الأربعاء، 30 مارس، 2011

القرية التي كانت حاضرة البحر

القرية التي كانت حاضرة البحر


 قال الله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 163-166] .
روي في قصص هذه الآيات أنها كانت في زمن داود عليه السلام. واختلف أهل التفسير في تعيين هذه القرية: أي قرية هي؟ فقيل أيلة، وقيل طبرية، وقيل مدين بين أيلة والطور، وقيل إيليا، وقيل قرية من قرى ساحل الشام بين مدين وعينون. وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم.
قال أبو جعفر الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر، وجائز أن تكون أي من القرى المذكورة، لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع العذر بأي من ذلك.
حرّم الله سبحانه على أهل هذه القرية صيد الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً من كل مكان في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، غاصت فلم يأت حوت واحد، فلا يقدروا عليها حتى يغوصوا، فمكثوا بذلك ما شاء الله.
وكانوا قوماً قد اشتدت شهوتهم إلى أكل الحيتان ولقوا من ذلك بلاءً، فاتخذ رجل منهم خيطاً ووتداً، وأخذ حوتاً فربط في ذنبه الخيط، ثم ربطه إلى الوتد، ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نون! فقال: لا! قال: فتطلع في تنوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبر. فقال: إني أرى الله سيعذبك، قال: فلما لم يره قد عوجل بالعذاب ولم يُبتلى، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربطهما. فلما أمسى من ليلة الأحد أخذهما فشواهما. ثم اطلع جار له عليه، فلما رآه لم يعجل عذاباً، جعلوا يصيدونه، حتى كثر صيد الحوت، والمشي به في الأسواق. وأعلن الفسقة بصيده. فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكف وفرقة تنهاهم ولا تكف.
ثم وسوس الشيطان إلى أهل هذه القرية، وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوها وخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام! أو قيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حياضاً على شاطئ البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد. فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد، وظلوا يفعلون ذلك زماناً.
ثم إن العصاة قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! ثم تجرؤوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، فقامت طائفة العصاة بأخذ الحيتان يوم سبتهم، فأخذوا وأكلوا وباعوا. فنهتهم الطائفة الأخرى، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم! فلم يزدادوا إلا غياً وعتواً.. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من الناهين: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ وكانوا أشد غضباً لله من الطائفة الأخرى.
وقال جمهور المفسرين: إن أهل القرية افترقت ثلاث فرق، وهو الظاهر من الضمائر في الآيات: الفرقة الأولى هي الفرقة العاصية أصحاب الخطيئة، أي: عصت وصادت، وكانوا نحوًا من سبعين ألفا. والفرقة الثانية هي الفرقة المعتزلة، أي اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وإن هذه الطائفة هي التي قالت للناهية: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا} - تريد العاصية – {اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ} على غلبة الظن لما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية: من إهلاك العصاة أو تعذيبهم من دون استئصال بالهلاك. فقالت الفرقة الثالثة الناهية: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، إن كان هلاك فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجراً، وكل قد كانوا ينهون، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
وقال الناهون: فقد فعلتم يا أعداء الله! والله لنأتينكم الليلة في مدينتكم! والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب. والله لا نساكنكم في قرية واحدة!! فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب وللمعتدين باب، فلما كان الليل طرقهم الله بعذاب.
فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأناً لعل الخمر غلبتهم! فوضعوا سلماً، وأعلوا سور المدينة رجلاً، فإذا هم قردة: الرجل وأزواجه وأولاده!! فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله، قردة والله تتصايح كالكلاب ولها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود. فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسمون فيه، فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومىء بيده إلى صدره أن نعم، بما كسبت يداي. فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟! فتقول برأسها: نعم!! فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا. فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. وقيل إن شباب القوم صاروا قردةً، وأن الشيوخ منهم صاروا خنازير.
وإن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينج من العذاب إلا الفرقة الناهية التي لم تعص، لقوله تعالى: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ}، وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. فإن كانت الطوائف منهم ثلاثاً كما تقدم، فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية، لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن المنكر. ويحتمل أنها لم تمسخ، لأنها - وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ربها ونهيه، لكنها - لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة، وهي صيد الحوت في يوم السبت، ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد. وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية كالطائفة الثانية، وإنما جعلت طائفة مستقلة لكونها قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين، فهما في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ. وهكذا نجد أن الآيات قد نصت على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكتت عن الساكتين، لأن الجزاء من جنس العمل!! فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا.
ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير، قوله تعالى: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأعراف: 165]. وقوله تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .
الهدف من القصة:
أولا: الأخبار عن بني إسرائيل، ومواقفهم من الهدي المنزّل عليهم، وانحرافهم عنه، وما عوقبوا به نتيجة لذلك. وفي هذا درس لهذه الأمة من هذه الحيثية.
ثانيا: أن هذه القصة عُرضت في سياق الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس لدينه، واليهود من المدعوين. وفي الكلام عنهم بهذا العرض لا يستغرب رفضهم للدعوة الجديدة. وهذا أمر هام للغاية: إذ إن اليهود هم شهود على صدق هذه الرسالة. فموقف الرفض منهم قد يؤثر على مواقف الناس، فأن يذكر من أخلاقهم ما لا يستغرب معه كفرهم بالدعوة الجديدة، فذلك شيء مهم في التمكين لهذه الدعوة.
ثالثا: أن الهدف المباشر من هذه القصة أن تترفع هذه الأمة عما وقعت فيه الأمم الأخرى من انحراف، وأن يرتفع أفراد هذه الأمة عما وقع فيه أفراد من أمم أخرى من المعاصي.
رابعا: تمثل هذه القصة درسا لمن خالف أمر الله بحيلة من الحيل. فهدي الله المنزل يجب أن يُطبق بقوة، فليس الله كغيره، ولا أمر الله كأمر غيره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق