الثلاثاء، 17 مايو، 2011

هل غير الدكتور طه حسين اراءه في سنواته الأخيرة ؟

هل غير الدكتور طه حسين آراءه في سنواته الأخيرة؟
 
المؤلف : د. أنور الجندي
 
من موسوعة ( في دائرة الضوء ) وهي سلسة كتيبات رقم 32
للأستاذ أنور الجندي

كان السؤال المطروح هو: هل حقيقة أن الدكتور طه حسين غير آراءه في سنواته الأخيرة؟ وكانت الإجابة على الوجه الآتي:إن الدفاع عن طه حسين من بعض عارفيه ومريديه وكل من كان له عليهم فضل أو لهم به صلة، هو من حقهم.. ولكن المعادلة الصعبة هي أن المسئولية الأخلاقية أمام الأجيال هي اكبر بكثير من العاطفة الفردية والهوى الشخصي.
إن هؤلاء القوم ما كادوا يرون هذه الصورة التي كشفت حقيقة طه حسين تنشر على الناس حتى بادروا إلى الدفاع عنه بالقول:
· لقد غير الدكتور طه حسين آراءه في آخر حياته.
· لقد تراجع الدكتور طه حسين عن أخطر آرائه.
والقصة تسمعها من الكثيرين.. ولكن هل هي صحيحة حقاً؟.
الواقع أن هناك ما يمكن أن يقوله هؤلاء: أن الدكتور طه كتب "على هامش السيرة" وبه كفر عن "الشعر الجاهلي"، وكتب كتابه "الشيخان" عن أبي بكر وعمر.. وبه كفر عن "مستقبل الثقافة".
وذلك كله خداع وباطل.. فإن الدكتور طه لم يغير آرائه مطلقاً.. لأنه كما يقول الدكتور محمد نجيب البهبيتي: كان له حارس وديدبان يحول بينه وبين ذلك.. هذا الحارس مقيم في بيته يلفت نظره دائماً إلى الخط المتفق عليه.. ولكن الدكتور طه حسين غير أساليبه ووسائله في سبيل أن يصل إلى قلب القارئ المسلم. وبعد أن كانت أساليبه هي الهجوم على الإسلام أصبحت تقوم على ترضي الإسلام داخلياً ودس السم على مراحل خلال البحث، ولا يقل السم المدسوس في كتاب "الشيخان" عن السم المدسوس في "هامش السيرة" أو في "الشعر الجاهلي" ولكن القوم لا يعلمون وسائل إخفاء الشبهات.
إن الذي يتردد على الألسنة هو: أن كثيراً من أصدقاء طه حسين واجهوه برأيهم في "الشعر الجاهلي" أو "هامش السيرة" أو "مستقبل الثقافة" فقال لهم: "لو استقبلت من أمري استدبرت ما كتبت الشعر الجاهلي" أو قوله: "اكتم عني" أو قوله للسفير المسلم أحمد رمزي عن كتاب مستقبل الثقافة: "إنني متفق معك على أن في الكتاب أخطاء كثيرة" ذلك هو أسلوب طه حسين المرن الماكر الخادع الذي لا يواجه بالمعارضة أو الهجوم، ولكنه يلين حيث يرى أن صاحبه واع لسمومه، فإذا وجد من يجهل لم يمتنع عن خداعه. وقصته مع اللواء محمود شيت خطاب معروفة. فقد قال في آخر أيامه أن القرآن كان غير منقوط فكان يقرأ على قراءات مختلفة ففي آية: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأفتبينوا" كانت تقرأ فتثبتوا" فرده محمود شيت خطاب وقال له: هذا كلام أعداء الإسلام..

أما القول بالتراجع فإن هناك من الأدلة الكثير الذي يكذبه:

أولاً: أن أسلوب التراجع معروف.. وهو أن يعلن الكاتب أنه كان يقول بكذا ثم تبين له سوى ذلك، وأن يوقف على الفور ما له من مؤلفات في هذا الصدد.
ثانياً: أن يعلن أنه اتخذ هذا الأسلوب كوسيلة للعمل ثم تبين له أنه لا ينتج وأنه تحول عنه.
ومثل الحالة الأولى الإمام الأشعري، ومثل الحالة الثانية الدكتور محمد حسين هيكل..
فهل تراجع طه حسين حقاً، عن رأي من آرائه وهو حي، وأعلن ذلك.. ذلك ما لم يحدث.. وهل يكفي أن يتراجع طه حسين عن رأي أو آخر في مساره خاصة مع صديق، دون أن يوقف هذا الرأي عن الذيوع والانتشار.. إن ذلك لا يكفي، بل إن هذا يؤكد إصرار الدكتور طه على الرأي وحرصه على أن يذيعه في الناس فيفسد به مزيداً من العقول والقلوب.. ولقد أشار كثيرون إلى وقائع الدكتور أحمد الحوفي والسيد محمد بهجت الأثري، وسعيد الأفغاني، ولكت هل توقف طه حسين عن آرائه، هل حدث تلاميذه بشيء من هذا التراجع، إنذ ذلك الأمر ظل قاصراً على مسمع عدد قليل من أصدقائه.
هذا شيء.. وهناك شيء آخر.. إن بعض مقالات الدكتور طه التي نشرها في أول الشباب وفيها آراؤه الجارحة قد عاد فجمعها في مؤلفات صدرت في آخر حياته.. وهذا يعني إصراره على تلك الآراء وأنه لم يتنازل عنها.
أما القول بأن كتبه على "هامش السيرة" أو "الفتنة الكبرى" أو "الشيخان" هي تراجع عن آرائه السابقة وتحول إلى الإسلام فذلك قول سائج وقد فندنا ذلك في كتابنا عن طه حسين.. ونضيف بأنه كانت هناك مؤامرة وفشلت.. هذه المؤامرة ترمي إلى تنصيب الدكتور طه (إماماً للإسلام) وقد غضب القوم عندما هاجم الإسلام بعنف في المرحلة الأولى وطلبوا إليه أن يدخل الإسلام من باب آخر حتى يمكن أن تكون آراؤه حجة على المسلمين من بعد في فتوى ضالة على النحو الذي حاول أن يتحدث به في مؤتمر الحوار بين الإسلام والمسيحية.. وهو حوار مشبوه، ولكن آراء طه حسين التي قدمها في هذا المؤتمر لم تلبث أن أصبحت حجة من بعد ووصفت بأنها مبادرة طيبة ومقدمة لما قام به البعض بعد ذلك في طريق محفوف بالمخاطر والشبهات.
وكانت الخطة أن يعود طه حسين إلى الإسلام في ضجة ضخمة، واختاروا لها وسيلة وخطة:
أما الوسيلة فهي كتابه على هامش السيرة، أما الخطة فهي الانضواء تحت لواء حزب الأغلبية (الوفد) لتكون قدرة طه ونفوذه أقوى في تحقيق الأهداف المرسومة.. ولقد خدع كتاب هامش السيرة كثيرين وظنوا أنها دعوة حارة إلى الدين، وخفى عليهم جانب السخرية والتهكم الواضح فيه والذي كشفه الرافعي منذ اللحظة الأولى.
أما "الفتنة الكبرى" فإنه محاولة جريئة لتبرئة اليهود من فتنة (عبد الله بن سبأ) وهي فتنة جذور عميقة في تاريخ الإسلام فأراد طه حسين أن يخدم اليهودية العالمية بعمل آخر مضاف إلى قولته في إبراهيم وإسماعيل، وفي كتابته عن قضية اليهود في ألمانيا وأوروبا، ويتصل ذلك بإصدار مجلة الكاتب المصري ومحاضراته في الدور الإسرائيلية في القاهرة والإسكندرية.
وهناك الوثيقة التي تدحض كل الشبهات وهي حديثه مع مجلة الاثنين التي كانت تصدرها دار الهلال. والاتهام موجه فيها صراحة إلى الدكتور.
وإذا كانت هناك محاولة لتبرئة الدكتور من آرائه القديمة فإننا نقبل بأي نص صحيح يكون فيه الدكتور طه قد تراجع عن رأي من هذه الآراء الخطيرة التي قدمها خلال حياته ومن خلال كتبه وآثاره.
وفي هذا رد على محاولة البعض بالقول بأن طه حسين صحيح العقيدة.

وهذه هي الوثائق:
 
رأيه في الدين:
 
1- إن الدين حيث يثبت وجود الله ونبوة الأنبياء ويأخذ الناس بالإيمان بهما يثبت أمرين لم يستطع العلم أن يثبتهما.. فالعلم لم يصل بعد إلى إثبات وجود الله ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الانبياء.
2- إن العلم ينظر إلى الدين كما ننظر إلى اللغة وكما ينظر إلى الفقه وكما ينظر إلى اللباس من حيث أن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يحدثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة في تطورها بما تتأثر بما تتأثر به الجماعة.
إذن فالدين في نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحي وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها.
"وهذه آراء الفيلسوف اليهودي دوركايم.

رأيه في القرآن:
 
لاشك أن الباحث الناقد والمفكر الحر الذي لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كاتب ديني آخر يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا يربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة وتأثير بيئات متباينة.. فمثلاً نرى القسم المكي فيه يمتاز بكل ميزات الأوساط المنحطة، كما نشاهد أن القسم المدني اليثربي تلوح عليه إمارات الثقافة والاستنارة.. وإذا دققتم النظر وجدتم القسم المكي ينفرد بالعنف والقسوة والحدة والغضب والسباب والوعيد والتهديد، ويمتاز كذلك بتقطيع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات والخلو التام من التشريع والقوانين، كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة التي تشبه بيئة مكة تأخراً وانحطاطاً، أما القسم المدني فهو وديع لين مسالم يقابل السوء بالحسنى ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين، كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع وسائر المعاملات، ولاشك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن.
"وهذه آراء الفيلسوف اليهودي جولدزيهر".

رأيه في الرسول صلى الله عليه وسلم:
 ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه من قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم وأن تكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصى، وأن تكون قصى صفوة قريش، وقريش صفوة مصر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية.
"وهذه آراء الفيلسوف اليهودي مرجليوث".
هذه هي آراء طه حسين موجزة في الإسلام والقرآن والنبي، فهل غيرها".
الواقع أنه ليس هناك دليل من كتاباته الأخيرة أو آثاره من نص يمكن أن يدل على تغير هذه النظرة، بل إن كل الكتابات توحي بأنها أساس لفكرته عن الإسلام ومفهومه له.

حادث السطو التاريخي:
 عاد السؤال الملح الحائر حول الدكتور طه حسين مرة أخرى.. بعد أن عادت الصحف إلى إعادة تقييمه ومحاولة رد اعتباره بكتابات ساذجة لا تخدع أحداً.. وكان أولى أن يوضع طه حسين في قائمة كتاب السياسة الحزبية المتصارعة قبل عام 1952 م بكل ما صنعت من توسيد لمفاهيم الهجاء والكلمة الجارحة التي امتد أثرها إلى مجالات الكتابة الأدبية والاجتماعية.. وقد كان طه حسين أحد الهجائيين الكبار.. فضلاً عن ولائه للقصر، وإدعائه من بعد أنه كان مبعداً أو مغضوباً عليه.. وهو الذي ترقى من أستاذ في الجامعة إلى عميد إلى مدير إلى وزير التعليم.. ولم تكن عبارته الصارخة في مدع الملكين فؤاد وفاروق إلا رمزاً لتلك العبودية، وذلك الذل والخضوع.. وقد كان أولى أن يسقط طه حسين من ذلم الركام الذي مضى وانتهى.. ولكنع أعيد لما يحمل من مفاهيم مسمومة يراد لها أن تنتشر وتشير أبحاث خصوم العرب والإسلام إلى دعمها وحمايتها.
ولقد كان كتاب (طه حسين.. حياته وفكره في ميزان الإسلام) خنجراً في صدور الكثيرين حتى جرت محاولاتهم لرد اعتبار طه حسين.. وسافر مستشرقون إلى البلاد العربية للحديث والمحاضرة عنه، والاعتذار عن أخطائه.. وجرت تلك القلة المضللة بأنه تخلى عن أفكاره المسمومة.. ولكن الله تبارك وتعالى الذي يريد أن يظهر الحق ويؤكده شاء أن تصدر في الفترة الأخيرة ثلاثة مؤلفات هامة وضخمة لرجال ثلاثة هم:
الأستاذ محمود محمد شاكر.الدكتور نجيب البهبيتي.الدكتور عبد المجيد المحتسب.
وهذه الكتب الثلاثة كشفت مزيداً من الحقائق، ودحضت كثيراً من أهواء القوم.. فهذان رجلان تتلمذا على عميد الأدب في الجامعة، وقد شاء الله لهما أن يكشفا هذه الصفحة الخطيرة: صفحة السطو والمراوغة والمكر التي أخفاها وراء مظهره الأنيق وكلماته البراقة.
فيكتب الأستاذ محمود محمد شاكر في كتابه "المتنبي" فصلاً مطولاً في 160 صفحة عن هذه العلاقة بين الأستاذ والتلميذ على نحو يكشف عن المرارة الشديدة التي دفعت الطالب الصغير إلى أن يترك كلية الآداب نهائياً تقززاً وكراهية لذلك الأسلوب المسموم الذي يصطنعه عميد الأدب العربي فيقول فيما يقول:
الأمر وما فيه هو أن الدكتور طه حسين أراد أن يثيرنا نحن طلبة الجامعة يومئذ بمسألة غريبة هي مسألة "الشعر الجاهلي".. هذه المسألة من حيث أن الشعر الجاهلي منحول موضوع، وأنه شعر إسلامي صنعه الرواة في الإسلام مسألة كنت أعرفها قبل أن أدخل الجامعة، وقبل أن يلقي علينا الدكتور ما ألقى.. لأني كنت قرأتها في مقالة الأعجمي "مرجليوث" ثم جاء الدكتور طه حسين يردد أقوال مرجليوث وآراءه وحججه.. بجوهرها ونصها.. فلم يزد الأمر عندي على أن يكون ما استمع عليه "حاشية" على متن من المتون.. ولكنها حاشية من نوع مبتكر.. هي حاشية الدكتور طه.. على متن مرجليوث (وهي المعروفة عند الناس باسم كتاب في الشعر الجاهلي)تتابعت المحاضرات وكل يوم يزداد وضوح السطو العريان على مقالة مرجليوث وهي مسألة فارغة.. بذرتها ثرثرة، وشجرتها ثرثرة، وثمرتها ثرثرة أنشأت عندي قضية هي قضية السطو على أقوال الناس وآرائهم وأعمالهم، ثم إدعاء تملكها بملك عزيز مقتدر، ثم الاستعلاء بهذا الملك المغصوب، والاستطالة به على الناس.. وأبشع من ذلك أن ينكشف أمر هذا الغصب والسطو ويتسامع به الناس، ويدل الكتاب والعلماء على الأصل المغصوب كتابة موثقة منشورة، فلا يبالي الساطي بشيء من ذلك كله.. بل يزداد جرأة وتيها، وإدعاء واستعلاء واستطالة.. وكأن الذي قيل عن سطوه لم يقل، وكأن ظهور سطوه فضيلة ترفع من قدره، وتنوه به في المجامع.. أما أنا فلم أزل أعد هذا المسلك احتقاراً للناس أي احتقار، وازدراء بهم وبعقولهم، وإنزالاً لهم منزلة من لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل ولا يحسن.. هذه هي القضية التي لم تزل حية في نفسي منذ خمسين عاماً. وكل يوم أقول لنفسي عسى ولعل.. وأتوقع أن يذكر الدكتور طه اسم مرجليوث مرة وينسب إلى الرجل رأيه في السعر الجاهلي مجرد إشارة.. يا لحيرتي وعجبي.. لو مرة واحدة ذكر الدكتور طه اسم مرجليوث لنجوت من هذه "الغول" التي كانت تفزعني وتتشبث بي جارة لي في قاعة المحاضرات وخارج القاعة.. وتفاقم أمر قضية السطو في نفسي واستبدت بي جارتي الغول حتى لم تدع يوماً بعد يوم قعقعة معنى الجامعة في نفسي وهو يتقوض يريد أن ينقض.. وفي خلال ذلك كان مني ما كان يوم وقفت أجادل الدكتور طه في "المنهج" و "الشك" حتى انتهرني، ثم استدعائي فدخلت عليه فعاتبني وأنا صامت لا أستطيع أن أرد.. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها مسلوخة كلها من مقالة مرجليوث.. لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير.. ولكني كنت على يقين من أن يعلم أني أعلم من خلال ما أسمع من حديثه.. ولكني لم أكتمها في حديثي مع الدكتور طه.. وهي انه سطا سطواً كريهاً على مقالة المستشرق الأعجمي.. صارحت بذلك "نلينو" و "جويدي" من المستشرقين وكانا يعرفان.. ولكنهما يداوران.. وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور طه زماناً إلى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها لا الجامعة وحدها".
تلك هي كلمات قليلة مما كتب الأستاذ محمود شاكر عن الدكتور طه أستاذه في الجامعة تكشف في وضوح خلفية طه حسين الذي يتشدقون بعظمته وفضله، ونبل خلقه وعلمه.. ولكن مهلاً.. فإليكم صورة أشد قوة يقدمها الدكتور محمد نجيب البهبيتي في مقدمة كتاب ضخم بلغت صفحاته 660 صفحة من القطع الكبير أخلصه كاملاً للرد على سموم طه حسين وهذه هي الصورة التي رسمها بعلاقته به في الجامعة.
أولاً: فتح لطفي السيد باب الجامعة القديمة أمام هذه (المستشرقة) فأتاح لها في ظل الشرعية العلمية فرصة العمل على تنفيذ برنامجها المخطط.. وطه حسين تكفل بالدعاية لها وبالمناداة على ما عندها.. وكان دخول هذه الموجة التبشيرية الجديدة في زفة العروس العامل الأول الذي غطى حقيقتها.
ثانياً: هذه المؤسسة التي سميت تجاوزاً وطموحاً بـ "الجامعة المصرية القديمة"، ما كانت إلا مؤسسة ثقافية عامة يدب إليها من شاء دون شروط أو قيود.. فالتفت فيها المتباينات، وأصبحت مورداً مباحاً للطموحات غير المتوازنة.. فدخلها طه حسين وهو الرساب بالجهل المركب في (عالمية العميان) بالأزهر ولعل الدكتوراه لم توجد ابتداء في هذه المؤسسة المتواضعة إلا لانتشاله من الهوة التي ألقى به إهماله فيها وهو طالب في الأزهر.. فلقد كان المشرفون على هذه الجامعة الإسمية يستأجرونه لحسابهم في النيل المزرى بخصومهم.. ودخل طه حسين الجامعة في حماية لطفي السيد وحزبه.. وكان معروف الاسم بما شتم الشتم الذريع لألمع شخصيات ذلك العصر.. ولم يكن بعد غريباً أن يسحبه (سانتيلاتا) إلى مجالس الأزهريين ليحرج بالوحي المستنزل عليه أساتذته الأزهريين.. ومن هذه الهالة الجامعية بدأت أعمال التخريب للحياة الإسلامية وكبدها وقلبها الحياة العربية.
ثالثاً: كانت سياستهم بالقياس إلى بناء طه حسين تتلخص في نقاط أربع:
1- تكبيره بالشهادة المصنوعة وبالدعاية.
2- نلقه نقلاً تاماً إلى معسكرهم عن طريق إيداعه داراً وإعطائه حياة يصبحان القالب الدائم الملازم له في أيامه، قالب من حرير لكنه صفيق لا يلين ولا يتبدل.. ومن هنا كانت المرأة الوفية جداً التي تزوجها في باريس بواسطة قسيس ذكروا أنه توسط في إقناع أهلها على الموافقة بعد رفض.. وقصة الرفض هذه لم تكن واردة قط.. فالفتاة فقيرة.. ولعل الشقة التي أنزل فيها طه حسين في باريس كانت هي مصدر العيش الذي كانت الأم تعيش منه مع راتب ابنتها مع عملها على صندوق محل حلاقة في الحي الجامعي في باريس.. وقد ظلت الأم تؤجر غرف هذه الشقة لمن تشاء حتى أيام كان الدكتور محمد القصاص في باريس نزل عندها وظلت طوال الليل تحدثه عن ابنتها.. وقضى ليلة واحدة نجا بعدها بجلده خوفاً من أن يبلغ خبره طه حسين فيمسخه قرداً.. فالأم وحيدة.. ولم يظهر في الأفق المعروف لزيارات طه حسين لباريس أي عرض يشير إلى أقرباء للزوجة أو خالات أو أعمام أو جد للأولاد أو صهر للرجل.. وطه حسين لو جد أهلاً يصلحون للحديث ما وفره (ص 20 مقدمة كتاب الدكتور البهبيتي).
3- السفر كان كل صيف إلى باريس.. ونفقاته تدبر من هنا في مصر ومن هناك.
حكى لي الأستاذ إبراهيم مصطفى قال: إن طه كسب كثيراً.. ولكن إسراف إمرأته لا يبقي على شيء.. كنت أودعه على الباخرة الحاملة له إلى أوروبا كل صيف فأجد رجلاً من أصحاب دار المعارف في وداعه معي فإذا لقيه سلمه صكاً بألف جنيه على مصرف فر فرنسا ليغطي بعض نفقاتهم هناك.. أما في فرنسا فقد كان طه حسين ابن فرنسا البار الوفي يلقى بما يلقى به الأوفياء وما عاد طه حسين إلا ومعه كتاب كتبه هناك لاشك يلخص النتائج التي انتهى إليها الاستشراق إلى إخراجها في تكتيك العمل المتصل على تنفيذ الخطة المرسومة.
4- البيت الذي ينزله في مصر لابد أن يكون قطعة تتم الصياغة التي عاد بها من أوروبا، ومن فرنسا خاصة.. ولم يكن ينقصه إلا السكرتير فكان (جزويت القاهرة) يتولون توفير هذه اللمسة الأخيرة.. وفريد شحاته كان إحدى هباتهم له.. كان هبة كاملة لا ينقصها شيء: أعطى له عبداً لا يملك لنفسه شيئاً.. فهو رهن أمره في الليل وفي النهار وهو عكازته التي يتوكأ عليها حيثما ذهب.. عمل معه منذ نعومة أأظافره لا يكاد يتم السادسة عشرة وطرد بلا رحمة وقد أشرف على الهرم.. وعاش فريد مملوكاً لطه حسين ما يقارب نصف قرن.. وهكذا قضى طه حسين عمره الطويل الذي جاوز فيما أعتقد التسعين في هذا القالب الحديدي.. بين إمرأة نصرانية وسكرتير مسيحي منتدب من قبل الجوزيت لا يغيب طه حسين عن عينه وهي عين الجزويت وولدين كلود ومرجريت لا يناديهما الأب أو الأم أو السكرتيرة أو الخادم إلا بهذين الاسمين.. كلود ومرجريت.
رابعاً: الدكتوراه التي يحملها طه حسين ليست دكتوراه الدولة.. لأنه لم يكن حصل على الشهادة الثانوية.. وقد امتحن في غير مادة الشهادة التي منحت له اسماً.. ثم عاد إلى منصر ليدرس التاريخ الروماني في ظل شهادة اسمية.. والواقع الذي أعرفه عن طريق ابتلائي بالرجل أنه لم يكن يعرف اللاتينية التي طالما ملأ شدقيه بالقول أنه درسها فضلاً عن جهله الكامل للغة اليونانية.
خامساً: ما كدت أقترب منه حتى فجعت في الصورة الخيالية التي كانت تقوم له في ذهني.. كان يقع وراء أسوار الجامعة كياناً طرياً جداً، كما تقوم القوقعة تحت الصدفة لا تكاد تمد يدك إلى ما وراء الصدفة حتى تصادف كياناً هالكاً.. فقد كان ذهناً هشاً، ومنهجاً مراوغاً زواغاً هراباً إلى السكوت عند احتدام الصراع وكان دائم التكرير لنفسه ما يقوله في هذا العام هو نفسه في العام المقبل".
وبعد.. فما قاله الدكتور البهبيتي في كتابه الضخم: "المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين" كثير ويمكن تقديمه للسادة المغرورين في "عظمة" عميد الأدب ونحن على استعداد لأن نهدي لهم هذا كله – بالإضافة إلى ما قدمناه لهم في كتابنا "طه حسين.. حياته وفكره في ميزان الإسلام" نقدمه لرجاء النقاش وعبد المنعم شميس والآخرين".
أما الدكتور المحتسب فقد كان كتابه: "طه حسين مفكراً" عملاً جديراً بالتقدير.. فهو رسالة جاكعية قدمت لكلية الآداب في الأردن.. وكاتبها لم يقرأ إلا أعمال طه حسين، ولم يتصل بالبيئة التي شاهدت عمل هذا الرجل ووجوده.. فكانت كلمته رمزاً على الحق الخالص.
يقول: "أربعون عاماً ينفقها طه حسين في الدعوة للفكر الرأسمالي، والثقافة الفرنسية الفرعونية.. ثم ينقلب ويتحول إلى الدعوة القومية العربية.. وطه حسين من بناة الفرعونية طيلة أربعين عاماً.. فكيف يصير واحداً في بلاد المسلمين مع الأفكار الغربية الرأسمالية وقد وظف طه حسين نفسه للترويج والدعوة – التي لا تعرف الملل أو الكلال – إلى الفرعونية والدعوة إلى القومية بضاعة أوروبية رأسمالية في العصر الحديث.
وإذا كان طه حسين يروج للفكر الرأسمالي والحضارة الغربية فلا غرابة في دعوته وترويجه "للثقافة اليونانية والثقافة الفرنسية".
وقد وجد كتاب الدكتور المحتسب من أولياء التغريب خصومة شديدة.. فمنهم من حاربه كعمل جامعي، ومنهم من حاربه كعمل أدبي.. وما كان الرجل طامحاً إلا إلى أنر واحد أن يصدع بكلمة الحق ويكشف زيف هذا الطاغوت الواسع الشهرة.
ولا ريب أن هذه الكتابات الخالصة لوجه الله والحق تكشف فساد تلك الحملات الواسعة التي تجرى لرد الاعتبار لعميد الأدب بمحاضرات يلقيها المستشرقون في الدول العربية أو فيلم سينمائي ساقط أو ربط طه حسين بالسيرة النبوية فما يستطيع ذلك كله بعد اليوم أن يحجب حقيقة طه حسين.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * * * وأن خالها تخفي على الناس تعلم
مهرجان طه حسين:
كانت أكثر أسئلة الندوة منصبة على "مهرجان طه حسين" الذي عقد بهدف إعادة الثقة في طه حسين وفكره ومفاهيمه بعد أن اهتزت في العام الأخير (1978 م) اهتزازاً شديداً بظهور عدد من الكتب والأبحاث تكشف كثيراً من الأسرار.. وبالرغم من الجهد الذي بذله المستشرقون في المهرجان للدفاع عن وجودهم من خلال الدفاع عن طه حسين.. فإن الأحداث نفسها أرادت أن تؤكد الحقائق الصحيحة، وتكشف الزيف المصنوع.. وكان من أبرز هذه العوامل فشل فيلم "قاهر الظلام" بعد أن عدل أكثر من مرة.. لأنه لم يستطع أن يقدم للناس إلا صورة رجل محمول على أكتاف الفرنسيين، وحياته كلها كراهية للإسلام وهجاء للأزهر فهم عند ذلك أنه هجاء للإسلام نفسه غير أنه مغلف بهجاء العلماء.. وقد حمل أكثر من خطيب في المساجد يوم الجمعة على حلقات الأيام التي عنى بإذاعتها استكمالاً لحملة إعادة الثقة إلى الجثمان الهامد.
وكان أخطر أحداث هذه الساعات هو الخبر الذي نشرته مجلة أكتوبر والذي تسرب مرة من أن الدكتور طه حسين زار اليهود وأم الجامعة العبرية بالقدس عام 1944 م حسب رواية الدكتور حسين فوزي.. وكان إذ ذاك مديراً للجامعة المصرية بالنيابة.. وقد تكتم الدكتور طه وأصحابه هذا الخبر طويلاً وإن كان صمت طه حسين عن مسألة فلسطين خلال أربعين عاماً يوحي بما يوحى فقد عرف أنه لم يكتب كلمة واحدة عن فلسطين حياته كلها.. وقد كان هذا اللقاء في تل أبيب مقدمة لإنشاء مجلة الكاتب المصري التي مولها اليهود والتي يلفت النظر فيها مقاله في العطف على مهاجري اليهود الذين نزلوا في ميناء حيفا وهو مسافر بالباخرة إلى بيروت.
كذلك فقد كانت كلمة الأستاذ الكبير أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، والمؤرخ الكبير الذي عايش الأحداث في مجلة وزارة الثقافة إبان الاحتفال بطه حسين هي قنبلة الموسم.. فقد أشار إلى ما كان قد كتبه الأستاذ فريد شحاته سكرتير الدكتور طه حسينلأربعين سنة في مجلة الإذاعة المصرية قبيل وفاة العميد بأن العميد اعتنق النصرانية في فرنسا، وأقيمت الطقوس المؤدية إلى ذلك في كنيسة قروية بفرنسا.. وأشار الأستاذ أحمد حسين إلى أن طه حسين "يمثل الفترة المرفوضة في تاريخ مصر" ومن ذلك ما ذكره من أن طه حسين كان يكتب في صحيفتين متعاديتين في وقت واحد.. كل منهما كان يعتبر الآخر كافراً.. ومع ذلك فقد كانت كلتا الجريدتين تفسح صدرها لهذا الطالب الأزهري الكفيف.. وإن كانت هذه الواقعة تقطع بذكاء طه حسين فإنها تقطع بثورته على القيم السائدة.
وقال: ومن ذلك مقالاته في الهجوم على الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي.. نرى أنه كان شعاراً لغره ممن يريدون النكاية بالمنفلوطي دون أن يجدوا في أنفسهم الشجاعة.. فاستخدموا هذا الفتى الضرير الذي لم تنقصه الشجاعة في تحدي الجماهير، وكان يحصى عليه الألفاظ والتراكيب.. وغني عن البيان أنه ما كان لشاب مبتدئ فوق كونه كفيفاً أن يخوض مثل هذا المعركة إزاء شيخ من فحولها.. وقيل أن الأستاذ محمد صادق عنبر هو الذي كان يزود طه حسين بمادة مقالاته (مع ملاحظة أننا ذكرنا هذه الواقعة بالتفصيل في كتابنا) "طه حسين.. حياته وفكره في ميزان الإسلام".
ويقول الأستاذ أحمد حسين:
"ونراه على سبيل المثال قطباًَ من أقطاب الأحرار الدستوريين.. ثم نراه يتحول إلى قطب من أقطاب الوفد.. وهو وضع انفرد به طه حسين.. وقد شاهدت مصر أقطاباً يخرجون من الوفد ليصبحوا من معارضيه.. ولكنا لم نجد أبداً مع الوفد إنساناً عارض الوفد ثم أصبح من أقطابه حتى ليدخل الوزارة.. ولكن طه حسين كان هذا الإنسان الفذ الذي خاصم الوفد أشد الخصام عندما كان الوفد هو القوة الساحقة الشعبية في مصر، ثم أصبح من أقطابه دون أن يرى في ذلك أي حرج!!.
ثم قال الأستاذ أحمد حسين:
إن ذلك يقطع بأنه لا يحترم المبادئ، ولا يقيم وزناً للقيم التي تعارف عليها البشر، وأن كل ما يعنيه هو إثبات ذاته من خلال الخروج عن المألوف وما تواضع عليه المجتمع.. لنتصور أنه منذ سبعين سنة تقريباً حيث كانت فرنسا حامية المسيحية قد تزوجت فتاة فرنسية مسيحية من أسرة ممعنة في المسيحية شاباً مصرياً فقيراً كفيفاً مسلماً.. وتم ذلك بماركة الأسرة كلها بما في ذلك القسيس قريبها.. أقول إن تصديق هذه الصورة لا يكون إلا بإلغاء عقولنا وتكون رواية الأستاذ فريد شحاته أقرب الناس إلى طه حسين أربعين سنة هي الرواية الوحيدة التي تفسر لنا هذا الذي حدث.. فلابد أن يكون أشخاص ذوو نفوذ قد أشرفوا على العملية كلها ومولوها، وتحدثوا عن الدور الخطير الذي سوف يقوم به هذا الشاب الذي وإن كان ضريراً فهو مقتدر.. وسوف يعهد له بدور خطير في حياته، وبغير هذا الضمان والتمويل المالي بمبالغ باهظة مع الوعد بتقديم مبالغ أكثر وأن يعتنق طه النصرانية كتأكيد لذلك كله هو الذي يفسر لنا لماذا تم الزواج بموافقة الأسرة كلها.. ولماذا وافقوا على أن تسافر الزوجة إلى المجهول.. إلى أفريقيا، مع شاب فقير ضرير.. إنها قصة لو لم تكن حدثت بالفعل لما صدقها إنسان، ولا تعليل لها إلا أنها من نوع قصص المبشرين الذين قصدوا مجاهل أفريقيا".
هذا الذي ذكره رجل جليل الشأن، وزعيم بارز.. هو الأستاذ أحمد حسين إنما يمثل صوت الحق الذي أطلقه الله تبارك وتعالى في احتفالات تكريم طه حسين ليكون تأكيداً لما قررناه وقرره محمود محمد شاكر، ومحمد نجيب البهبيتي، وعبد الحميد المحتسب وكثيرون.. وقد عرضنا لهذه النقاط في كتابنا. ولكنا لم نتوقف عند نقطة اعتناق المسيحية وتركناها ليجليها الزمن، والمعاصرون للواقعة وغيرها.. وعندنا أن ما فعله طه حسين هو أكبر من هذا الحدث لأنه كان ولاء للقوى العالمية الكبرى التي كان عليها أن تحارب الإسلام في قيمه وتاريخه، وقرآنه ورسوله ولغته.. وهو ما فعله طه حسين.. ولقد حاول كثير من خطباء المهرجان الدفاع عن طه حسين على طريقة من الطرق.. ومن يقرأ كلام الأستاذ أحمد حسين علي يجد فيه الرق المفحم على ما نشره "كمال قلته" في مجلة الجديد حين قال: "إن طه حسين يتسم بالشموخ".. ولست أدري.. أي شموخ هذا.. هل في استسلامه للمستشرقين، أم لرجال الأحزاب، أم للملك، أم لكل حاكم؟!! إن أصح ما يوصف به موقف طه حسين هو "الذلة" التي ما بعدها ذلة والتبعية التي وصلت إلى أبعد حدود العبودية!!.
وفي خضم هذه الأحداث وصلت مجلة الأزمنة العربية التي تصدر بدولة الإمارات، وفيها مقال للأستاذ محمد راشد شبيطة عنوانه: "سبعة دكتوراه ضد العروبة والإسلام" وهو فيه يتساءل لماذا أعطت هذه الدول الأوروبية للدكتور طه حسين هذه (الدكتوراهات) أليس ذلك أمراً مثيراً للدهشة.. وهو يدل على شدة اهتمام الغرب بطه حسين، وغرس أفكاره في نفوس الناس لأنها ضد الإسلام.. وكذلك أشار إلى الظاهرة الخطيرة التي دعت إلى إرسال مستشرق إلى أبو ظبي وغيرها من البلدان للمحاضرة عن طه حسين.. ولماذا لم يحاضر مثلاً عن ابن خلدون.. ويقول: أنه لم يأت ليتأكد أننا ما زلنا نقدس طه حسين.. وإذا كنا فعلاً كذلك فإنه سيعود إلى أوروبا مطمئن النفس إلى كوننا ما زلنا في سبات عميق وإن لم نكن كذلك فسيتكفل بغرس أفكاره في نفوسنا وعقولنا.
وفي مجلة الثقافة على عددين متتاليين (أبريل 79، مايو 79) كشف فيها الكتاب حقائق مذهلة عن طه حسين.. فالأستاذ محمد عبد الغني حسن عضو المجمع اللغوي يتحدث فسي ست صفحات مطولة عن جريمة طه حسين في حق الشاعر محمود أبو الوفا حين يكتب مقالاً حمل فيه على محمود أبو الوفا عام 1934 م قال:
"إن نقد طه حسين لأبي الوفا وشعره لم يصدر عن براءة وتنزه وحيدة.. ولكن أصدرته نفس فيها موجدة كثيرة على (أبو الوفا) وما أكثر ما كان الدكتور طه حسين يخضع نقده لاعتبارات خاصة وعوامل شخصية بعيدة عن نزاهة الرأي.. وذنب الشاعر أبو الوفا عند طه حسين أنه لم يكن من شيعته ولا من حزبه وبطانته".
ويكفينا هذا من الأستاذ محمد عبد الغني حسن.
أما الموضوع الثاني فهو تعليق الأستاذ أحمد حسين الطماوي على كتاب فتحي رضوان (أفكار الكبار) فأشار إلى هجوم طه حسين على صوم رمضان في أشعاره القديمة وقوله:
لو أن لي في الناس حكماً نافذاً * * * ألزمت بالإفطار كل الناس
وقد أورد في مقاله الذي هاجم فيه الصوم (مجلة مصر الفتاة 15/9/1909) حيث قال: "نبغض الصوم ونمله" واستشهد في ذلك بشعر لأبى نواس قال فيه، إذا مضى من رمضان النصف حل لنا اللهو والقصف، وشعر لابن الرومي وصف فيه شهر رمضان بأنه شهر ثقيل بطيء الظل والحركة.
وهكذا تنكشف خبيئية طه حسين قبل سفره إلى أوروبا وهو ما أشار إليه الأستاذ أحمد حسين من أنه لا يحترم المبادئ، ولا يقيم وزناً للقيم التي تعارف عليها الناس، وأنه منذ اتصل بالمستشرقين في الجامعة المصرية القديمة فقد أعد نفسه لحياة معينة.. وأشار الكاتب إلى مغالاة طه حسين في مدى تأثير الثقافة اليونانية على المصريين عل نحو ما نقرأ في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" غلواً شديداً أخرجه عن دائرة الصواب في كثير مما قاله.
وردد الكاتب ما ذكره فتحي رضوان في دراسته عن طه حسين ليوضح لنا أثر الثقافة الغربية ويمهد لهذا بقوله:
"وقد كانت نفس طه حسين كالمكان الفارغ.. فإنه لم يحصل من العلم الأجنبي قبل وفوده إلى مونبيليه وباريس إلا قليلاً، ومن هنا كان يفرح بكل ما يصل إليه من كتب فرنسا وأساتذتها وعلمائها، ويعجب به ويتأثر به ظاهراً وباطناً، ويراه المثل الأعلى".
ومن بين ما تعلمه طه حسين في فرنسا (علمانية الدولة) و (نزع قداسة الدين من النفوس) وراح يفصل ويبين أثره في تكوين أفكار طه حسين وبالأخص الآراء التي أثبتها في كتابه (في الشعر الجاهلي) وردود رجال الدين والفكر عليها.
ولكن لماذا تأثر طه حسين بالثقافة الغربية، وجنح إلى التطرف والغلواء وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة. إن من يراجع مقالات طه حسين وقصائده المبكرة التي كان يكتبها في الجرائد قبل اتصاله بفرنسا عام 1914 م يقف على حقيقة مرة.. وهي أن هناك أفكاراً غربية تكشف عن طبيعة عقديته الدينية، وإن هذه الكتابات تدعونا إلى القول بأن نفسية طه حسين كانت مهيأة ابتداء لتلقي الآراء والأقكار التي ألقيت عليه في السربون والتجاوب معها.. وإلا فبماذا نفسر عدم اعتناق الدكتور محمد صبري السربوني لمثل هذه الآراء المتطرفة، بل إن صبري رد على ما كتبه طه حسين عن الشعر الجاهلي مع الأخذ في الاعتبارأن زوجته كانت أوروبية أيضاً واسمها سوزان أيضاً".
كل هذا الذي نشر عن طه حسين مفرقاً وحول المهرجان الذي حشد فيه المستشرقون الذين كانوا يدافعون عن فكرهم ووجودهم في العالم الإسلامي وأثرهم فيه.. وكذلك التغريبيون من خلال طه حسين وإحساساً بأن هدم طه حسين هو أكبر معول في مؤامراتهم الخطيرة على الإسلام واللغة العربية والتاريخ والرسول صلى الله عليه وسلم.. كل هذا هو صوت الحق الذي شاء الله تعالى أن ينشر ليحق كلمة خالصة، من خلال رجال أعلام: أمثال أحمد حسين وفتحي رضوان.. ولا ريب أن هذه الخيوط تكمل ما ذهبنا إليه، وما نشره تلاميذ العميد وأقرب المقربين إليه.
ومن حسن الحظ أن هذا كله نشر في مجلة وزارة الثقافة كما نشر بها مقال محمود محمد شاكر الذي يسجل فساد الاتجاه الأدبي في الجامعة وكلية الآداب بفضل طه حسين ويأتي في نفس الوقت الحديث عن مؤامرة طه حسين في "الانتماء المصري للعروبة والإسلام" وهو الموضوع الذي أثاره (عبد الحميد الكاتب) والذي يكشف بوضوح عن جريمة طه حسين في تجريد المصريين من طابعهم كعرب وكمسلمين، وربطهم بالفرعونية قديماً وبالبحر الأبيض والغرب والحضارة اليونانية على نحو ذلك الأسلوب المضلل الذي ساقه في كتابه "مستقبل الثقافة" والذي جاراه فيه بعض التغريبيين، والذي أثبتت الدراسات والأحداث فساده وكذبه، وهزمته الحقائق التي تكشف عنها وجه مصر العربي الإسلامي الذي شكل مصر أساساً، وتكشف معه ضلال فكرة السبعة آلاف عام.. فقد أجمع المؤرخون المنصفون على أن هناك "انقطاع حضاري" بين عصر الإسلام وما قبله، وأن الإسلام قد غير هذه البلاد جميعاً، وعزلها عن اللغات والعقائد والتقاليد، والأساطير والوثنيات القديمة التي عاش فيها خلال ألف سنة من حكم اليونان والرومان، وفتح صفحة جديدة من التوحيد الخالص عن طريق القرآن واللغة العربية والإسلام ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كل المحاولات الباطلة والزائفة لإعادة الفرعونية أو الفينيقية أو غيرها من الدعوات لم تنجح.. لأنه لا يوجد لها تراث أو ولا ثقافة لها أصول يمكن الارتباط بها، وهذه الدعاوي من أمثال ما كتبه محمد حسين هيكل وغيره.. وكذلك من ناحية أخرى فشلت دعوى المتوسطية والفكر اليوناني التي دعا إليها طه حسين ومحمود عزمي وأولياء النفوذ الفرنسي السياسي في الثلاثينيات والأربعينيات وتبين أن مصر تتجه إلى قبلة الكعبة وإلى مصدر النور والرسالة الفكرية الثقافية والعقائدية.. الإسلام الذي جاء خاتماً للأديان وجاء كتابه مهيمناً على الكتب وجاء كما قال الحق تبارك وتعالى: "ليظهره على الدين كله".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق