لسن 27 سنة، معتبرًا أن من أسباب العنوسة مواصلة الفتاة للتعليم. وشدد المعبي على ضرورة كسر هذه القيود والعمل على تزويج الفتيات، حتى إذا كانت الفتاة تتعلم، فلا مانع من أن تتزوج وتكمل دراستها.

2. العادات الاجتماعية والمغالاة في المهور: تلعب العادات الاجتماعية والقبلية دوراً بارزًا بين أسباب تفشي ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا العربية، بزعم الحفاظ على الأنساب وتقويتها وتدعيمها وصيانتها من الاندثار، وعلى رأسها ألا تتزوج القبلية من الحضري ولا الشريفة من غير الأشراف، وألا تتزوج الغنية إلا من غني، ومن بين تلك العادات أيضا مغالاة بعض أولياء الأمور في المهور و التكاليف المصاحبة للزواج، ما أدى إلى إحجام كثير من الشباب عن التقدم باتجاه تلك الخطوة لضعف الإمكانيات.
ومن بين هذه العادات أيضا إصرار الأب أو الأم على ألا تتزوج الفتاة الصغيرة قبل الكبيرة، أو أن ابنتهما مازلت صغيره على الزواج.
كما أن بعض الشباب المقبل على الزواج قد يجنح إلى المظهرية والمبالغة في نفقات الزواج وإقامة حفلات الزفاف ما يؤدي إلى تأخره في التقدم إلى الخطبة أو الزواج.

3ـ انتشار الإعلام الفاضح: فقد راح أغلب الشباب يستمد من فتيات الإعلام الفاضح مواصفات عروسه، وبخاصة بعد أن أفسدت القنوات التلفزيونية والمجلات الشباب وجعلته لا يصلح لإقامة أسرة أو فتح بيت، ورسخت في وجدانه أن الجمال لا يتوافر إلا في أصحاب الشعر الأشقر والعينان الزرقاوان.

4. الزواج من الأجنبيات: ويأتي ارتفاع ظاهرة الزواج من أجنبيات ليشكل بعدًا آخر من أبعاد مشكلة العنوسة، وبخاصة في دول الخليج العربي، أضف إلى ذلك بعض العوامل التي ساعدت على استمرار تفاقم هذه الظاهرة، إذ بدأت هذه الظاهرة تغزو أغلب المجتمعات العربية بكثافة شديدة، لدرجة أن دراسة صادرة عن وزارة الداخلية السعودية قد طالبت بمنع زواج الشبان السعوديين من أجنبيات بعد أن بلغ عدد الزوجات الأجنبيات اللاتي حصلن على الجنسية السعودية خلال السنوات الخمس الأخيرة نحو تسعة آلاف زوجة، مشددة على أن تفشي هذه الظاهرة يؤثر سلباً على الأطفال وعلى استقرار الأسرة في حالة حدوث خلاف أو طلاق.. بينما كشفت دراسة أخرى لوزارة العدل المصرية عن أن هناك اتجاهاً يسود بين الشباب المصريين للارتباط بزوجات من روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية.

5. انتشار الأفكار والمناهج الغربية : أدى انتشار المفاهيم والأفكار الغربية إلى تفاقم مشكلة الزواج والعنوسة في المجتمعات العربية والإسلامية عن طريق عدد من العوامل:
ـ التنفير من مؤسسة الزواج: من أهم الوسائل التي قام بها الغرب لتدمير أمتنا محاولة هدم الأسرة، فتم التركيز على التنفير من مؤسسة الزواج وتشويه صورة الزوجة ربة البيت والدعوة لتحرير المرأة من كل قيد حتى الأسرة. ومحاربة التعدد والهجوم على الدين بكل الصور. تقول إحداهن وقد تشبعت بتلك الأفكار الغربية : "أنا عانس لأنني لم أعثر بعد على شريك حياتي، أما الزوج، بمفهومه السلطوي، فهو موجود بكثرة، لكنني أبحث عن شريك حياة يقدر اهتماماتي ويفهمني، وهذا لم أعثر عليه بعد".
ويعتبر محللون أن هذا ما هو إلا نتيجة للتحولات الاجتماعية الناجمة عن التأثر الغربي، وضعف الوازع الديني، وهو ما يجعل علاقة الجنسين ممكنة خارج شرعية مؤسسة الزوجية، دون التزامات ولا مسؤولية، ولو أن هذا الرأي "الموضة" تتنكر له العصريات "المستغربات" بعد أن يتقدمن في السن إذ لا يصح إلا الصحيح.
ـ إتاحة العلاقات العاطفية والجنسية خارج إطار الزواج: وذلك مما يجعل نسبة غير قليلة من الشباب يستسهل الحصول على الإشباع العاطفي وربما الجنسي دون مسئوليات أو أعباء، وهذا هو العامل الأهم في المجتمعات الغربية، ولكنه بدأ يزحف على مجتمعاتنا العربية نظرا للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي سهلت وتساهلت مع العلاقات بين الجنسين بدون ضوابط كافية
ـ ويجسد تأثر العديد من الفتيات بالقيم الغربية الوافدة، مثل عدم التزامهن بالاحتشام في ملابسهن ومجاراة الغرب في سلوكهن والاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة والعمل والأسواق، وانتشار ظاهرة ما يسمى بالصداقة بين الجنسين، والسفور المنتشر بين الإناث، سببا آخر من أسباب تفشي ظاهرة العنوسة، لأنه غالبا ما ينفر الكثير من الشباب من الاقتران بها، ذلك أن المجتمع يحترم الفتاة المحترمة، والشاب عندما يفكر في الزواج لن يفكر إلا فيمن سوف تحمل اسمه فيما بعد وفيمن تستحق من وجهة نظره هذا الاسم.
ـ اهتزاز صفات الرجولة والأنوثة : فقد تميعت صفات الرجولة لدى الذكور مما جعل كثيرا من الفتيات ينظرن حولهن فلا يجدن رجلا بمعنى الكلمة يوفر لهن الحب والرعاية والاحتواء فيفضلن العيش وحدهن بعيدا عن التورط مع زوج يعيش عالة عليها أو يطمع في مالها أو يقهرها، كما اكتسبت الكثير من الفتيات بعض صفات الخشونة و"الاسترجال" مما جعل الشباب من الذكور ينظرون إليهن بتوجس وحذر ويخشى أن تستقوي عليه أو تنازعه القيادة في الحياة الأسرية، فلم تعد الأنوثة مرادفة للرقة والحنان في كل الفتيات خاصة من تجاوزن سن الزواج.

3. ظاهرة العنوسة وآثارها على المرأة والمجتمع:

تتعد أخطار وآثار انتشار العنوسة في مجتمعاتنا ما بين آثار مجتمعية يعاني منها المجتمع بأسره وأخرى تكتوي بها المرأة وحدها.

فعلى الصعيد المجتمعي: فإن تفشي ظاهرة العنوسة أظهر أنواعًا أخرى من العلاقات غير المشروعة والمحرمة، مثل الزواج العرفي، وزواج المتعة، وغيرها من العلاقات التي تهز بنية المجتمع وتقوض الأسرة. ولعل من أبرز وأخطر الآثار التي تنتجها العنوسة هو زيادة الانحلال الخلقي وما يتبعه من مشكلات لإثبات بنوة المواليد من زواج عرفي وزنا.. ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية ارتفاع معدلات الزواج العرفي بين طلبة الجامعات، فقد أكدت دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر وجود أكثر من 15000 دعوى لإثبات بنوة المواليد من زواج عرفي أو زنا، والزيادة المطردة في أعداد اللقطاء الذين يعثر عليهم أمام المساجد أو المساكن أو في صناديق القمامة، وعودة ظاهرة قتل المواليد من سفاح، فضلا عن تفشى الانحلال في المدن الكبرى..
ـ كما تساهم الظاهرة في تغير التركيبة السكانية للمجتمع وخلق فجوة بين الأجيال، فيصبح المجتمع مكوناً من أطفال و كهول أو شباب دون أطفال ثم شباب دون أطفال.

ـ أما على صعيد المرأة: فإنه من الضروري أن نشير إلى أن الانحلال الخلقي والزواج العرفي ليس الطريق الحتمي لهروب الفتاة العانس من دوامات القلق والخوف والاكتئاب، فمن البدهي أن ذلك يرتبط في نهاية المطاف بمدى تدينها وبثقافتها وإيمانها، بالإضافة إلى طبيعة شخصيتها بالقطع، فإذا كانت الفتاة ذات إيمان ضعيف فإن الانحلال والزواج العرفي يكونان أقصر وأسهل الطرق التي ترتمي الفتاة في أحضانها وتسلم لها قيادها.. أما إذا كانت الفتاة تتمتع بقوة إيمان وعلاقة قوية مع ربها فإنها تنأى بنفسها عن ذلك، ولكنها في الوقت نفسه قد تضطر ـ رغبة في التخلص من شبح العنوسة ـ إلى القبول بأي زوج يتقدم إليها، حتى لو كان اختيارها اختيارا غير متكافئ ( تشير إحصائيات وزارة العدل المصرية ـ مثلا ـ إلى زواج نحو 200 ألف فتاة مصرية من أثرياء أجانب كبار السن )، وهو ما يفضي في النهاية إلى طلاق مؤلم، سواء أكان طلاقا محسوسا أو معنويا.. وكم من زوجات وأزواج يجمعهما بيت واحد إلا أنهما منفصلان نفسيا ومعنويا!!
أما أخطر الآثار النفسية لهذه الظاهرة هو شعور المرأة بألم نفسي نتيجة الاشتياق لعاطفة الأمومة أو لإشباع الرغبة الجنسية.

4. آراء العلماء لحل مشكلة العنوسة

ـ تقوية الإيمان:
ترى الدكتورة ابتسام العنبري الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية في كلية التربية للبنات بجدة أن تغليب الجانب الإيماني الروحي لدى الشاب والفتاة، بنشر الوعي والعمل في تحقيق العصمة من الحرام بالدعاء والرضا بالقضاء والقدر الذي كتبه الله للعبد، وأن تعي المرأة الدور الحقيقي لها، فهي أم بالفطرة، ولن يعيقها الزواج عن إتمام دراستها أو إيجاد العمل المناسب، فالفرصة الجيدة قد لا تتكرر، ولا بد للشاب بالذات أن يقف وقفة حقيقية مع نفسه ليعرف مؤهلاته ومواصفاته، الأمر الذي سيسهم إلى حد كبير في التخفيف من غلوائه وشروطه التي يتطلبها في شريكة حياته، وطالبت العنبري بوضع قوانين تسهل زواج السعوديات من غير السعوديين، وتضمن لهن حقوقهن، وخاصة في حال الطلاق، وأهمها التجنيس المباشر للأطفال.

ـ تيسير تكاليف الزواج:

كما أكدت العنبري ضرورة التيسير في تكاليف الزواج والابتعاد عن ارتفاع المهور التي تكون سببا في عضل الفتاة عن الزواج، فيشترط مهر المثل، وهذا المتعارف عليه، فالإسلام حث على الاعتدال والوسطية في كل شيء، ومن ذلك المهور، ويراعي الحرص على الخلق والدين قبل المال عند اختيار الزوج المناسب،

ـ جمعيات لمساعدة المقبلين على الزواج:

كم طالب اختصاصيون اجتماعيون بوجود آليات وفق الضوابط الشرعية لتعرف الشباب على الفتيات بغرض الزواج، مشيرين إلى أن آليات المعرفة بالزوجة المناسبة في ظل التوسع العمراني أصبحت معدومة، كما طالبوا بإحياء عادة خطبة الوالد لابنته، وبحثه عن الزوج المناسب لابنته لتسهيل الزواج والقضاء على العنوسة.
ومن تلك النماذج جمعية البر بالمنطقة الشرقية بالمملكة السعودية حيث أطلقت مشروعها لتيسير الزواج عن طريق تقديم المساعدات المادية والقروض للشباب المقبل على الزواج وإحياء مبدأ التكافل الاجتماعي بين المسلمين، وتقديم المساعدات العينية مثل الأثاث الجديد أو المستعمل الذي يقدمه المتبرعون ومحبو الخير، بالإضافة إلى توسط إدارة المشروع لدى المتبرعين من أهل الخير لتوفير مكان مناسب لإقامة حفل الزواج بسعر تشجيعي، أو الحصول على تخفيضات في أسعار الأثاث والتجهيزات.
ونموذج آخر في الكويت حيث قام مجموعة من رجال الأعمال ومسئولي الجمعيات الأهلية والخيرية بتأسيس صندوق للزواج يبلغ رأس ماله خمسة ملايين دينار، تزيد مستقبلاً لتصل إلى 10ملايين دينار( أكثر من30 مليون دولار)، بهدف التوفيق بين الراغبين من الجنسين في الزواج، وتقديم القروض المالية بدون فوائد وعلى أقساط قليلة ومريحة.
وقد أعلنت اللجنة التأسيسية للصندوق أنها ستسعى للحصول على موافقة الجهات المختصة لتخصيص وقف دائم لدعم رأسمال الصندوق، إضافة إلى القروض الحسنة التي يقدمها أهل الخير وبعض الشركات لهذا الغرض، والتبرعات المالية من الجهات الحكومية، بالإضافة إلى مبالغ مالية سنوية من زكاه الأفراد والمؤسسات والشركات المختلفة في المجتمع الكويتي ومساعده الفنادق ورجال الأعمال وبعض المؤسسات.

محاربة المفاهيم الغربية:

ومن المهم أيضًا أن نعي أن تربية النشأ على المفاهيم الإسلامية الصحيحة يؤثر إلى حد كبير من انتشار تلك الأمراض المجتمعية التي تفتك بنا، فالنبت في بيت أبيها لا بد أن تعلم أن دورها كزوجة وأم، لا يعدله أي دور آخر، وأن كأم تؤدي دورًا كبيرًا في تنمية مجتمعها أهم وأخطر بكثير من التي تخرج لتعمل ساعات من الدوام خارج بيتها تاركة أولادها وزجها نهبًا للخدمات ووسائل الإعلام الهدامة.

تعدد الزوجات:

وتأتي الدعوة لتعدد الزوجات لتشكل حلا آخر من حلول مشكلة العنوسة، ومن ثم لم يكن غريبًا أن يؤكد مفتي عام المملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ أن تعدد الزوجات أمر شرعه الله لصالح المجتمع، وأن على المرأة أن تقبل أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة باعتبار ذلك خيراً من العنوسة.. مضيفا أن زواج المرأة من رجل ذي دين وكفاءة وخلق ومعه زوجة أخرى لا عيب ولا نقص فيه، وأن التعدد أمر مشروع ومن يشكك فيه فهو ضال.
ورغم أن هذا التعدد أمر شرعي صحيح، إلا أن فكرة التعدد هذه مازالت تلقى معارضة شديدة في المجتمعات العربية "..
ورغم أن الإسلام قد شرع صراحة مبدأ تعدد الزوجات شريطة العدل بينهن، في محاولة مبكرة منه للقضاء على مشكلة العنوسة، بيد أن الواقع في مجتمعاتنا العربية يكشف بوضوح أن الزواج من الثانية محرم اجتماعيا بسبب النظرة الاجتماعية الخاطئة لمن تزوج على زوجته، وتوهمهم أن هناك عيبا فيمن تزوج عليها زوجها، كما أن الزوجة قد تكون قريبة للزوج ولا تسمح وأهلها بزواجه من أخرى، بالإضافة إلى الاحتجاج بالنفقة وقلة الدخل مع أن مصروف أسرة واحدة في أغلب الدول العربية قد يفوق ما ينفق على عشر أسر في بعض البلاد الإسلامية الأخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق