الخميس، 31 مارس، 2011

الجزائر : الجزائر .. محاولات متعثِّرة للحاق بقطار الثورات

  الجزائر .. محاولات متعثِّرة للحاق بقطار الثورات
أحمد عبد العزيز
رغم أنه كانت هناك توقعات كثيرة بأن الجزائر سوف تكون الدولة التالية لتونس في قطار الثورات العربيَّة خاصة في أعقاب اندلاع المظاهرات والأعمال الاحتجاجية عقب الثورة التونسيَّة مباشرةً في العديد من المدن الجزائرية، وتقريبًا بنفس السيناريو حيث بدأت بحرق بعض الشباب لأنفسهم ثم سرعان ما انطلقت الشرارة وسقط العديد من الضحايا، إلا أنه لم تكتب للأحداث الاستمراريَّة، وتم إيقاف هذه الاحتجاجات وتدخل الجيش الجزائري وحاولت الحكومة إدخال بعض الإصلاحات ومنها إلغاء قانون الطوارئ، إلا أنه لا يزال هناك إصرار من جانب الجزائريين على اللحاق بقطار الثورات العربيَّة، وإن كانت جذوة الاحتجاجات تخبو وتندلع من آنٍ لآخر، وهناك تجاذبات بين إمكانية نجاح الثورة، وهو ما أكدته مصادر للمعارضة، مشيرةً أنه رغم بطء التغيير إلا أنه قادم، وسوف يحدث في وقتٍ قصير؛ إلا أن هناك بعض الآراء من جانب بعض المحللين والسياسيين التي ترى أن هذا التغيير يواجه عدة صعوبات، وهو ما أشارت إليه جريدة "لوموند" الفرنسيَّة التي قالت إن الثورة في الجزائر ليست قريبة وما بين إمكانيَّة التغيير من عدمه سوف تكشف الأيام القادمة مدى قدرة الشعب الجزائري على تحقيق الثورة والوصول إلى الحريَّة.
وفي هذا السياق حاولت التنسيقيَّة الوطنيَّة للتغيير في الجزائر تنظيم مسيرة في العاصمة أمس، وكانت الشرطة قد منعت المشاركين من مغادرة ساحة أول مايو مكان انطلاق المسيرة، وقالت وكالة الصحافة الفرنسيَّة: إن قوات الأمن حاصرت المتظاهرين الذين كان بينهم الرئيس الشرفي للرابطة الجزائريَّة للدفاع عن حقوق الإنسان، المحامي علي يحيى عبد النور، ونواب من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطيَّة، ومنع رجال الشرطة عشرات المتظاهرين من مغادرة ساحة أول مايو نحو ساحة الشهداء على بعد ثلاثة كيلو مترات كما كان مقررًا.
وكان المتظاهرون يرفعون لافتات كتب عليها «النظام ارحل» و«من أجل الحرية والعدالة والكرامة»، قبل أن يتفرقوا في هدوء، وهو نفس السيناريو الذي تكرَّر في المرات السبع السابقة التي حاولت فيها التنسيقيَّة تنظيم مظاهرات.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسيَّة أمس عن رئيس الرابطة الجزائريَّة للدفاع عن حقوق الإنسان مصطفى بوشاشي قوله: إن «الثورة قريبة»، مؤكدًا أن الجزائر لا تريد أن تبقى متخلفةً عن حركة التغيير الكبرى في الوطن العربي ضدّ الأنظمة الحاكمة منذ عقود، وبعد تجمع لجناح «بركات» (يكفي) للتنسيقية الوطنيَّة للديمقراطيَّة والتغيير في العاصمة الجزائرية أول من أمس، قال بوشاشي: «لا تصدِّقوا ما جاء في جريدة (لوموند) الفرنسيَّة التي كتبت أن الثورة في الجزائر ليست قريبة» وأضاف: «الثورة لن تكون بعد عامين أو ثلاثة، إنها قريبة».
وجدَّد بوشاشي أمام 500 شخص حضروا التجمع في قاعة الأطلس في حي باب الوادي الشعبي مطلبه «بالتغيير السلمي» وندَّد «بسياسة النظام منذ خمسين سنة».
وقال بوشاشي: إن «استراتيجيتنا هي الاقتراب من الشعب وتنظيم تجمعات لشرح ما هو التغيير والديمقراطيَّة وإعادة الثقة للمواطنين بأنه يمكنهم السير سلميًّا والتوجه نحو تغيير حقيقي والضغط على السلطة الجزائرية» وردًّا على سؤال لمعرفة ما إذا كان يخشى أن يتجاوز الشبان الذين يقفون وراء احتجاجات الغضب اليوميَّة، مبادرته ومبادرات الجمعيات الأعضاء في التنسيقيَّة: «نحن بادرنا وسأكون سعيدًا إذا تجاوزونا»، وبرَّر موقفه هذا بالقول: إن «الشباب هم من سيقوم بالثورة، كل الثورات في البلدان العربية قام بها شباب ونحن هنا.
كما احتشد أول أمس أمام باب قصر الرئاسة الجزائريَّة أربع مجموعات محتجة من المتظاهرين لتنضم إلى مجموعة الأساتذة المتعاقدين الذين يرابطون أمام مكتب الرئيس بوتفليقة، منذ عشرة أيام، وانضمَّ إلى الأساتذة المعتصمين، عائلات من ضحايا الإرهاب، ومفصولون من الجيش، وعائدون من ليبيا، وغيرهم من الفئات، حيث سلَّموا رسالة إلى موظف الرئاسة الذي وعد بنقلها إلى بوتفليقة شخصيًّا، وطالبت عائلات ضحايا الإرهاب في الرسالة التي وجّهت إلى بوتفليقة، بـ «تخصيص راتب شهري لمن أصيب أو عائلته بهجمات إرهابيَّة، لضمان عيش كريم»، بينما طالب المفصولون من الجيش بدمجهم في المؤسَّسة المدنيَّة.
وكانت السلطات الجزائريَّة منعت السبت الماضي تنظيم مسيرة دعت إليها التنسيقيَّة الوطنيَّة من أجل التغيير والديمقراطيَّة غير المعترف بها رسميًّا، للمطالبة بإحداث تغيير سياسي واسع في البلاد.
ومنعت قوات الأمن -كما سبق أن فعلت في المرات السبع السابقة- عشرات المتظاهرين من مغادرة ساحة أول مايو نحو ساحة الشهداء على بعد ثلاثة كيلو مترات كما كان مقررًا سابقًا.
وحاصرت القوات المتظاهرين، الذين كان من بينهم الرئيس الشرفي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المحامي علي يحيى عبد النور ونواب من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطيَّة.
ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها "الشعب يريد إسقاط النظام " و"من أجل الحرية والعدالة والكرامة" قبل أن يتفرقوا لاحقًا في هدوء بعد محاصرتهم.
ورغم تدارك الرئيس بوتفليقة للأمور وإصداره الأوامر بتخفيض أسعار بعض السلع مثل السكر والزيت وتعليق تطبيق الرسوم الجمركيَّة (5%) والضريبة على القيمة المضافة (17%) لأصحاب الامتياز في الاستيراد إلى ة نهاية شهر رمضان المبارك ف" أغسطس "2011. كما تجاوب بوتفليقة مع مطالب الشارع فتبنّى مجلس الوزراء المنعقد يوم 3 فبراير 2011 قرارات تستجيب لمعظم الانشغالات، وحثّ وزراء حكومته على التعجيل بإنجاز المشاريع، خاصَّة تلك التي تمسّ احتياجات الشباب، والاستماع إلى جميع الأطراف المعنيَّة بذلك.
وكذلك إجراء تحقيق حول الأحداث التي جرت في يناير 2011 وأسباب تراجع الاستثمار في الجزائر، وتبيَّن أن وزيره الأول أحمد أويحيى وراء امتناع رجال الأعمال العرب عن الاستثمار في الجزائر، إلى جانب أطراف مقربة منه ساهمت إعلاميًّا في تأجيج نار الاحتجاجات، وهو ما دفع بالرئيس إلى إقالته واقتراح محمد يزيد زرهوني خلفًا له باعتباره نائبًا له، لكن أصحاب القرار نصحوه باجتناب ذلك؛ لأن العدالة لم تصدر حكمها في قضية اغتيال المدير العام للأمن الوطني علي تونسي، إذ قد يُستدعى بصفة كونه وزيرًا للداخليَّة يومئذ، واقتُرِح عليه رئيس حملته الانتخابيَّة عبد المالك سلال خلفا لأويحيى، وهو أمر يتطلَّبه التوازن الجهوي، غير أن الرئيس أبدى اعتراضه وأجّل البتّ في تغيير الحكومة إلى الشهر الجاري، رغم كل هذا فإن الأمور مرشحة للتصاعد ومزيد من الاحتجاجات.
وفي إطار الدعوة للتغيير ظهرت أسماء كانت في الحكم سابقًا تدعو بدورها إلى الحوار السلمي من أجل إنجاز نظام جديد قائم على احترام الحريات وحقوق الإنسان وتوفير الأسُس الكفيلة بتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنيَّة.
ويلاحظ غياب الحماس من طرف الشرائح الشعبية الجزائرية في المدن والقرى لمثل هذه الدعوات لأنها تعرف جيدًا أصحابها وماضيهم أثناء تواجدهم في المناصب العليا بداخل الدولة.
إنه يتبين جيدًا بأن جمود الحراك الشعبي في الجزائر يعود أصلا إلى مسألة مفصليَّة وتتمثَّل في وجود أزمة ثقة عميقة بين دعاة السياسة وبين المواطنين البسطاء الذين لدغوا أكثر من مرة وفي أكثر من جحر في الماضي البعيد والقريب معًا.
وفي الواقع فإن التجربة قد أثبتت وأظهرت أيضًا أن الذين ضحّوا بالنفس والنفيس وتعرَّضوا للسجن أو للنفي وحتى للتصفية الجسديَّة من طرف النظام قد أُبعدوا وهمشوا بعد إقرار التعددية الحزبيَّة، وبالمقابل فإن الذين حظوا بالمناصب في الدولة وبالمشاريع ذات الطابع المدني والاقتصادي هم أولئك الذين لعبوا على جميع الحبال، وتميزوا طوال حياتهم بالممارسات الانتهازيَّة المكشوفة للناس.
فالقضية تتمثل في يأس الشرائح الشعبيَّة وفي عدم ثقتها في السياسة والسياسيين وفي ما يسمى دعاة التغيير، وهم في واقع الأمر يبحثون عن نوبة توصلهم إلى سدة الحكم ليتشبثوا به فيما بعد، مثل الديكتاتوريين السابقين، هذا ما تورده عدد من الكتابات الجزائرية التي تشعر بالتشاؤم وترجّح فكرة قيام الثورة.
أيضًا يستند البعض في هذا التشاؤم إلى بعض العوامل الأخرى المحبطة للثورة ومنها الفتوى بتحريم التظاهر والخروج على ولي الأمر، وهو ما أفتى به عبد المالك رمضاني الزعيم الروحي للحركة السلفية ذات النفوذ في الجزائر، في فتوى تقع في 48 صفحة تحت عنوان «حكم المظاهرات»، (حث) المسلمين على تجاهل دعوات التغيير، وقال: إن الديمقراطيَّة مخالفة للإسلام.
واعتبر البعض فتوى رمضاني المقيم في السعوديَّة أنها تأتي في وقتٍ مناسب للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فيما يراقب الجزائريون الاحتجاجات في دول عربيَّة أخرى لطرح مطالب سياسيَّة واقتصاديَّة.
وقال رمضاني في الفتوى: «ما دام الحاكم مسلمًا فلا بد من الاستماع إليه؛ فإن المجتمعين ضده قصدهم منازعته في منصبه وإحلال غيره محلَّه، وقد حرَّم النبي منازعة السلطان في إمارته ما دام مسلمًا».
وقال رمضاني الذي يزعم أن أتباعه هنا بمئات الآلاف: «اختلاط الرجال بالنساء أثناء المظاهرات حرام»، ويعتبر السلفيون بوتفليقة حليفًا لهم، وتعاونوا معه لإقناع المتشددين بإلقاء السلاح، وهكذا تظلُّ الأمور تتأرجح في الجزائر بين الأمل واليأس في محاولة للحاق بقطار الثورات العربيَّة وإن غدًا لناظره لقريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق