الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

بين السلفية ومفتي الجمهورية

كتب : طه كمال خضر الأزهري

مما تعم به البلوى في هذه الاونة ما يحدث الان من مهاترات وجذب وشد بين عالمين في الامة الإسلامية ، أحدهما ينتهج النهج السلفي وهو الشيخ أبو إسحاق الحويني ، والثاني ينتهج نهج الصوفية وهو الدكتور علي جمعه مفتي الديار المصرية ، وكنت أتابع قبل أن يحدث رفع دعوى قضائية من الدكتور علي جمعه ضد الشيخ أبي إسحاق الحويني ، على موقع اليوتيوب مايشبه المهذلة حقيقة ، فهذا فيديو يرد على الشيخ أبي إسحاق والاخر للرد على الدكتور علي جمعه وماأكثر هذه الكليبات والفيديوهات ، وما أكثر ناشري الفتنة ممن يظنون أنفسهم مخلصين بهذا لمن يتعلمون على أيديهم العلم ، وهناك من لا ينتسب لطلاب العلم أصلا ولكنه يريد نشر الفتن ، وتوهين صور العلماء في نفوس المسلمين ، وهذا مالا يرضاه جاهل فضلا عن عالم ، وليس هذا مختص فقط بالعالمين الجليلين الشيخ أبي إسحاق والدكتور علي جمعه فقط بل إن الأمر يمتد ليشمل الكثير والكثير من العلماء والدعاة في جميع القنوات ، والله أرى أن هذا ما هو إلا نوع من بث الفتن بين المسلمين وبين علماء المسلمين ، وأريد أن اعرف ما حال من يسمع هذه المهاترات من غير المسلمين إن كان يريد أن يدخل الإسلام ؟؟؟ هل هؤلاء هم علماء المسلمين ؟؟؟ شيء مرفوض تماما وأعتقد أن الشيخ الحويني والدكتور علي جمعه لا يرضيان بهذا ولا يسرهما هذه النتيجة مطلقا .

والأغرب من هذا أن هناك من يستغل هذه الفرص ليشعل النار أكثر وأكثر ، فهؤلاء يريدون القيام بمليونية للدفاع عن الشيخ ، والاخرون يريدون القيام بمليونية للدفاع عن الدكتور !!!

وتنتشر هذه الدعاوى على مواقع الاتصال الإجتماعي وعلى المنتديات الإسلامية ، بل الأعجب أن أرى هذا على موقع مسيحي !!!!!

سبحان الله ، سلم اليهود والنصارى من ألسنتنا ومن الدفاع عن ديننا أمامهم ، وقد فرغنا طاقتنا بيننا تارة بالقذف وتارة بالإتهام للاخر بالجهل وعدم العلم ، وتارة يصل الأمر عند بعض الجهال إلى التكفير !!!! إلى التكفير ؟ نعم والله يصل إلى هذا الحد .

فاتقوا الله عباد الله ، فهناك واجب على العلماء الأجلاء ، وهو إن كان أحدهم قد أخطأ فليقم الاخر بالرد عليه وهو أمامه وليس في مجلس فيه أحد من الناس غيرهم ، هكذا تعلمنا ، ثم يقوم الداعي أو العالم برد الخطأ الذي وقع فيه إن كان على قناة من القنوات ، ويبين أنه قد أخطأ وليس في هذا من عيب  أبدا ، بل سيترتب عليه ألفة ومودة بين العلماء وإن اختلفت مذاهبهم ، وسيكون الناس خاصة العوام منهم بالتزام الأدب مع الغير وإن كان مخالفا له في الرأي إقتداءا بالعلماء ، فهل سيحدث هذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ودهشت كثيرا من بعض المتعلمين الذين لا يفرقون بين الغث والسمين ، والذين لا يعلمون مايقولون ، والذين يقلدون ويحاكون مايسمعون فقط وإن كان خطأ ، أن يتهجموا على الأزهر الشريف !!!!!!!!

أهذا هو الأدب ؟ أهذا هو العلم ؟ أهذا ماتعلمتم وتربيتم عليه ؟ أحدهم ينشر على إحدى المواقع الإسلامية قائلا " الأزهر شوكة في ظهور المسلمين " .
هذا أقل ما يوصف به :هو الجهل التام ، وأقل مايقال عنه أنه داع للفتنة ، وأقل مايقال عنه أنه بهذا يحارب العلم والعلماء .

وهل يعلم الحاقدون أن الكثيرين من علماء الأزهر وطلابه يعترضون دوما على شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية ؟ ؟؟
ولكننا لا نتطاول عليهم مطلقا رغم إختلافنا معهم وهذا هو الأدب.

فليس معنى أن من يمثل الأزهر من الصوفية أو السلفية أو الإخوان أن علماء الأزهر وأبنائه يدينون بمنهجهم وإعتقادهم ، ويؤيدونهم في كل مايقولون ، فالأزهر الشريف هو المنارة السامقة التي أخرجت للأمة الإسلامية جباهذة في العلوم الشرعية والعلمية ولايزال الأزهر وسيظل منارة للعالم العربي والإسلامي وللعالم أجمع .

وليس معنى أن شيخي صوفي أو سلفي أو إخوان أن اتهمه في عقيدته وعلمه !!!! إذا أين فقه الإختلاف ؟؟؟ وأين احترام من خالفني الرأي ، فربما يكون هو الصادق وأنا الكاذب ، ربما هو على الصواب وأنا على الخطأ ، حتى وإن كنت عالما فمن حق تلاميذي أن يختلفوا معي فأنا بشر أصيب وأخطأ ، فالاختلاف أمر قدري كوني اقرأ قول الله تعالى :) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( (هود : 118-119)قال ابن كثير رحمه الله : قال الحسن رحمه الله : الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك ، فمن رحم ربك غير مختلف . فقيل له لذلك خلقهم ؟ قال : خلق هؤلاء لجنته ، وخلق هؤلاء لناره ، وخلق هؤلاء لرحمته ، وخلق هؤلاء لعذابه . وكذا قال عطاء والأعمش . اهـ
وقد دلت الأدلة على أن الاختلاف بين الناس واقع لا محالة وقضاء الله به نافذ لسبق الكلمة منه بتأجيل الفصل والقضاء بين الناس إلى أجل مسمى .

ولا يمكن أن تجتمع الأمة كلها في كل المسائل على قول واحد ، فلن يحدث هذا إلا إذا زالت أسباب هذا الخلاف كلها ، وذلك بعيد .

فنحذر جميع الجهال ، ونحذر معهم  بعض طلاب العلم الذين يتطاولون على منارة الأزهر ، نقول له :  تعلم أولا ثم تكلم ، وتحصرم أولا ثم ناقش ، واعلم بأن علماء الأزهر الشريف لا يعنيهم قولك ولا قول غيرك فهم منشغلون بنشر الدين الإسلامي ، وبتدريس العلوم النافعة بالجامعات الأزهرية ، وليس لديهم الوقت ليردوا على مثل هذه التفاهات ، ومثل هذه الإدعاءات التي لا تصدر إلا من حاقد أو حاسد أو محب للظهور يريد أن ينال من غيره ليشتهر ويظهر بين الناس ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .


ونذكر هنا بعضا من أسباب الإختلاف غير السائغ كما وضحه الدكتور " ياسر برهامي " في كتابه  الماتع "فقه الإختلاف "

أسباب وجود الخلاف غير السائغ

1-الجهل ونقص العلم وظهور البدع واختلاف المناهج

قال النبي صلى الله عليه وسلم  :
(( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )) (متفق عليه)

فتأمل في أول اختلاف وقع على ظهر الأرض بظهور أول شرك في قوم نوح عليه السلام ، ألم يكن بسبب نقص العلم وموت العلماء؟ وتأمل كيف تسلط الأعداء على أمتنا الإسلامية عندما ظهرت البدع وعم الجهل. فانظر إلى غزو الصليبيين لبيت المقدس كيف وقع بعد ظهور دولة العبيديين أخزاهم الله، وكيف تسلط الأوربيون على المسلمين بعد أن ساد التصوف في الدولة العثمانية حتى حاربوا دعوة التوحيد التي قادها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .

2-التعصب المذموم للأسماء والأشخاص ، وضعف الولاء والبراء على الكتاب والسنة

وهذا من أخطرها تدميرًا للعمل الإسلامي ، وهذا ما جعل الكثير ممن نحسب منهم الصدق والإخلاص يقولون بعدم مشروعية العمل الجماعي بالكلية ، واعتبار الجماعات العاملة على الساحة أحزابًا باطلة يجب التحذير منها .
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من دعوى الجاهلية حينما تنادى المهاجرون : يا للمهاجرين ، وتنادى الأنصار : يا للأنصار ، فقال صلى الله عليه وسلم :
(( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ، دعوها فإنها منتنة )) (رواه مسلم) ،
مع أن اسم المهاجرين والأنصار من أشرف الأسماء ، وهي الأسماء التي سماهم الله بها في كتابه ، وسماهم الرسول صلى الله عليه وسلم بها بها في سنته .
3-البغي والتنافس على الدنيا ورئاستها

قال تعالى :
(( وَمَاتَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ )) (الشورى : 14) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ))
فتأمل رحمك الله في التاريخ كيف قتل عثمان رضي الله عنه ظلمًا وعدوانًا بسبب تنافس من قتلوه على الرياسة وليسوا لهاأهلاً ؟ بل تأمل حال المسلمين عندما سقطت بغداد عاصمة الخلافة في أيدي التتار ، فما حركوا ساكنًا بل ظل كل أمير وملك مشغولاً بملكه ورياسته .
ثم انظر إلى حال المسلمين اليوم وتكالب الأعداء عليهم ، وتداعي الأكلة من دول الغرب الكافر على بلاد المسلمين حتى مزقوها وشتتوها وشردوا أهلها ، وكل ذلك بسبب انشغال المسلمين بالدنيا وتنافسهم عليها . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
والحق أن كثيرًا مما يجري بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة من اختلافات مريرة على المناهج والأفكار والأولويات والأعمال سببه البغي وحب الرياسة وكثرة الأتباع ، وإلا لما أثمرت هذه الثمار المرة في التعاملات التي تجري بين هذه الاتجاهات وأفرادها .
(متفق عليه)

4-ظهور رؤوس الضلال الدعاة على أبواب جهنم

وهذا من أعظم أسباب الخلاف غير السائغ ، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني . قال : قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال :
((نعم)). قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : ((نعم وفيه دَخَن)). قلت : وما دخنه ؟ قال : ((قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر)).قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : ((نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)). قلت : يا رسول الله صفهم لنا . قال : ((هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) . (متفق عليه) .

قال النووي : دعاة على أبواب جهنم ... قال العلماء : هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة . (شرح صحيح مسلم : 6/37)

ولا شك أن منهم كذلك أهل البدع المعاصرة المنتسبين إلى الإسلام الداعين إلى الكفر والنفاق من أصحاب المذاهب الإلحادية كالعلمانيين والديمقراطيين والاشتراكيين والقوميين وأصحاب القوانين الوضعية ، وكذا سائر الأحزاب القائمة على خلاف مبادئ دين الإسلام بالإضافة إلى دعاة البدع القديمة كالروافض والقبوريين والخوارج والمرجئة ، وما أكثرهم في زماننا .


فقه الإختلاف علاج للتحزب  كما وضحه دكتور " مفرح بن سليمان القوصي"عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود 

يقوم فقه الاختلاف على ركائز فكرية وأخلاقية عديدة لا تخفى على أهل الاختصاص من العلماء والمفكرين والباحثين، أُشير – بإيجاز فيما يلي – إلى أبرزها:

(1) الإخلاص لله وحده، والتجرد للحق، ومجاهدة النفس حتى تتحرر من إتباع هواها أو أهواء غيرها؛ فكثيرًا ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات ظاهرها أنه خلاف على مسائل في العلم أو قضايا في الفكر، وباطنها حب الذات وحب الظهور أو الجاه وتحقيق المغانم وإتباع الهوى الذي يعمى ويصم ويضل، عن سبيل الله، نسأل الله العافية.

(2) الوعي بأن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية الفرعية ضرورة لا بد منها أوجبتها طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة. فأما طبيعة الدين فقد أراد الله تعالى، أن يكون في أحكامه: المنصوص عليها والمسكوت عنها، وأن يكون في المنصوص عليه المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح والمؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط فيما يقبل الاجتهاد والاستنباط، وتسلِّم فيما لا يقبل ذلك، إيمانًا بالغيب، وتصديقًا بالحق، وبهذا يتحقق الابتلاء الذي بنى الله عليه خلق الإنسان: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:2]، ولو شاء الله لجعل الدين كله وجهًا واحدًا وصيغة واحدة لا تحتمل خلافًا، ولا تحتاج إلى اجتهاد، من حاد عنها قيد شعرة فقد ضل، ولكنه لم يشأ ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة وطبيعة الناس، ويوسع الأمر على عباده.
وأما طبيعة اللغة فلا شك أن مصدر الدين الذي يُرجع إليه ويُستدل به هو القرآن الكريم والسنة النبوية. والقرآن نصوص قولية لفظية، وكذا معظم السنة. وهذه النصوص يجري عليها ما يجري على كل نص لغوي عند فهمه وتفسيره؛ ذلك أنها جاءت على وفق ما تقتضيه طبيعة اللغة في المفردات والتراكيب؛ ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يدل بالمنطوق وما يدل بالمفهوم، وفيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، وما دلالته قاطعة وما دلالته محتملة، وما دلالته راجحة وما دلالته مرجوحة.
وأما طبيعة البشر فقد خلقهم الله مختلفين، فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وطابعه المتفرد، يبدو ذلك في مظهره المادي كما في مخبره المعنوي؛ فكما ينفرد كل إنسان بصورة وجهة ونبرة صوته وبصمة بنانه، ينفرد كذلك بلون تفكيره وذوقه وميوله، ونظرته إلى الأشياء والأشخاص والمواقف والأعمال. ولذا فمن غير الممكن صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء، وجعلهم نسخًا مكررة، ومَحْوُ كل اختلاف بينهم؛ فهذا مخالف لفطرة الله التي فطر الناس عليها.
وأما طبيعة الكون الذي نعيش فيه؛ فقد خلقه الله سبحانه مختلف الأنواع والصور والألوان؛ كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} [فاطر:27، 28]. ولكن هذا الاختلاف الذي نبه عليه القرآن إنما هو اختلاف تنوع وتلوُّن، لا اختلاف تضارب وتناقض، ولهذا تكررت في القرآن عبارة: {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} في أكثر من مناسبة، بل نجد القرآن الكريم ينفي بعبارة صريحة ما ينبئ عن التضارب أو التعارض في الكون، وذلك في قوله تعالى: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ من تفاوت} [الملك:3]. وكذلك طبيعة الحياة؛ فهي أيضًا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، منها الزمان والمكان.
والاختلاف مع كونه ضرورة هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها، وقد دل على ذلك بعض الأحاديث النبوية، حيث صاغ الشارع الحكيم كثيرًا من الأحكام صياغة مرنة بحيث تتسع لتعدد الأفهام وتنوع الآراء والاجتهادات، وسكت عن النص على بعض الأحكام ليتيح للعقول المسلمة الاجتهاد في فهمها في ضوء المنصوص على حكمه. ولذا اجتهد الصحابة – رضي الله عنهم – واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعًا بذلك، وأتاحوا لنا باختلافهم هذا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم.

(3) إتباع المنهج الوسط الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال بعيدًا عن طرفي الغلو والتفريط. فهذه الأمة أمة وسط في كل شيء، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.
والوسط هو مركز الدائرة الذي ترجع إليه الأطراف المتباعدة، وهو الصراط المستقيم الذي علمنا الله تعالى أن نسأله الهداية إليه كلما قرأنا فاتحة الكتاب في صلواتنا اليومية أو خارجها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]. ومن لوازم الوسطية اجتناب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهلاك في قوله: "هلك المتنطعون"[رواه مسلم]. قالها ثلاثًا. والمتنطعون – كما يقول الإمام النووي -: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

(4) التركيز على إتباع المحكَمات وهنَّ أم الكتاب ومعظمه، وعدم الجري وراء المتشابهات؛ فإتباع المحكمات واتخاذها الأصل والقاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم وإتباع المتشابهات من شأن الدين في قلوبهم زيغ ودغل.

(5) اجتناب القطع في المسائل الاجتهادية التي تحتمل وجهين أو رأيين أو أكثر، واجتناب الإنكار فيها على الآخرين، ولذا قرر علماء الإسلام: أنه لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية، فالمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله كذلك، بَلْهَ أن ينكر على مجتهد.

(6) تحديد المفاهيم التي يقع فيها النزاع، وبيان مدلولها بدقة ووضوح يرفع عنها الغموض والاشتباه؛ فكثيرًا ما يحتد النزاع حول معنى أو مفهوم معين، لو حدد بدقة وشُرح بجلاء لأمكن للطرفين أن يلتقيا عند حد وسط. ومن ثم كان علماؤنا السابقون يحرصون على "تحرير موضع النزاع" في المناظرات والمسائل الخلافية؛ حتى لا تُنصب معركة على غير شيء، وكثيرًا ما يشتد الخلاف بين فريقين، ثم يتبين في النهاية أن الخلاف كان لفظيًا، وأن لا ثمرة عملية تجنى من ورائه.

(7) التعاون (بين أصحاب المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية) فيما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضًا فيما يسع الخلاف فيه. وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ منها:
‌أ- احترام الرأي المخالف وتقدير وجهات نظر المخالفين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها ممن الاعتبار والاهتمام. وذلك مبني على أصل مهم، وهو: أن كل ما ليس قطعيًا من الأحكام هو أمر قابل للاجتهاد؛ وإذا كان يقبل الاجتهاد؛ فهو يقبل الاختلاف، لاختلاف المنطلقات والرؤى والأوهام.
‌ب- الاعتقاد بإمكان تعدد أوجه الصواب في المسألة الواحدة المختلف فيها، وذلك تبعًا لتغير المكان والزمان، وتبعًا لتغير الظروف والأحوال.
‌ج- الاعتقاد بأن كثيرًا من ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الفكرية اليوم، ليس خلافًا على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الفقهاء (تحقيق المناط).

(8) اجتناب التكفير بلا مسوغ صحيح والحذر منه؛ فلا يخفى على كل لبيب أن أخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد أو التقارب بين العاملين في حقل الدعوة إلى الله هو التكفير؛ وذلك بأن تُخرج مسلمًا من الملة ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة؛ فهذا بلا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال؛ فلا لقاء بين مسلم ومرتد؛ فهما خطان متوازيان لا يلتقيان.
وقد حذر الإسلام أبلغ تحذير من رمي المسلم بالكفر؛ وذلك في أحاديث صحيحة مستفيضة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما؛ فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه" [رواه مسلم والبخاري]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله وهو ليس كذلك إلا حار عليه" [رواه البخاري]. أي رجع عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: "من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله" [رواه مسلم].
وعليه فلا يجوز تكفير أهل الإسلام لذنوب ارتكبوها أو أخطاء اقترفوها.

(9) التحرر من التعصب لآراء الأشخاص، وأقوال المذاهب، وانتحالات الطوائف، بمعنى: ألا يقيد المرء نفسه إلا بالدليل، فإن لاح له الدليل بادر بالانقياد له، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يتبعه، أو الطائفة أو الحزب الذي ينتمي إليه؛ فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عمرو من الناس، والله عز وجل إنما تعبَّدنا بما جاءنا في كتابه وما صح عن نبيه صلى الله عليه وسلم.

(10) إحسان الظن بالمؤمنين، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم؛ فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائمًا على تزكية نفسه واتهام غيره. يقول عز وجل: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32]. إن سوء الظن من الخصال المذمومة التي حذر منها الإسلام؛ فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وألا نظن به إلا خيرًا، وأن نحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها؛ تغليبًا لجانب الخير على جانب الشر.

(11) الحوار بالحسنى، واجتناب المراء المذموم واللدد في الخصومة؛ فالإسلام – وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن – ذم المراء الذي يراد به الغلبة على المخالف بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزانٍ حاكم بين الطرفين؛ وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:8، 9] وقوله تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف:56]
مجلة البيان 216 (بتصرف يسير)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق