الاثنين، 12 سبتمبر، 2011

خلاصة كتاب أوربا والإسلام " تاريخ من سوء التفاهم " للمؤرخ الإيطالي "فرانكو كارديني"


«أوروبا والإسلام.. تاريخ من سوء التفاهم».. هذا هو الاسم الذي اختاره المؤرخ الإيطالي «فرانكو كارديني» (أستاذ تاريخ العصور الوسطى في جامعة فلورنسا بإيطاليا, وجامعات ‘باريس، وبواتييه، وبرشلونة، وعمان، والقدس’) لكتابه الذي صدر أخيرًا عن دار شرقيات بالقاهرة، في طبعته العربية الأولى، وقام بترجمته عن الإيطالية الدكتور عماد البغدادي (رئيس قسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن في جامعة عين شمس المصرية).
يرصد الكتاب أهم العوامل التي أدت من وجهة نظر فرانكو كارديني إلى نوع من العداء بين الأوروبيين والإسلام، وأهمها سوء التفاهم أو المعلومات المغلوطة التي ترسبت في الثقافة الأوروبية العامة عن الإسلام.
يأتي الكتاب، بحسب ما ورد في تمهيد الطبعة الأولى لجاك لو جوف، مدير سلسلة تاريخ أوروبا، ضمن سلسلة «اصنع أوروبا» التي نشأت بمبادرة من خمسة ناشرين من لغات ومناطق مختلفة من «ميونخ» و«أكسفورد» و«برشلونة» و«روما» و«باريس»، وهي سلسلة تحاول الإجابة عن أسئلة جوهرية لدى الأوروبيين: «من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟». ويوضح لو جوف في تمهيده «أن أوروبا تبني نفسها، وهو أمل كبير سوف يتحقق فقط إذا أخذنا التاريخ في الحسبان، فأوروبا بلا تاريخ ستكون يتيمة وبائسة، لأن اليوم ينحدر من الأمس والغد هو مستقبل الماضي».
والهدف من الكتاب، كما يقول كاتبه، هو أن نتتبع بإيجاز المسيرة التي قطعتها أوروبا للاتصال بالإسلام، والطرق والأسباب التي تم بها هذا، والعلمية التاريخية التي تطورت بموجبها العلاقات، وتعدد المظاهر والمفاهيم وأشكال الحكم المسبق وتشويه المعلومات والمعلومات المضادة التي أثرت على رؤية الطرف الأول (أوروبا) للطرف الثاني (الإسلام).
ويحدد كارديني الإسلام الذي يتحدث عنه بالإسلام البحر أوسطي، أي الدول الإسلامية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وذلك نظرًا لواقع العملية التاريخية التي يعرض لها، لأن الأوروبيين سارعوا بالتواصل معها، واستمروا في ذلك دومًا، كما أن المؤلف يرى أن الإسلام ليس واقعًا متجانسًا على الإطلاق، بل توجد أنواع من الإسلام، كما توجد أنواع من المسيحية، على وعي بالوحدة العميقة التي تربط أمة جميع المؤمنين، ولكنها تطورت في الوقت نفسه عبر التاريخ إلى أشكال متعددة وطبقًا لخصائص مختلفة.
الإسلام عدو محتمل
يكتب المؤلف في البداية تحت عنوان "نبي وثلاث قارات"، مشيرًا إلى أن المقارنة بين أوروبا والإسلام ما زال يُنظر إليها على أنها مواصلة للصدام بين المسيحية والإسلام، رغم أن الحداثة الغربية كان أبرز نتائجها العلمنة والفصل بين أوروبا والمسيحية، إلا أن معظم الأوروبيين ينظرون بقلق للحركات الإسلامية التي تنتشر بشكل متزايد ويتم تسميتها خطأً بالأصولية، وهو ما يترك ميلًا شائعًا لدى الأوروبيين لاعتبار الإسلام عدوًا محتملًا.
ويلفت المؤلف الانتباه إلى عدم تناسق العنوان "أوروبا والإسلام"، موضحًا أن "المقارنة هنا ليس لها معنى، لأنها قائمة بين مكان أو حيز جغرافي هو أوروبا وبين ديانة هي الإسلام، والخلط الشائع بين أوروبا والمسيحية وبين الدين الإسلامي والأراضي التي تضم معتنقيه هو الذي أوجد هذه الثنائية غير الواقعية أو العلمية". في حين أن التناقض بين أوروبا وآسيا في إطار الصراع بين الغرب والشرق ـ بحسب تعبيره ـ كان موجودًا منذ زمن بعيد يتجاوز التوتر بين أوروبا والإسلام.
إلا أن هذا التوتر الحديث نسبيًّا يرجعه البعض إلى حقبة الحملات الصليبية أو حقبة الهيمنة التركية العثمانية على شرق حوض البحر المتوسط ومنطقة البلقان، ومن قبل فتح المسلمين لشمال إفريقيا وشبه الجزيرة الأيبيرية التي عرفت فيما بعد بالأندلس، وانطلاقًا من ذلك وطبقًا للمؤلف فإنه "إذا تم البحث عن مشكلة: "كيف ومتى" ولد الضمير الحديث لأوروبا والهوية الأوروبية؟ سندرك إلى أي مدى كان الإسلام ـ وربما بالسلب ـ من بين العوامل التي ساعدت أوروبا على أن تحدد نفسها".
وأشار المؤلف إلى أن ما أسماه "الاعتداء الإسلامي" المتكرر على أوروبا ـ بين القرنين السابع والعاشر، وبعد ذلك بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر ـ كان بمثابة "مولد عنيف لأوروبا"، لأنه أجبر القارة على الدفاع عن نفسها والبحث عن طرق وأساليب للقيام بعمل موحد فدفعها أيضًا للنظر إلى المستقبل، لأن تحدد نفسها بصورة أفضل أمام نفسها وأمام الآخر".
وأشار المؤلف أيضًا إلى أن أوروبا كانت تمثل المسيحية ـ على الأقل من وجهة نظر مؤرخي العصور الوسطى ـ وأي شخص مقيم في أوروبا في تلك الفترة كان ينظر إليه على أنه أجنبي أو غازٍ، بينما الإسلام في الوقت نفسه لم يكن مجرد ديانة، بل يحمل بين طياته نظامًا اجتماعيًّا عامًا زاخرًا بالقواعد والأحكام والقوانين التي يقترب بعضها في وقتنا الحالي مما يسمى بالقانون الدستوري.
وانتقل هذا النظام إلى أوروبا عبر التجارة والغزو الجزئي، كما انتقلت أيضًا العلوم والاختراعات والفنون الشرقية والكتب المترجمة عن حكماء أوروبا القدامى أو المؤلفة بواسطة علماء المسلمين أو الشرقيين، بكل ما فيها من فنون وسحر جذب اهتمام التنويريين الأوروبيين خاصة كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي كان له مفعول السحر على العقول والمخيلة الأوروبية، إلا أن الحروب التي دارت بين الممالك الأوروبية والمسلمين خاصة الحروب الصليبية والأندلس والغزو التركي لشرق أوروبا جعل الانطباع العام الراسخ في الثقافة الأوروبية عن العرب والمسلمين أنهم "غزاة متوحشون".
لفترة طويلة ظلت مفردة "مسلم" مرتبطة في الضمير الجمعي الأوروبي بمفردة "تركي"، ومن هذا المنطلق تعامل كبار فلاسفة ومفكري عصر التنوير في أوروبا ومنهم "فولتير" و"جان جاك روسو" و"ديدرو" مع الإسلام، وإن كان البعض منهم تراجع عن مواقفه الأولى واستعان بالقيم الرفيعة التي أعلى الإسلام من شأنها مثل قيمة التسامح لينتصروا له بنظرة موضوعية غير متأثرة بالاجتياح التركي أو تلك التي خلفتها الحروب الصليبية.
كما يرى المؤلف أيضًا أنه كان من الممكن لحالات اعتناق الإسلام لجماعات عرقية غفيرة من الأتراك المغول بين القرنين التاسع والعاشر ـ والتي زادت من رقعة دار الإسلام في آسيا الوسطى ـ أن ترسم، بطريقة مختلفة، التاريخ الديني للقارة الأوروبية الآسيوية الكبيرة، والتأثير في الوقت نفسه على العلاقات بين أوروبا والإسلام، وذلك لو أن فرصًا أخرى لأسلمة الشعوب الهند-أوربية والتركية المغولية قد انتُهزت.
ويرى كارديني أن البناء الخاص للأمة المسلمة وعدم وجود مؤسسات دينية وأدوار أسقفية داخلها ـ مثل الإبراهيمية ـ أحد الأسباب التي أدت إلى سلسلة من الفرص الضائعة، وربما كانت هناك أعراق أخرى قريبة من السلاجقة والكاراخانيديين مستعدة لقبول الديانة القرآنية.
وعلى هذا فإن المؤلف يؤكد على أن هناك دليلًا إضافيًا على أن التاريخ لا يمكن فقط، بل يجب أن نتخيله بصيغة الشرط، مع كل كلمات "إن" و"لكن" الممكنة: هكذا فقط يمكن أن يُظهر وزنًا للأحداث الفعلية بكل واقعها المثقل بالنتائج، كبديل عن طرح تلك الاحتمالات التي استبعدتها مع ذلك لعبة العلاقة بين رغبة الأفراد والجماعات، وقيود الماضي والبيئة، وأخيرًا الظروف الطارئة التي لا يمكن تقديرها.
ترجمة القرآن الكريم
ويشير المؤلف إلى أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي على يد روبرتو دي كيتون, ويوضح أنها أعدت على ما يبدو من خلال الترجمة من العربية إلى العبرية إلى القشتالية ثم اللاتينية, وعلى الرغم من أنها كانت مضطربة ومليئة بالثغرات وغير مكتملة, فإنها كانت مهمة، حتى إنها بقيت أساسية في القرون الأربعة التالية.
ويقول المؤلف: إن شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس) هي الأم الحقيقية للتجديد العلمي للغرب, ولنشر واحدة من أعظم الدعائم المادية فيه, وهي صناعة الورق التي نقلها المسلمون عن الصين, حيث بنيت مصانع لإنتاج الورق في طليطلة في القرن العاشر الميلادي.
لقد أصبح الاتصال بالثقافة العربية والإسلامية أكثر عمقًا في تلك الفترة, نتيجة للتطور الكبير في الاقتصاد والتجارة, وبدأت حركة ترجمة واسعة لكتب الجغرافيا والرياضيات والطب والفلك والصيدلة والأدب والفلسفة وغيرها.
ورغم ذلك ظل العداء "للاستعراب" قائمًا بقوة, وخلال القرن الرابع عشر زادت هذه المواقف المعادية للعرب المسلمين عمقًا, حتى أصبحت أحد المكونات الأساسية للحركة الإنسانية الوليدة.
ومع ظهور المطبعة على يد يوحنا جوتنبرج في القرن السادس عشر, انتشرت كتابات تتحدث عن الإسلام بصورة سيئة للغاية, حيث كانت تقدمه بصورة غير صحيحة, أو تكيل له السباب, وحتى ذلك الحين كان الإسلام قد عرف المسيحية أفضل مما عرفته المسيحية, ولكن الاهتمام الذي أثاره تقدم المسلمين الأتراك في أوروبا, مع تزايد عدد التجار والرحالة الأوروبيين إلى أرض الإسلام, بدأ يغير هذا الواقع بالتدريج.
ويواصل المؤلف سرده لأحداث الغزوات والحروب والمعارك والانتصارات والانكسارات بين المسلمين والأوروبيين, التي تركت الكثير من الأفكار السيئة عن الإسلام, والخرافات التي انتشرت عبر الملاحم والحكايات الشعبية.
ولكن مع ظهور عصر النهضة وانتشار الفكر والعقلانية, أدركت أوروبا أن الإسلام نجح في مزج الكثير من الشعوب المختلفة جدًا, فهؤلاء الناس يرتدون ألف نوع من الثياب ويتحدثون ألف لغة, ولكنهم يصلون لله في نفس ساعات الليل والنهار, متجهين نحو نقطة واحدة من الأرض, وهم يتلون الصيغ نفسها باللغة نفسها، حتى ولو كانت منطوقة بتنوع كبير من النبرات والأصوات.
وإذا كانت أوروبا التنوير تتجه نحو تحديد العقل والطبيعة والسعادة, فإن الإسلام كان يبدو كظل محمل بالنور الباهر والصمت الغامض, فهو دين سماوي يتجاوز العقل, ولكن خرجت منه مجموعة من أروع الفلاسفة في تاريخ البشرية, ومع ذلك يجب أن لا ننسى أن الإسلام أثار الرعب طويلًا في أوروبا.
ويصل المؤلف إلى نهاية القرن الثامن عشر وانطلاق حملة نابليون بونابرت إلى مصر والمنطقة العربية في ظل ضعف الدولة العثمانية, ثم الاحتلال البريطاني لمصر والفرنسي لسوريا والجزائر وتونس, ووقوع العالم العربي تحت سيطرة الغرب, وظهور المشكلة اليهودية في فلسطين بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر.
ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تدهورت الظروف المعيشية لليهود الشرقيين, خاصة في روسيا, وهو ما أدى إلى نزوح حقيقي, حيث اختار الكثيرون الولايات المتحدة, واستقر آخرون في أوروبا وخاصة في فرنسا, ولكن ما يقرب من 30 ألفًا منهم فضلوا التوجه إلى فلسطين عام 1882 تقريبًا.
وبين عامي 1889 و1895 جمعت جمعية أصدقاء صهيون لاستيطان المستعمرين في فلسطين مبالغ طائلة، وفي عام 1896 ظهر كتاب تيودور هيرتزل عن الصهيونية, لكنها كانت قائمة على العلمانية وليس على الدين.
ويشير المؤلف إلى أن الدبلوماسية البريطانية حققت ثلاثة أهداف لا يمكن التوفيق بينها, وهي: إثارة العرب ضد الأتراك بالوعد بوطن عربي كبير متّحد ومستقل, وإبعاد اليهود الصهاينة, الذين كانوا في معظمهم من أصل ألماني عن قضية القوى المحورية في الحرب العالمية الأولى, وتلبية الاحتياجات الحزبية للحركة الصهيونية, التي لم تعد تكتفي بأي أرض لشعب بلا أرض, ولكنها كانت تريد بالذات تلك الأرض, والهدف هو إبعاد أو تخفيف التعاطف الصهيوني مع ألمانيا.
ويرى المؤلف أن القضية العربية الإسرائيلية, خلال الثلاثين سنة الأخيرة, ومع غروب أوروبا بوصفها قوة عالمية خصوصًا بعد عام 1989, إضافة إلى ظهور نظام عالمي جديد يتميز بوجود قوة عظمى وحيدة, هي الولايات المتحدة الأمريكية، كل هذا أثر بصورة قوية وغير بعمق -سلبًا- العلاقات بين أوروبا والإسلام.
لقد اهتزت بعمق الثقة التي كانت لدى العديد من الدوائر الإسلامية تجاه الغرب, في أعقاب الهزيمة العربية أمام إسرائيل عام 1967, وبالتالي في إمكانية "عولمة " الإسلام.
ويؤكد كارديني أن المسلمين بعد الاستيلاء على القدس كانوا عازمين بقوة على احترام اليهود والمسيحيين، لأنهم كـ "أهل الكتاب" كان من حقهم الإبقاء على عبادتهم، حتى وإن كان ذلك مع بعض التحديدات، ومن القرن السابع وحتى أوائل القرن الحادي عشر عاشت القدس فعليًا في سلام: واستمر الحجاج المسيحيون في التدفق دون إزعاج إلى أماكنهم المقدسة ـ كما تشهد على ذلك الكثير من تقارير الرحلات المكتوبة باللغة اللاتينية ـ بينما كان الموقف يتجه لتقسيم المدينة إلى أحياء، وكان مرتبًا بحيث يسكن المؤمنون؛ كلٌ بالقرب من أماكنه المقدسة.
وبالتالي فقد استقر المسيحيون اليونانيون ـ وأيضًا الغربيون الذين يبدو أنهم في بناء نزل الحجاج الخاصة بهم هناك من القرن التاسع ـ في الشمال الغربي، واستقر الأرمن والجورجيون في الجنوب الشرقي، نحو جبل صهيون، وخاصة حول كنيستهم الكبيرة والجميلة والمقدسة، كنيسة سان جاكامو، وتجمع اليهود على العكس من ذلك في المنطقة الجنوبية، بين المسيحيين الشرقيين والحائط الغربي المحيط بالمعبد، وهذا هو التقسيم الديني المتبع للمدينة ـ باستثناء فترة الاحتلال الصليبي بين عامي 1096 و1187 ـ على الرغم من العديد من الصراعات، على الأقل حتى الحروب العربية الإسرائيلية في 1948 ـ 1967.
ويؤكد كارديني أن القدس ظلت تحتفظ بدور أساسي في تطورات المعرفة المتبادلة والاتصالات الودية أو غيرها بين أوروبا والإسلام، نظرًا للأهمية الخاصة التي كانت لها في العالم المسيحي وطابعها الرمزي والروحي الذي كان يجعل منها مركزًا لا يمكن استبداله والألفة التي تزايدت في العالم المسيحي إزاءها بفضل رحلات الحجاج.
ويرى كارديني أن الحملة الصليبية كانت واحدة وعدة حملات في نفس الوقت، ولا يمكن أن تفهم إلا من خلال ديناميكيتها الداخلية، وهي تعرف تشريعًا متماسكًا وصارمًا، ولكنه يقوم على مجموعة من الحالات المختلفة فيما بينها إذا تحدثنا عن الظواهر المتغيرة سواء في الأهداف المختلفة التي تطرح في كل مرة، أو في الزمان والسياق الذي تتقرر فيه، وهي واقع متغير الأشكال، وأشبه بحوت أبيض داخل المسيحية: فهي أداة قضائية سياسية وفكرة ـ قوة، ومصدر لا ينفد من الاستعارات، وأسطورة، وموضوع لا ينتهي من التمجيدات والإدانات، والمجادلات وسوء التفاهم القادر على أن يطرح نفسه من جديد في مواقف مختلفة.
ويقول كارديني: إننا ننظر للوهلة الأولى حائرين أمام صورة الإسلام التي تظهر من النصوص التي تصف المسلمين في علاقتهم بالحملة الصليبية الأولى أو في أعقابها: ليس فقط نصوص الوقائع، التي هي بخيلة في الوقت نفسه بالأخبار في هذا الشأن، ولكن النصوص الملحمية بصفة خاصة، ولا يجب أن ننسى أنها كتبت أو جمعت على أي حال في منطقة معظمها أو كلها علمانية، وتتضمن على أي حال رسالة دعائية موجهة للعلمانيين الأميين.
والمعرفة التي كانت عند الأوروبيين الغربيين في القرن الحادي عشر عن الإسلام كانت قليلة ومختلطة ومليئة بالثغرات: ولكنها موضع تأمل منظم يدير ويستخدم مضامينها تبعًا للبيئات والأهداف التي كانت موجهة لها.
ويضيف كارديني أن لوثر يرى أن الأتراك (المسلمين) والكاثوليك كانوا مرتبطين بأوجه شبه على الصعيد الديني: فعلى سبيل المثال، كلاهما كان يعتقد أن الله يمكن أن يغيث الأتقياء فقط، وليس الخاطئين، والتقريب بين نظرية التبرير من خلال الأعمال والديانة الإسلامية يمكن أن يبدو غريبًا على الأقل، ولكن النقطة هي أن المسلمين مثل الباب لا يمكنهم الصعود للأب من خلال المسيح لأن الفريق الأول لا يعترف بطبيعته الإلهية، ولأن الآخر خان رسالته.
ويكمل كارديني أن من الأسباب التي أثرت في نظرة الغرب للإسلام نظرة سيئة مشاركة جوتنبرج مبكرًا في نشر الثقافة الإسلامية، وليس معنى هذا أنه كانت تنشر نصوص إسلامية: ليس على الفور، على الأقل، ولكنها كانت كتابات تتحدث عن الإسلام، على الرغم من أنها كانت تتحدث عنه بصورة سيئة للغاية "سواء لأنها كانت تقدمه بصورة غير صحيحة أو لأنها كانت تكيل له السباب"، هذا ما كان يحدث. وحتى ذلك الحين، كان الإسلام قد عرف المسيحية أفضل مما عرفته المسيحية: ولكن الاهتمام الذي أثاره التقدم التركي في أوروبا مع تزايد عدد التجار والرحالة الأوروبيين إلى أرض الإسلام، كان يغير الآن بالتدرج من توازنه، وفي حين كان المثقفون المسلمون لا يهتمون كثيرًا بتعميق معرفتهم بالمسيحية، كان يحدث العكس بين المسيحيين.
أوروبا حائرة ومبهمة
إن أوروبا لم تعد محورًا للعالم سياسيًّا, وهي قوة عظمى ماليًا واقتصاديًّا, لكنها لا تمتلك حتى الآن مؤسسات موحدة, ولا تزال غير قادرة على التعبير عن سياسة دولية وخط دبلوماسي مستقل إزاء "الحليف" الأمريكي, وبالتالي تبدو اليوم حائرة ومبهمة أمام حكومات وشعوب دار الإسلام.
ويبدو -كما يرى المؤلف - أن علاقاتها مع الولايات المتحدة تؤثر على حريتها واستقلاليتها سواء في العمل أو في الحكم تجاه دول مثل إيران والعراق وليبيا, في حين أن الرأي العام فيها لا يزال بعيدًا جدًّا عن الحقائق, ونادرًا ما يتأثر بالحركات الدينية والثقافية في العالم الإسلامي, حيث تبدو إزاءه التمييزات المجردة بين "علمانيين" و"متطرفين" أو صفات أخرى غير دقيقة.
والمعلومات الهزيلة والرديئة المستوى التي تظهر, وفيرة من خلال الممارسة المتكررة لوسائل الإعلام, وتقترن ببقاء أحكام مسبقة قديمة مع تجددها بصورة مضحكة, لمنع الوصول إلى رؤية هادئة ومرنة للأشياء بصورة واقعية, فيما يتعلق بالإسلام.
ويشير الكاتب في نهاية مؤلفه إلى ازدياد نمو الجماعات المسلمة في أوروبا في السنوات الأخيرة, سواء من خلال الهجرة أو انتشار الإسلام نفسه, وهذه الجماعات وسعت من حدود دار الإسلام, بيد أن عليها أن تتعامل مع أوروبا, التي هي بدورها في مرحلة إعادة تعريف حساسة لنفسها, وهي قوية ولكنها غير متجانسة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي, ولم تتميز بعد بالوضوح في مجال خياراتها السياسية.
وهي حائرة كذلك على صعيد الهوية الثقافية, وفي كل الأحوال يتزايد في أوروبا يومًا بعد يوم المواطنون والمقيمون الذين يتبعون منهج الإسلام.
يستعرض الكتاب كذلك كل الفترات الصعبة التي مرت على علاقة أوروبا بالإسلام، وصولًا إلى الفترة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين وحتى وعد بلفور وقيام الدولة العبرية في فلسطين.
ومن ثم يمثل، الكتاب دراسة موضوعية مهمة تتتبع مسار العلاقة بين أوروبا والإسلام، تحليلًا ونقدًا مع استعراض لكل الآراء التي ناقشت هذه القضية من قبل، سواء في العصور الوسطى أو عصر التنوير أو العصر الحديث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق