الأحد، 4 سبتمبر، 2011

خلاصة كتاب إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدُد

إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدُد
 

إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدُد

المؤلف:ريموند بيكر
ترجمة:الدكتورة منار الشوربجي
الطبعة:الأولى -2009 م
عدد الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط
الناشر:المركز العلمي للدراسات السياسية -عمان -الأردن
عرض:محمد بركة

ليس ثَمَّة شك أن الحركات الإسلاميَّة تعيش أزهى عصورها اليوم في مصر والعالم العربي، وذلك بعد بزوغ شمس الحرية في مصر ومعظم أنحاء عالمنا العربي، ولقد صدر عن المركز العلمي للدراسات السياسيَّة في الأردن الترجمة العربيَّة لكتاب بعنوان إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدُد لمؤلفه الدكتور ريموند بيكر، أستاذ العلوم السياسيَّة في كلية ترينيتي الأمريكيَّة والذي نقلته إلى العربية الدكتورة منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسيَّة بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة.
ويعدّ هذا الكتاب من المؤلفات المميزة التي تناولت أبرز المدارس الفكريَّة المعاصرة في مصر، والتي تبنَّت تيار الوسطيَّة الإسلامي، وامتدَّ تأثيرها إلى خارج الحدود المصريَّة.
تعامل هذا الكتاب مع رموز مدرسة الإسلاميين الجدد من أمثال: محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وكمال أبو المجد، وفهمي هويدي، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، على اعتبار أنهم ينتمون لمدرسة فكريَّة واحدة، ولهم خصائصهم وتوجهاتهم، ولذا فقد اهتمَّ بيكر بإسهامهم الجماعي؛ لأنهم -كما يرى- يكملون بعضهم البعض؛ كل يقوم بجهده الخاص المتميز، ولكنه يستفيد من أعمال الآخرين، مع محافظة كل منهم على شخصيته الفكرية المستقلَّة.
كما كشف الكتاب بوضوح عن أن تيار الوسطية الإسلاميَّة قد شهد نقلة نوعية بالغة الأهمية بظهور هذه المدرسة الفكريَّة؛ فقد صار لتيار الوسطية- بفضل تلك المدرسة- مشروعٌ فكري متماسكٌ لا مجرد أفكار تجديدية في هذا المجال، وكما يتبين من الكتاب ـ أيضًا ـ أن رموز هذه المدرسة لعبوا أدوارًا بالغة الأهمية في الكثير من الأحداث المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة طوال الفترة التي غطاها البحث.
وتأتي أهمية هذا الكتاب لكونه قام برصد وتحليل كل ما صَدَر عن أولئك المفكرين من كتابات وإسهامات في الحياة العامة، إضافة إلى تناولها تجليات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من حملات للتشهير بالعرب والمسلمين، وما تم في إطارها من استغلال رؤى أكثر التيارات الإسلامية تطرفا وتخلفا للقفز منها إلى تعميمات تطول العرب والمسلمين، ووسط كل هذا الصخب والعنف المادي واللفظي والمعنوي يبرز في الغرب صوت يقدم رؤية رصينة مبنيَّة على دراسة متعمِّقة لواحدة من أهم المدارس الفكريَّة الإسلاميَّة في تاريخنا المعاصر تهدف للكشف والتركيز على إسلام آخر حضاري: إسلام متصالح مع العالم، ومتفاعل معه، إسلام لا يثير التوجس والقلق، فهو إسلام بلا خوف.
ووصف ريموند طبيعة الدراسات الغربيَّة عن الإسلام والإسلاميين بأنها كانت تفتقد المتابعة عن كثب إلى حدٍّ بعيد، حيث كانت تعتمد بالأساس على الأحكام والرؤى المسبقة دون الرجوع إلى مصادر الإسلام الأساسية من قرآن وسنة، كما أن البعض كان يكتب عن الإسلاميين دون مقابلتهم أو حتى قراءة كتاباتهم، وأوضح ريموند أنه حاول تلافي هذا واختار طريق الكتابة عن الإسلاميين عبر المعايشة وحضور الفعاليات والمطالعة الكثيفة لما يصدر عنهم من أدبيات.
لماذا هؤلاء ؟
وحول سبب اقتصار ريموند في كتابه على الشخصيات الست التي ذكرها وعدم إدراجه لعدد من الأسماء المهمة التي يراها البعض جديرة بالاندراج داخل مدرسة الإسلاميون الجدد،يرى ريموند إنه تحدث عن مدرسة بمعنى وجود علاقات وارتباطات وأفكار مشتركة بين أقطاب هذه المدرسة، وهو ما يصدق على الشخصيات التي تناولها الذين يمكن النظر إليهم كنواة أساسيَّة يلتف حولها عدد آخر من الشخصيات، لكن ريموند استدرك أن هذا لا يعني أن أقطاب هذه المدرسة يفكرون بنفس الطريقة، فهناك خلافات بينهم ولكن يوجد حوار مفتوح بينهم على الدوام.
كما قال ريموند: إنه أراد التركيز على عدد محدود من الشخصيات حتى لا يتحول الكتاب إلى دليل هاتف يقوم بمجرد سرد للأسماء مع تعريف سريع بها، وأعلن ريموند أنه يجهز الآن لكتاب عن شبكة الإسلاميين الوسطيين في العالم والذي لن يقتصر على مصر والعالم العربي بل سيتناول دولا مثل مصر وإيران وتركيا، وبالتالي يمكن اعتبار كتاب إسلام بلا خوف مدخلا لعمله القادم.
وذكر ريموند السبب في إطلاقه مصطلح الإسلاميون الجدد على هذه المدرسة، وهو أنهم كانوا يسمون أنفسهم بالتيار الإسلامي الجديد؛ ومن ثَمَّ اختصر هو هذه التسمية لتصبح الإسلاميون الجدد، كما أنه اختار أن يشير إليهم باللفظ الذي يصفون به أنفسهم وهو الوسطيون ولم يستخدمْ تعبير معتدل Moderate الذي يرى أنه تحوطه بعض الظلال السلبيَّة في الآونة الأخيرة.
وقد اختار بيكر أن يدرس الظاهرة من داخلها لا من خارجها؛ من خلال بذل الجهد في قراءة الغالبيَّة الساحقة من الأدبيات التي صدرت عن المفكرين الذين تناولهم الكتاب.
الثقافة والمجتمع والسياسة في فكر هؤلاء
جاء الكتاب في ثلاثة أبواب، كل باب يتناول رؤية الإسلاميين الجدُد للثقافة والمجتمع والسياسة، يقدم الباب الأول الخاص بالمجال الثقافي ـ بفصلَيه الأول والثاني عن التعليم والفنون ـ بناء الصلة بين تجاوزات الثقافة الشعبيَّة وضعف كفاءة المؤسسة الحاكمة التي تتَّخذ عادة مواقف دفاعيَّة.
إن هذا الباب من الكتاب يؤكِّد أن ضعف النظام التعليمي يوجِد فراغًا لا بد أن يُملأ، والخطر كل الخطر أن تملأ هذه الفراغات الناشئة عن ضعف التعليم وإهماله- عناصر ومتغيرات متباينة من ضغوط اجتماعيَّة، متسمة بالفوضى والعشوائيَّة؛ على حدِّ تعبير المؤلف.
ولم يكنْ غياب نموذج تعليمي ناجح هو المفسر الرسمي لهذا الخلل في البنية الاجتماعيَّة في مصر، بل انضافَ إلى ذلك من وجهة نظر الوسطيَّة الإسلاميَّة أمر مهم جدًّا هو (غياب الحريات)؛ مما يترتب عليه استحالة قيام تعليم جامعي حقيقي.
وفي خطوة أخرى يلتفت ريموند وليام إلى ما سماه بغياب الأمل؛ وهو الذي يفسِّره غياب أو موت حلم التنمية الوطنيَّة باعتبارها محدِّدًا ذا أهمية قصوى في تمدد الإرهاب والتطرف في الفراغات الواسعة في أوساط المجتمع المصري، ولا سيَّما في أوساط الشباب، وهو ما ركَّز ليه المؤلف من خلال كتابات واحد من أشهر من أرَّخ للحلم الوطني، وهو المؤرخ المصري طارق البشري.
لقد خلص هذا الباب إلى مجموعة من النتائج المهمَّة أعلت من دور الفكر الإسلامي المعتدل المركزي في إعادة تأهيل المتورطين في العنف والإرهاب، وهو ما يشير ابتداءً إلى القدرات الذاتية التي يمكن لهذا الفكر أن يؤديها لحركة نهضة مصر وتحديثها، وهو الدور الذي بدا واضحًا من قراءة ريموند وليام لمواقف هذه المجموعة من الإسلاميين والمحتفية بالفنون، وهو ما تمَّ رصده من خلال مجموعة من المواقف العلمية، والكتابات التحليليَّة؛ من مثل تصريح محمد الغزالي على محاولة قتل نجيب محفوظ بأنها جريمة ضد الإسلام، ومن زيارته له في المستشفى، ومن مثل موقف أحمد كمال أبو المجد من القضية نفسها، ومن مثل موقف فهمي هويدي من قضية هدم تماثيل بوذا في أفغانستان.
لقد استطاع وليام بيكر من خلال فحصه لمنجز للإسلاميين الجدُد حول الفنون إلى نتائج دعمت القدرة المملوكة لهم، التي يمكنها تحقيق مشروعهم لإنهاض مصر، وهو الوجه الذي رعى قيمة الأدب، وجماليات الفنون من دون تنكُّر للمواقف الفكرية الإسلامية التي يمكن أن تشوِّش على الصورة الأصيلة لقيم الإسلام.
أما الباب الثاني بفصليه يتناول المجتمع والاقتصاد، ويقدم لهما بمقال يهجو بسخرية بالغة الرؤى المشوهة للمتشددين الإسلاميين حين يصرفون الأنظار عن الأجندة الوطنيَّة ويركِّزون على قضايا ثانويَّة.
وفي الباب الثالث من الكتاب والذي جاء أيضًا في فصلين يتناولان السياسة والديمقراطيَّة والعمل السياسي وأخيرًا التفاعل مع العالم والمجتمع الدولي.
ويرى ريموند أن قصَّة الإسلاميين الجدُد في مصر تنتهي كما بدأت عبر ملامح لمثل تلك الكفاحات التي خاضوها من أجل خلق أسُس فكريَّة وأخلاقيَّة لبناء مجتمع إسلامي أكثر تميزًا، وكل الصور التي قدمها الكتاب إنما هي صور يرسمها الإسلاميون الجدد لأنفسهم، وهي صور تم صنعها من كلمات وأفعال الإسلاميين الجدد أنفسهم، ووفقًا لفهمهم الخاص، وقد حرص المؤلف على أن يستمع لأصوات الإسلاميين الجدد، وأن يسجل بأمانة ما يقولون؛ بهدف رسم تلك الصورة من الخارج بزاوية واسعة، وعمل تقويم نهائي لوزن سجلهم ومغزاه، والذي يشير إلى أن المشروع الاجتماعي للإسلاميين الجدُد يستجيب بأشكال متعددة للآمال والاحتياجات الأساس للمصريين في مواجهة أحداث تتطلب تفسيرًا، ومعضلات تفتقر إلى حلول.
ويرى ريموند أن الكتاب يتحدث عن فترة معينة ومهمَّة جدًّا من تاريخ مصر وأنه من الطبيعي حدوث تطورات بعد هذه الفترة، كما أن أقطاب المدرسة التي تصدى لدراستها كانوا يرون جيدًا ما سيأتي والكثير من مواقفهم التي أطلقوها في تلك الفترة تبدو مناسبة للمرحلة الحالية.
فأقطاب هذه المدرسة فهموا مبكرًا العالم جيدًا أكثر من الآخرين وفهموا التغيرات التي تحدث فيه من قبيل تأثير ثورة الاتصالات، وفهموا كذلك أن الغرب ليس واحدا وأنه ليس كل الأمريكان سواء، وأن الغرب لا يتمثَّل فقط في الحكومات والمؤسسات الكبرى وإنما هناك الناس العاديون والمجتمع المدني الذي يمكن التواصل معه عبر القواسم المشتركة.
وقدَّمت هذه المدرسة إسهاماتٍ كبيرةً في أكثر من مجال مثل أفكارهم في المجال الاقتصادي التي تركِّز على أن يكون هناك إنتاج حقيقي في النهاية، والتي اتضحت أهميتها في الأزمة الماليَّة الأخيرة، ولكن لا بدَّ أن نفهم أنهم في النهاية مدرسة فكريَّة ليست بيدهم سلطة ولا حزب، وبالتالي ليس لهم دور مباشر في التغيير.
وبخصوص وزن هذه المدرسة وتأثيرها يرى ريموند أنه ربما يكون للسلفيين والدعاة الجدُد حضور أكبر في الشارع وفي وسائل الإعلام، ولكن الوزن يُقاس بمن لديه أفكار مناسبة للوقت وليس من يظهر أكثر ويتحدث أكثر، وأنه حتى الآن من يريد أن يفهم قضية معمَّقة في الإسلام يعود لأعلام هذه المدرسة كالعوا والقرضاوي أكثر من غيرهم من الاتجاهات الأخرى، كما أن المفكرين الكبار يؤثرون مباشرةً في الدوائر التي تحيط بهم، والتي تقوم بدورها بنقل هذه الأفكار للآخرين الذين لا يسمعون أو يقرءون لهؤلاء المفكرين ولكنهم يتأثرون بأفكارهم بشكل غير مباشر، وبالتالي يرى ريموند أن هذه المدرسة لا تزالُ تلعب دورًا مهمًّا من الصعب الحديث عن تجاوزه أو انحساره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق