السبت، 22 أكتوبر، 2011

التهجم على العلماء .. ماركة مسجلة لأنصاف المتعلِّمين

 
 أ.د / عبد الرحمن عبد الحميد أحمد البر   
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر الشريف

حينما تسأل شخصاً أجنبياً عن أكثر من يخدمون أوطانهم، وينبغي احترامهم والإعجاب بهم؟ فسيقول لك بكل جرأة: إنَّهم العلماء. وحينما تسأل بعض أنصاف المتعلِّمين عن عدوّه الأوّل، ومن يقوم بتدمير الأمَّة وتضييع هويتها؟ فسيقول لك: إنَّهم العلماء!!

فبعض "المتعالمين" أرادوا أن يستروا ضعف حججهم وشخصياتهم وهزال علمهم، بانتقاص العلماء والاستهزاء بهم، وشتمهم بشتائم مكتوبة ومرئية، شفوية وإلكترونية؛ حيث راح هؤلاء يجعلون من مهاجمة علماء الأمَّة دأباً وديدناً يقومون به صباح مساء، فقط ليسدوا رغبة انتقاص الآخرين في أنفسهم، وليظهروا مكانتهم وأسماءَهم عبر الشتم والانتقاص، لأنَّهم لا يملكون سلاحاً غيره.

إنَّ هذا المرض انتشر بين أفراد من الأمَّة على مراحل مختلفة في أزمنة متعدّدة، حينما أصبح الفقه بعيداً عن الواقع بالنسبة لهم، وحينما صارت المسائل الجزئية والخلافات المذهبية ينبني عليها كفر وإيمان، وولاء وبراء، الأمر الذي كان عامل ضعف وفرقة، واختلاف وتشرذم للأمة.


الأسباب والدَّوافع .. 
 
السبب الأبرز الذي يمكن عزو هذا الأمر إليه، هو قلَّة العلم، وضعف الفهم، وعدم تقدير من يخدم الأمَّة، فإذا أصدر العالم فتوى تخالف الهوى وحظ النفس لهؤلاء، فإنَّهم يبدؤون رأساً ودون قراءة لمضمون تلك الفتوى، بكيل جملة من الشتائم لهذا العالم ومن يؤيّده، دون نظر فيما حوته المسألة من أدلة، ودون فهم لطبيعة المسائل الخلافية التي تقبل تعدّد الآراء والاجتهادات.

وكم من النَّاس حكموا على علمائهم عبر نقول مقصوصة، وعبارات مجتزأة، دون تثبت وتأكد، فبنوا على ذلك موقفاً عدائياً من ذاك العالم، لشبهة في الرأي ودون تقبل وروية أو تأكد من أمانة الناقل، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، [الحجرات:6].

ومن الأسباب التي أدَّت إلى شيوع هذه الظاهرة؛ الغيرة والحسد، فالبعض لم يستطع أن يجاري العلماء بقوَّة مؤلفاتهم، وسعة قبول آرائهم وانتشارها بين النَّاس، ولم يتحمَّل أنَّ يرى الأمَّة وهي تلتف حول ذاك العالم، في حين أنَّه يلتف حوله بعض أفراد ممَّن اجتمعوا على الحقد على كل ما هو ناجح ومميز، فعندها نصبوا أنفسهم ليتتبعوا أخطاء العلماء، في سعي محموم ليرفعوا مقامهم ببيان أخطاء الجهابذة، وتتبع الأخطاء هذا لم يقتصر على علماء العصر الحديث، بل تعداه ليقوم بعض (المرضى) بتتبع زلات علماء من السلف، وأئمَّة المذاهب، بزعم أنهم رجال ونحن رجال!!

وفي عصرنا الحديث حيث تعدَّدت الجماعات العاملة لإعادة تحكيم الدين، والنهوض بالأمَّة، نجد البعض قد دفعته عصبيته وهواه، إلى أن يأخذ دينه من أفراد معدودين، وفي الوقت نفسه يلغي جهود العلماء من الجماعات والمذاهب الأخرى، فلا يرى برأي صحيح لهم، ويحمل أقوالهم على سوء الظن، ويفسّرها بسوء نيّة كأنَّه يقرأ في تلمود اليهود، ويكتب ردوداً بمئات الصفحات، فيُقَوِّلهم ما لم يقولونه، ويفهم نصوصهم فهماً غير سوي، ليرضي هواه ورغبة من حوله، ونسي أنَّ السلف نهوا عن هذا التصرّف، كما في قول ابن عباس رضي الله عنه: (من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آذى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد آذى الله تعالى).


العلاج .. 
 
ليس الأمر بالهيِّن أو بالسَّهل كما يراه من يقع به، فلحوم العلماء مسمومة، والخوض في تكفيرهم أو إهانتهم كما يظن البعض جريمة عظيمة ذات آثار سلبية كبيرة.
وفي الوقت نفسه، تؤكّد مهاجمة العلماء، أنَّ المهاجمين لم يتعلموا أسباب الخلاف بين العلماء، وجواز تعدّد الرّأي في المسألة الواحدة، وتعدّد الأفهام في الدَّليل الواحد إن كان ظنياً.
كما أنَّ مهاجمة العلماء، أدَّت إلى نفور العوام من النَّاس من الاستماع لهم، وتزعزع الثقة بهم وبما يصدر عنهم، ممَّا حرمهم الخير الكثير، ثم وإذا بهؤلاء النَّاس يبحثون عن قادة وقدوات لهم ممَّن حملوا أجندات غير إسلامية أو توجهات معادية للإسلام.
بل إنَّ مهاجمة العلماء أدَّت إلى إيجاد صراع بين المدافعين والمهاجمين، ممَّا جعل الأمَّة تنشغل بقضايا جزئية على حساب الأمور الكليَّة، كمقاومة الاحتلال، والتحرّر من الاستبداد.

وتزداد هجمات الانتقاص شدّة، إذا أخطأ العالم في الفتوى والاجتهاد، أو اتَّبَع رأياً مرجوحاً من آراء العلماء، دون أن يعتبر هؤلاء بما نصَّ عليه الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم على أنَّ المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

وكم كان لعلمائنا رحمهم الله من كلمات رائعة للتنبيه على أن من يقع بهذا الخطأ لا يعني أن نلغي جهده ومكانته:

-  فقد قال سعيد بن المسيّب رحمه الله: (ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلاَّ وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أنَّه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله).

-  وقال ابن تيمية رحمه الله: (من كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإنَّ الله يغفر له خطأه كائناً من كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النّبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام، وجماهير أئمَّة الإسلام).
-  وقال الإمام الذهبي رحمه الله: (ولو أنَّ كلَّ من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه وتوخيه لإتباع الحق – أهدرناه وبدعناه، لقلّ من يُسلم من الأئمة معنا).

وأخيراً .. فإنَّ العلاج لمثل هذه المشكلة يتمثل بما يلي:

 
1-  الالتزام بتقوى الله سبحانه وتعالى في كلِّ تصرّف من التصرفات، فلا يجوز مهاجمة النَّاس، وخصوصاً العلماء، لأن الله قد أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، [النساء:59]، وقد ذهب بعضُ المفسّرين إلى أنَّ أولي الأمر هم العلماء، فكانت طاعتهم واتِّبَاعهم من طاعة الله ورسوله.

2-  عدم التَّصدِّي لبيان أخطاء العلماء ممَّن لم يفهم أصول المسائل وأدلتها، وطرق استنباط الأدلة وتوجيهها، فلا يصح أن ينتقد المختصين بالشريعة من لم يدرس علومها، ويتقن فنونها.

3-  الحيادية في معالجة الآراء، وعدم التعصب لرأي معين، فالكل قد يصيب ويخطئ، ولا يصح أن نقرأ آراء الآخرين وفق نظارات سوداء قاتمة، لا ترى إلاَّ ما هو سيء وشر، فمن كان للحق أقرب وقفنا معه، ومن أخطا أو كان رأيه مرجوحاً، نصحناه ودعونا له بالصَّواب والسَّداد.

4-  إعمال مبدأ حسن الظن في التعامل مع العلماء، فهم أكثر النَّاس تقوى، وهم أولياء الله، فقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: (إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة الفقهاء والعلماء، فليس لله ولي)، وبمثله قال الإمام الشَّافعي.

5-  تطهير القلوب من الحقد والحسد والغيرة، واتِّبَاع الهوى والتعصب، فليس من الدِّين أن ننتقص من الآخرين غيرة وحسداً، فهذا لا يصح ولا يقبل ويصادم تعاليم ديننا الحنيف.

6-  الدِّفاع عن علمائنا في وجه من ينتقصهم ويحاول أن يسيء إليهم، خصوصاً أولئك العلماء الرّبانيون الذين يقفون مع شعوبهم، في ثورتهم على الاستبداد والظلم، لأنَّ العلماء هم منارات وشموس لنا، وإن مهاجمتهم تعني مهاجمة الأمَّة التي أنابت علماءها في نصرة قضاياها وتعليمها أمور دينها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق