الأحد، 4 سبتمبر، 2011

خلاصة كتاب المرأة في فكر الكواكبي

المرأة في فكر الكواكبي
 
المرأة في فكر الكواكبي


تمهيـــــــد:
ربما كان بالإمكان اعتبار موقف أي مفكر من المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع أحد أهم المؤشرات التي تعكس مستوى استنارة ذلك المفكر وتقدميته، ومدى قدرة المشروع الفكري الذي يطرحه على النهوض الفعلي بالمجتمع، انطلاقاً من حقيقة أن أي مشروع نهضوي جدي لا يمكن أن يجد طريقه إلى التحقق الفعلي ما لم يسند إلى المرأة المكانة التي تستحقها والأدوار التي يمكن أن تقوم بها في عملية بناء مداميك ذلك المشروع. 
في هذه القراءة التحليلية لموضوعة المرأة في فكر الكواكبي، محاولة لتسليط الضوء على الموقف الذي اتخذه الكواكبي من المرأة، وطبيعة المكانة والأدوار التي كان يجدها خليقة بتقلدها ولعبها، ومحاولة لتقييم ما إذا كان ذلك الموقف متقدماً على المواقف النمطية التي كانت سائدة في المجتمع العربي في عصر الكواكبي إزاء المرأة ومتمايزاً عنها، أم أنه كان يدور ضمن حدود فلكها، مع بعض الاهتمام بإبراز الخلفيات الذاتية والموضوعية التي وقفت وراء تحديد موقف صاحب طبائع الاستبداد من المرأة. وفي سياق ذلك، ستتوقف الورقة عند النصوص الكواكبية ـ نسبة إلى الكواكبي ـ التي تناولت المرأة في سائر أعماله ـ وهي ليست بالكثيرة على أية حال ـ محللين تلك النصوص في إطار الغاية المعرفية التي تنهد الورقة إلى تحقيقها.
المرأة في الحياة الخاصة للكواكبي:
كثيرة هي الإشارات التي تؤكد أن علاقة حميمة متميزة قوامها الحب والمودة والاحترام كانت تجمع الكواكبي بقريباته النساء، وربما كان ذلك يعزى، بهذه الدرجة أو تلك، إلى القيم المبكرة التي غرستها فيه خالته (صفية) التي تولت تربيته وتعليمه في أنطاكية بعد رحيل أمه ولم يكد يتجاوز السادسة من عمره. وفيما يبدو، تركت تلك السيدة المتعلمة المثقفة بصماتها واضحة على نفسية الطفل الذي كانه الكواكبي، فجعلته يعامل المرأة في حياته العملية معاملة احترام وتوقير، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على موقفه الفكري من المرأة، كما سيتبدى لنا لاحقاً!
لقد كانت تجمع الكواكبي بزوجته (فاطمة) علاقة حب شديدة، وصفت من جانب إحدى سيدات العائلة بأنها علاقة "حب بين عاشقين"(1). بل إن نبأ الرحيل المفاجئ والمبكر للكواكبي كان مدعاة لاعتلال سريع في صحة زوجته التي انفطر فؤادها حزناً عليه بينما كانت تعد العدة للالتحاق به هي وأولادهما إلى القاهرة. ومن علائم العلاقة الاستثنائية بين الزوجين التي أسهمت شخصية الكواكبي الودودة في نسج خيوطها فرح (فاطمة) عندما أحست بدنو أجلها وقرب لحاقها به إلى العالم الآخر؛ إذ قالت لأولادها في أحد الأيام مستبشرة فرحة وهي على سرير المرض: "جاءتني البشرى فسأنضم إلى أبيكم بسرعة وقد اقترب موتي، حيث رأيته في نومي يقول لي تعالي لعندي فأنا سعيد جداً هنا"(2). بل إنها أوصت لفرط حبها له أن يتم دفنها في قبر أمه كيما تشم رائحته من عظام أمه(3).
ويظهر الود الذي يكنه الكواكبي لزوجته وبناته ولا يتردد في الإفصاح عنه بصورة واضحة في رسالة يرسلها لولده (أسعد) أثناء زيارته لإسطنبول(4)، حيث يقول عن زوجته: "إذا هي نسيتنا فنحن لا ننساها، ولا تخرج من فكرنا لا في النهار ولا في الليل..."(5)،  وينهي رسالته لولده بقوله: "وحافظوا على توصياتنا لكم، خصوصاً من جهة كسب رضاء ودعاء والدتكم ومداراة وملاطفة خواتكم..."(6).
وفي حادثة طريفة تبرز متانة العلاقة بين الكواكبي وبناته وحميميتها ووصولها إلى مستوى غير مألوف من التواصل الودود في تلك الفترة الزمنية التي حفلت بمظاهر التشدد في العلاقات الاجتماعية بوجه عام، نجده يرتدي ثوباً بدائياً غير متقن التفصيل من صنع ابنته (عفيفة) التي لم تكن قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها حينئذ، وعندما تطلب منه زوجته أن يخلعه فوراً لسوء حياكته، يصر على الاستمرار في ارتدائه قائلاً: " لن أخلع شيئاً خاطته لي ابنتي، وسأظل أفخر به"، لينتهي الجدال بأن تسمح له زوجته بارتدائه في البيت فقط، دون الظهور به أمام الغرباء(7).
إلا أن العلاقة الدافئة المميزة بين الكواكبي وقريباته من النسوة لم تحل دون تبنيه نظرة غريبة إلى طبيعة المرأة، يغلب عليها الطابع السلبي، وتشي بقدر غير قليل من الارتباك والالتباس في فكر الرجل وتأثره بما اختزنته الثقافة الشعبية من شوائب تنتقص من مكانة المرأة وتنسب إليها بعض الصفات الحاطة لمكانتها مقارنة بالرجل.
 طبيعة المرأة عند الكواكبي:
ظلت طبيعة المرأة وما إذا كانت مختلفة عن طبيعة الرجل محط الجدال في كثير من مجتمعات الدنيا على امتداد عمر البشرية. وعلى الرغم من أن الإسلام قد جاء ليؤكد وحدة الجنسين وانبعاثهما من نفس واحدة بحيث يتساويان مساواة كاملة في كرامتهما الإنسانية، إلا أن الثقافات الشعبية في كثير من المجتمعات، كما هي الحال في المجتمع العربي، ظلت تنتقص من قدر المرأة وتجعل من طبيعة شقيقها الرجل الأنموذج المثالي الذي يتم الاحتكام إليه كمعيار أساسي في تحديد ما هو محبذ من خصائص وسمات ينبغي أن تنسحب أيضاً  عليها؛ حتى تكون أهلاً لوصفها بالسواء والطبيعية والاكتمال!. ويبدو أن مفكرنا الكواكبي لم يسلم من التأثر بمكونات تلك الثقافة الشعبية المتغلغلة عميقاً في ثنايا الوعي العربي على الرغم من ثقافته الدينية الواسعة ورحابة أفقه الإنساني، فنجده مثلاً يعزو عدم أهلية كثير من سلاطين بني عثمان للحكم إلى جملة من الأسباب منها: قضاء معظم أوقاتهم قبل تقلدهم الحكم وبعده في معاشرة السراري والجواري والإماء؛ ما أفضى إلى أن تتغلب "على طباعهم خصائص النساء، من شدة الحلم، وسلامة الصدر، والميل إلى المشاحنة، والغلو في الزينة الظاهرية، والاعتماد في تكريم الناس على شرف المنتسبين إليهم.. إلى غير ذلك من صفاتهن"(8). وبغض النظر عما إذا كان الكواكبي يعتبر أن تلك الخصائص مكونات أصيلة ثابتة أم مكتسبة متحولة في طبيعة المرأة، فإن خطابه السالف يضمر شكلاً من أشكال النظرة الدونية إلى المرأة، وذلك بدعوى حيازتها خصائص تنزع عمن يحملها الجدارة لتقلد مراكز الحكم!
وحول طبيعة المرأة أيضاً مقارنة بطبيعة الرجل، يواصل الكواكبي تنظيراته بصورة اعتسافية قد لا يسندها أساس علمي موضوعي، مستمداً من الثقافة الشعبية بعض مقولاتها الشائهة التي تصور المرأة كائناً مراوغاً ومحتالاً ومسكوناً بالدهاء، فيقول في فقرة عجيبة غريبة كأنها تستحضر كيد النساء ومكرهن في رواية من روايات ألف ليلة وليلة: "إن الرجال ميالون بالطبع إلى زوجاتهم، والمرأة أقدر مطلقاً من الرجل في ميدان التجاذب للأخلاق، ولا يتوهم عكس ذلك إلا من استحكم فيه تغرير زوجته له بأنها ضعيفة مسكينة مسخرة لإرادته، حال كون حقيقة الأمر أنها قابضة على زمامه تسوقه كيف شاءت، وبتعبير آخر يغرّه أنه أمامها وهي تتبعه، فيظن أنه قائد لها، والحقيقة التي يراها كل الناس من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه بصفة سائق لا تابع(9).
وفي أطروحة طافحة بالسخرية اللاذعة يضرب صاحب طبائع الاستبداد ـ مع الأسف الشديد ـ بعيداً في بيداء التجني على المرأة والتحامل عليها والاستبداد بها، زاعماً أن استبدادها بالرجل هو من ضمن مقدمات "تتعلق نتائجها بالاستبداد الاجتماعي المحمي بقلاع الاستبداد السياسي"(10)، فنجده يقول: "إن البشر المقدر مجموعهم بألف وخمسمائة مليون نصفهم كَلّ على النصف الآخر، ويشكل أكثرية هذا النصف الكَلّ نساء المدن. ومَن النساء؟ النساء هن النوع الذي عرف مقامه في الطبيعة بأنه هو الحافظ لبقاء الجنس، وأنه يكفي للألف منه ملقح واحد، وأن باقي الذكور حظهم أن يساقوا للمخاطر والمشاق أو هم يستحقون ما يستحقه ذكر النحل، وبهذا النظر اقتسمت النساء مع الذكور أعمال الحياة قسمة ضيزى؛ وتحكمن بسن قانون عام به جعلن نصيبهن هين الأشغال بدعوى الضعف، وجعلن نوعهن مطلوباً عزيزاً بإيهام العفة، وجعلن الشجاعة والكرم سيئتين فيهن محمدتين في الرجال، وجعلن نوعهن يُهين ولا يهان ويَظلم أو يظلم فيعان؛ وعلى هذا القانون يربين البنات والبنين، ويتلاعبن بعقول الرجال كما يشأن حتى أنهن جعلن الذكور يتوهمون أنهن أجمل منهم صورة. والحاصل أنه قد أصاب من سمّاهن بالنصف المضر! ومن المشاهد أن ضرر النساء بالرجال يترقى مع الحضارة والمدنية على نسبة الترقي المضاعف. فالبدوية تشارك الرجل مناصفة في الأعمال والثمرات فتعيش كما يعيش، والحضرية تسلب الرجل لأجل معيشتها وزينتها اثنين من ثلاث وتعينه في أعمال البيت، والمدنية تسلب ثلاثة من أربعة وتود أن لا تخرج من الفراش، وهكذا تترقى بنات العواصم في أسر الرجال. وما أصدق بالمدنية الحاضرة في أوروبا أن تسمى المدنية النسائية لأن الرجال فيها صاروا أنعاماً للنساء"(11).
على الرغم من طرافة فكرة الكواكبي حول تقسيم العمل القائم بين الرجال والنساء، وتصويره تلك الفكرة بقالب هزلي تهكمي، إلا أن من الواضح أن الرجل يقلب حقائق التاريخ وينسفها معيداً كتابتها بطريقة ربما لم يسبقه أحد إليه! فهو يجعل من إجبار المرأة على الانكفاء في بيتها وإفناء شبابها وصحتها في أعمال منزلية مرهقة ومملة ومغلقة للأفق، وفي مناكفة الأبناء واحتمال مشاكساتهم، دون أن تنال من التقدير أو الأجر الحد الأدنى الذي يتناسب مع ضخامة أعبائها، يجعل من كل ذلك امتيازاً تحايلت المرأة من أجل خداع الرجل والاستئثار به! متناسياً أن الرجل هو الذي قام بسنّ ذلك القانون المجحف بحق المرأة وفرضه عليها بذريعة الحفاظ على الشرف. ولو وجد أن ذلك القانون يضر بمصالحه وامتيازاته، وهو صاحب الأمر والنهي في واقع الأمر، لسارع إلى نقضه وتبديله، وهذا ما يجرى فعلاً في أيامنا، فبعد أن اكتشف الرجل أن بالإمكان تطوير ذلك القانون ليزيد من مكاسبه ويخفف من التزاماته، عمد إلى تطويع القانون بحيث أجبر المرأة على الخروج من البيت للعمل المأجور خارجه، ضارباً الصفح عن مزاعمه القديمة بشأن الشرف التليد، دون أن يجعل المرأة في حل من شيء من التزاماتها المنزلية المألوفة، لتصبح المسكينة خادمة في البيت وخارجه!
ومما يثير الاستغراب والدهشة أن الكواكبي، وهو العالم الفقيه المتضلع في أمور الدين، لا يكتفي بطروحاته الظالمة تلك بخصوص طبيعة المرأة، بل إنه أيضاً يقحم الشريعة نفسها في عملية إثبات صحة أفكاره دون توافر ما يسوغ ذلك من أدلة شرعية، إن لم تتعارض  تلك الأفكار مع الأدلة الشرعية ذاتها! فهو فيعزو بعض أوامر الشريعة المتعلقة بالمرأة إلى وعي الشرع بدهاء المرأة  قبل أي شيء آخر! قائلاً: "وما قدّر دهاء النساء مثل الشريعة الإسلامية، حيث أمرت بالحجب والحجر الشرعيين حصراً لسلطتهن وتفرغهن لتدبير المنزل، فأمرت باحتجابهن احتجاباً محدوداً بعدم إبداء الزينة للرجال الأجانب، وعدم الاجتماع بهم في خلوة أو لغير لزوم. وأمرت باستقرارهن في البيوت إلا لحاجة. ولا شك أنه ما وراء هذه الحدود إلا فتح باب الفجور، وما هذا التحديد إلا مرحمة بالرجال وتوزيعاً لوظائف الحياة"(12).
بكل تأكيد، لا يمكن أن تكون الشريعة الإسلامية قد انطلقت في ذهابها إلى وجوب ستر المرأة وتقييد اختلاطها غير المبرر مع الأغراب من أرضية افتراض الدهاء في المرأة، ففي هذا حكم سلبي جائر لا يمكن للشريعة السمحة أن تتورط بإطلاقه على النساء، هؤلاء اللواتي كرمهن الله جل جلاله ككل ولد آدم بقوله عز من قائل: "ولقد كرمنا بني آدم..."(13)، وأكد عدم اختلافهن في الأصل عن أشقائهن الذكور بقوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(14)، وشدد على عدم التفريق بينهن وبين الرجال في الحساب فقال جل ثناؤه: "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً"(15).
ويستمر الكواكبي وبما يستثير المزيد من الدهشة في مسلسل تحامله على المرأة، محاولاً إضفاء مسحة دينية على أفكاره لمنحها بعض الشرعية فيقول: " وقد أمرت الشريعة برعاية الكفاءة في الزوج، وذلك أيضاً مرحمة بالرجال. وأكثر الأئمة المجتهدين أغفلوا لزوم تحري الكفاءة في جانب المرأة للرجل، وأوجبوا أن يكون هو فقط كفؤاً لها كي لا تهلكه بفخارها وتحكمها. على أن لرعاية الكفاءة في المرأة للرجل أيضاً موجبات عائلية مهمة، منها: التخير للاستسلام والتخير لتربية النسل، وللتساهل في ذلك دخل عظيم في انحلال الأخلاق في المدن، لأن التزوج بمجهولات الأصول أو الأخلاق، أو بسافلات الطباع والعادات، أو بالغريبات جنساً أو الرقيقات، مفاسد شتى. لأن الرجل ينجر طوعاً أو كرهاً لأخلاق زوجته، فإن كانت سافلة يتسفل لا محالة، وإن كانت غريبة بغّضته في أهله وقومه، وجرّته إلى موالاة قومها والتخلق بأخلاقهم. ولا شك أن هذه المفسدة تستحكم في الأولاد أكثر من الأزواج"(16).
في الوقت الذي نتفق فيه مع الكواكبي فيما ذهب إليه من القول بأهمية أخذ مسألة الكفاءة في المرأة للرجل بعين الاعتبار، إلا أننا نجد في خطابه تشدداً مبالغاً به وجمعاً غير مستساغ بين فئات من النساء يصعب الجمع بينهن، فهو يضع "سافلات الطباع والعادات" في سلة واحدة مع "الغريبات جنساً أو الرقيقات"، معتبراً أن في الزواج منهن جميعهن "مفاسد شتى"، وفي هذا ما فيه من مجافاة الحق والابتعاد عن الصواب؛ فلقد تزوج الرسول الكريم (محمد) عليه الصلاة والسلام الذي يجسد لمعاشر المسلمين أسوة حسنة بنص القرآن الكريم(17) من (صفية بنت حيي بن أخطب) ابنة أحد ألد أعداء المسلمين من اليهود، كما اقترن بـ (مارية القبطية) التي أهداها إليه (النجاشي) ملك الحبشة، فلم تكونا سبباً في تبغيضه عليه السلام في أهله وقومه، أو جره ـ وحاشاه أن ينقاد إلى ذلك ـ إلى موالاة قوميهما والتخلق بأخلاقهم!
نرجح أن من الممكن فهم ما تظهره بعض نصوص الكواكبي من نقمة على النساء بوجه عام، و"الغريبات جنساً أو الرقيقات" بوجه خاص، ومساواة هؤلاء الأخيرات بالنساء "سافلات الطباع والعادات" بالافتراض أن الكواكبي كان يعاني من حقد دفين كامن، ربما في اللاشعور عنده، تجاه الدور الخطير الذي لعبته الجواري والإماء من "الغريبات جنساً" في التاريخ الإسلامي على صعيد إضعاف الكثير من ممالك الحكم العربي والإسهام في إخضاعها إلى حكم عناصر غير عربية. متذكرين هنا أن الكواكبي هو سليل أسرة ملكية عريقة هي الأسرة الصفوية العربية التي حكمت إيران حيناً من الدهر ودافعت عنها ضد الأتراك العثمانيين! وفي هذا السياق، لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا أن الكواكبي يمارس آلية من آليات الدفاع النفسي، فكأنه يطعن في الدولة العثمانية نفسها عبر طعنه في النساء "الغريبات جنساً"، وبخاصة أنه يعدّ انقياد خلفاء تلك الدولة لأهواء جواريهم سبباً رئيساً في انحطاط أوضاع الدولة وغرقها في الظلم والاستبداد. فهو يقول في هذا الصدد مشدداً ومتوسعاً فيما أورده في مقام آخر: " وربما كان أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء من المسلمين أتاهم من جهة الأمهات والزوجات السافلات، إذ كيف يرجى من امرأة نشأت سافلة رقيقة ذليلة أن تترك بعلها، وهو في الغالب أطوع لها من خلخالها، أن يجيب داعي  شهامة أو مروءة؟ أو أن تغرس في رؤوس صبيتها أميالاً سامية، أو تحمسهم على أعمال خطرة؟ كلا لا تفعل ذلك أبداً. إنما تفعله الشريفات اللاتي تجدن في أنفسهن عزة وشهامة، وهذا هو سر أن أعاظم الرجال لا يوجدون غالباً إلا من أبناء وبعول نسوة شريفات أو بيوت قروية. وهذا هو سبب حرص أمراء العرب والإفرنج على شرف الزوجات"(18).
تحت مظلة كراهيته العميقة للنساء الأجنبيات "الغريبات جنساًَ" اللواتي أسهمت مؤامرات بعضهن في الإطاحة بحكم بعض الأسر العربية في العالم الإسلامي أو تغلــيب عناصـر غير عربيـة أو مختلطـة على تلك الأسر، وانحيازه المبالغ به للعرب(19)؛ نجد الكواكبي يلوي عنق الحقيقة في خطابه السابق، متجاهلاً وقائع التاريخ لإثبات صحة وجهة نظره، فقد عرف التاريخ الإسلامي عدداً من الخلفاء والأمراء البارزين الذين لعبوا أدوراً مهمة في التاريخ الإسلامي، على الرغم من انتماء أمهاتهم إلى أصول غير عربية، كالخليفة المأمون، والخليفة المعتصم، والخليفة المهتدي على سبيل المثال. بل إن أجزاء من العالم الإسلامي قد حكمت في بعض الفترات من جانب أمراء لا ينتمون على الإطلاق إلى العنصر العربي إثنياً، غير أنهم استطاعوا تسجيل أسمائهم بحروف من ذهب في الصفحات المجيدة لحضارتنا العربية الإسلامية، مثل نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس ...الخ، هؤلاء القادة الذين ما يزال لسان التاريخ يلهج بالثناء على مآثرهم  وأياديهم البيضاء التي قدموها للإسلام والعروبة.
وضمن هذا المدار التحليلي، ومع ملاحظة التحيز السافر من الكواكبي للعرب وتعريضه، ولو غير المباشر، بالعناصر غير العربية، واهتمامه الكبير بقيام خلافة إسلامية يتزعمها العرب، ربما كان بالإمكان القول إنها لم تكن صدفة أبداً أن يعتبر الباحث المتعمق في دراسة فكر الكواكبي (محمد جمال الطحان) أن الرجل هو "واحد من أهم مفكرينا القوميين المتنورين الإسلاميين في القرن الماضي"(20)، إن لم يكن وفق تحليل باحث آخر صاحب ما قد يمكن عدّها "أول دعوة فكرية وسياسية عربية شاملة قومية صريحة ومنظمة..."(21).
وفي نص آخر للكواكبي، نشتم رائحة مباركة ضمنية للحجر على المرأة وتكبيل حرياتها، فهو يقول بما يمكن فهمه ضرباً من ضروب الإعجاب بممارسة صينية قديمة: "والصينيون، وهم أقدم البشر مدنية، التزموا تصغير أرجل البنات بالضغط عليها لأجل أن يعسر عليهن المشي والسعي في إفساد الحياة الشريفة. ذاك الشرف الذي هو من أهم مقاصد الشرقيين، بخلاف الغربيين الذين لا يهمهم غير التوسع في الماديات والملذات"(22). 
ناهيك عن المغالطة التعميمية التي يقع فيها الكواكبي بوصف الغربيين بأنهم لا يكترثون إلا بالتوسع في الماديات والملذات مقارنة بالشرقيين الذين يضعون الشرف في مقدمة أولوياتهم، فإنه يقع في مصيدة التغني بفكرة تقليدية شائهة ما تزال حاضرة في مجتمعنا العربي، تختزل بدورها مفهوم الشرف ضمن حدود بالغة الضيق قد لا تتجاوز حدود الأنثى، وربما حدود الجسد الأنثوي على وجه التحديد، جاعلة من شرف المرأة وحده دون شرف الرجل رمزاً لشرف الجماعة ومعياراً له، مع ما يرتبط بهذا ويترتب عنه من تقييد حريات المرأة وفرض الوصاية عليها وتعريضها إلى كثير من صور الوأد الرمزي المعنوي والمادي الحقيقي!
وعلى الرغم من رجعية تلك النظرة التي تتواطأ مع بعض شوائب الموروث الثقافي للنل من مكانة المرأة ونعتها بما ليس فيها من صفات قد تنطبق على كثير من الرجال، إلا أن الكواكبي يعود ليدافع عن نظرة تقدمية محمودة فيما يتعلق بمسألة تعليم المرأة، وهو ما يعكس قدراً من الضبابية وعدم الانسجام، وربما التضارب، في مكونات النظرة الكلية التي يحملها الكواكبي تجاه المرأة: طبيعةً ومكانةً وأدواراً.
تعليم المرأة عند الكواكبي:
يسجل للكواكبي حماسه الكبير في دعوته إلى تعليم المرأة، فهو يعد عدم تعليمها سبباً من أسباب انحلال الأخلاق المتفشي في المجتمع، داحضاً وببرهان منطقي متماسك ادعاءات الذين يزعمون أن تعليم المرأة حقيق بالنيل من عفتها، إذ يقول: " إن لانحلال أخلاقنا سبباً مهماً آخر يتعلق بالنساء، وهو تركهن جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا، حيث كان يوجد في نسائنا كأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي أخذنا عنها نصف علوم ديننا؛ وكمئات من الصحابيات والتابعيات راويات الحديث والمتفقهات، فضلاً عن ألوف من العالمات والشاعرات اللاتي في وجودهن في العهد الأول بدون إنكار، حجة دامغة ترغم أنف غيرة الذين يزعمون أن جهل النساء أحفظ لعفتهن؛ فضلاً عن أنه لا يقوم لهم برهان على ما يتوهمون، حتى يصح الحكم بأن العلم يدعو للفجور وأن الجهل يدعو للعفة؛ نعم ربما كانت العالمة أقدر على الفجور من الجاهلة، ولكن الجاهلة أجسر عليه من العالمة. ثم إن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني عن البيان..."(23).
هذا، ولا تقتصر آثار عدم الاهتمام بتعليم المرأة عند الكواكبي على المستوى الأخلاقي فحسب، بل إنها تمتد لتطال نظام الحكم نفسه أيضاً؛ فهو يعتبر أن "ترك الاعتناء بتعليم النساء" أحد الأمراض القديمة التي لازمت إدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها وأسهمت في إيصالها إلى مستنقع الاستبداد الذي تتخبط فيه(24).
ويبدو أن إيمان الكواكبي بأهمية التعليم للمرأة قد حدا به إلى الاهتمام بتعليم بناته اهتماماً قد لا يقل درجة عن اهتمامه بتعليم أبنائه الذكور؛ ففي رسالة موجهة إلى ولديه (أسعد و رشيد) أرسلها إليهما أثناء تجواله في عدد من بلدان شرقي إفريقيا نجده يقول: "لاحظوا مسألة أحمد ومكتبه (أي مدرسته)، وكذلك نظيرة وفاضل (وهؤلاء هم أولاده الصغار)..."(25).
بالإضافة إلى تربيته على يد امرأة متعلمة مثقفة هي خالته (صفية)، ووقوفه على منابع الثقافة الإسلامية المستنيرة التي تحث على تعليم البنات، واطلاعه على أحوال الأمم الغربية التي تعنى بتدريس الإناث، ربما يمكن القول إن عناية الكواكبي بتعليم بناته قد تعمقت بتأثير من الصخب الذي شهده الوطن العربي حول قضية تعليم المرأة، ذلك الصخب الذي ترددت أصداؤه في نفوس الكثير من المفكرين العرب، الذي نرجح أنه لم يبدأ مع صدور كتاب (رفاعة الطهطاوي) الموسوم: (المرشد الأمين للبنات والبنين) عام 1872، ولم ينته مع صدور كتابي (قاسم أمين) المعنونين: (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) في عامي 1899 و 1900 على التوالي(26).
ويولي الكواكبي للمرأة دوراً مهماً في تربية الأبناء لا يقل عن أهمية دور الرجل، جاعلاً من عملية التربية عملية متتابعة مستمرة يشترك المجتمع كله وليس الأبوان فحسب في تنفيذها، فيقول: "التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين، هي وظيفة الأم أو الحاضنة، ثم تضاف إليها تربية النفس إلى السابعة، وهي وظيفة الأبوين والعائلة معاً، ثم تضاف إليها تربية العقل إلى البلوغ، وهي وظيفة المعلمين والمدارس؛ ثم تأتي تربية القدوة بالأقربين والخلطاء إلى الزواج، وهي وظيفة الصدفة، ثم تأتي تربية المقارنة، وهي وظيفة الزوجين إلى الموت أو الفراق"(27).
خاتمـــــة
مما لا شك فيه أن الكواكبي يمثل واحداً من أبرز مفكري النهضة العربية الحديثة ريادة وجدة وتميزاً في مقاربة موضوع الاستبداد والتنظير له ولخطورته وامتداداته بصورة عميقة شاملة، مقارنة بغيره ممن عاصروه من المفكرين العرب وتصدوا للبحث في الموضوع نفسه. غير أن لكل عالم هفوة كما يقال، ويبدو أن هفوة الكواكبي التي يصعب تجاهلها أو اغتفارها تكمن في موقفه الرجعي من المرأة بوجه عام، الذي يتعارض بصورة صارخة مع مجمل خطابه التقدمي المستنير. والواقع أن من الصعب اغتفار مثل تلك الهفوة، بل الخطيئة إذا جاز التعبير، من صاحب طبائع الاستبداد على وجه الخصوص، فليس من المقبول تحت أي ذريعة من الذرائع أن ينزلق مفكر نذر حياته وفكره لمقاومة الاستبداد إلى الوقوع فيه وممارسته ضد المرأة، التي تقف في مجتمعنا العربي في مقدمة الفئات المقموعة المضطهدة، ويشكل وضعها المتعثر المأزوم عقبة جدية في وجه أي مطمح مشروع لنهوض الأمة وتقدمها.
لقد آمن الكواكبي بأهمية تعليم المرأة ولم يدخر وسعاً في الدعوة إلى ذلك وتطبيقه في محيطه العائلي، وهذا يسجل له بكل تأكيد، بيد أنه توقف عند ذلك الحد منسجما،ً بهذا القدر أو ذاك، مع طرح تقليدي لا يرى ضيراً في تعليم المرأة، شريطة ألا يخرج بها ذلك التعليم في الواقع العملي من محيط بيتها، جسداً وفكراً!

غير أن الكواكبي سرعان ما أخذ من المرأة بشماله ـ على قلته ـ ما أعطاه لها بيمينه، فلم يدر بخلده، ولو نظرياً، ضرورة استحضارها عضواً مهماً جديراً بالحضور والمشاركة عندما كان يفكر بتأسيس جمعيته الإصلاحية الافتراضية التي استغرقت صفحات كتابه (أم القرى). وليت الأمر وقف عند هذا الحد من التجاهل والتهميش، فعندما خطرت بباله وقرر استدعاءها لم يفعل ذلك إلا وهو يجرها إلى قفص الاتهام بدعوى ضلوعها في تسبيب التخلف والاستبداد، ملصقاً بها حزمة من التهم المنكرة، التي تجعل منها كائناً طفيلياً مخادعاً قرر أن يعيش عالة على الرجل، لا يتورع عن التحايل وحبك المؤامرات لإخضاع آدم واستغلال سذاجته!
ويبدو أن المؤثرات التقدمية المستنيرة في فكر الكواكبي، متمثلة في ثقافته الدينية المنفتحة، ودعوات إنصاف المرأة في بلدان الغرب والشرق، وبيئته العائلية الودودة التي احتضنت صيغاً راقية من صيغ التفاعل بين الذكور والإناث، يبدو أنها كانت في حالة صراع محتدم مع المؤثرات الرجعية الظلامية في فكره، هذه التي تجسدت في الموروث الثقافي السلبي والتأويلات الدينية المغلوطة المجحفة بحق المرأة. وفيما يظهر، فقد كانت الغلبة ـ بكل أسف ـ للمؤثرات المتخلفة الظلامية، ليأتي فكر الكواكبي المتعلق بالمرأة فكراً مضطرباً مشوشاً مثقلاً بالكثير مما يمكن اعتباره انحرافاً عن المسار الطبيعي لفكر الرجل المعادي للاستبداد والمحارب له. 
وربما كانت هذه الإشكالية التي عانى منها فكر الكواكبي هي ذات الإشكالية التي يعاني منها الفكر العربي حتى أيامنا الراهنة، ونعني هنا إشكالية تصارع مؤثرات متنافرة التوجه متناقضة الأصول، مع العجز عن الاهتداء إلى إطار مرجعي متماسك مؤهل لمساعدتنا على التفريق بين الغث والسمين، واختيار ما يمكن أن نقبله وما ينبغي أن نرفضه.
 وإلى أن يتمكن الفكر العربي من حسم تلك الإشكالية الباهظة الثمن، سيظل أسير ما وقع فيه الكواكبي من رفض للاستبداد من جانب، وتورط في ممارسته من جانب آخر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق