الاثنين، 16 مايو، 2011

الإمام أحمد ... إمام أهل السنَّة والجماعة

 الإمام أحمد ... إمام أهل السنَّة والجماعة

كتب أحمد عادل 

قال عنه الإمام الذهبي في كتابه القيم سير أعلام النبلاء: (هو الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (11/177)]، وكان الإمام الشافعي يقول عنه: (خرجت من بغداد، وما خلفت بها أحدًا أتقى ولا أروع ولا أفقه ولا أعلم منه) [طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، (1/7)، بتصرف يسير]، إنه إمام أهل السنَّة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل.
 
مولده ونسبه:
 
 هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل الذهلي، الشيباني، المروزي، ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (1/63-64)].
 
  ولد في بغداد سنة 164هـ في شهر ربيع الأول -780م وتنقَّل بين الحجاز واليمن ودمشق، سمع من كبار المحدثين ونال قسطًا وافرًا من العلم والمعرفة.
 
نشأته:
 
  نشأ في بغداد وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر من حواضر العالم من تنوع المسالك، وتعدد السبل، وتنازع المشارب، ومختلف العلوم، وقد اختارت أسرته منذ صباه أن يكون رجل دين، حتى إذا أتم حفظ القرآن، وعلم اللغة العربية، اتجه إلى الديوان.
 
طلب الإمام أحمد رضي الله عنه في فجر شبابه الحديث، وكان المحدثون في كل بقاع الأرض الإسلامية، فأخذ عن علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، ولعله أول محدث قد جمع الأحاديث في كل الأقاليم ودونها، وإن مسنده لشاهد صادق الشهادة بذلك، فقد جمع الحديث الحجازي، والشامي، والبصري، والكوفي جمعًا متناسبًا.
 
طلبه العلم:
 
 بدأ أحمد بن حنبل رحلته الميمونة في طلب الحديث سنة 186هـ -802م، وهو لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، واتجه إلى البصرة والكوفة والرقَّة واليمن والحجاز، والتقى بعدد من كبار علماء الأمة في ذاك الوقت، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، ووكيع بن الجراح، وأبو معاوية الضرير، وسفيان بن عيينة، والشافعي الذي لازمه ابن حنبل وأخذ عنه الفقه والأصول.
 
  وكان رحمه الله شغوفًا بطلب الحديث، فجاب الأمصار وقطع الفيافي والقفار، بحثًا عما يروي ظمأه للحديث، وما كان ليجد حرجًا في أن يقعد تلميذًا بعد أن شهد له شيوخه وأقرانه بالمكانة والمنزلة، حتى رآه بعض معاصريه والمحبرة في يده يسمع ويكتب، وكان صيته قد بلغ الآفاق محدثًا جليلًا، فيعتبون عليه قائلين: (يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين)، فيكون جواب الإمام: (مع المحبرة إلى المقبرة) [مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي].
 
جلوسه للتدريس:
 
وكانت سنة جلوسه للتدريس في بغداد (204هـ - 819م)، هي نفسها السنة التي مات فيها الشافعي رحمه الله، فكان خير خلف لخير سلف، وكانت للإمام أحمد حلقتان: واحدة في بيته يقصدها تلاميذه النابهون، وأخرى عامة في المسجد، يؤمها المئات من عامة الناس وطلاب العلم، وتُعقد بعد صلاة العصر.
 
 وكان رحمه الله أشد ما يكون مسرورًا إذا رأى تلامذته يكتبون الحديث في مجلسه، فكان يرى في محابرهم سرج الإسلام ومناراته، ولا يقول الحديث إلا من كتاب في يده، فقد كان شديد الدقة وحريصًا على أمانة نقل كلام خير البشر صلى الله عليه وسلم.
 
ولزم الإمام عدد من تلاميذه النجباء، وهم من حمل مشاعل الخير بعده، ونشروا شذى العلم في الآفاق، ومن أبرزهم: أبو بكر المروزي، وكان له من المكانة في قلب الشيخ ما كان، ومن تلاميذه أيضًا: أبو بكر الأثرم، وإسحاق بن منصور التميمي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وبقي بن مخلد.
 
منهجه وفكره:
 
  وقد اشتُهِرَ الإمام أنه محدث أكثر من كونه فقيهًا، مع أنه كان في الاثنين منارة، كما أثر عنه عدم أخذه بالقياس إلا القياس الواضح، وفي حدود الضرورة فقط، وربما كان ذلك نتيجة كونه محدثًا قد جمع الأحاديث من أقطار الإسلام كلها ما لم يجتمع لغيره، ولذا؛ عُرِفَ فقه الإمام أحمد بأنه "الفقه بالمأثور"، فكان لا يفتي في مسألة إلا إن وجد لها من أفتى بها من قبل صحابيًّا كان أو تابعيًّا أو إمامًا.
 
 أما عن وجود قولين للصحابة، فإنه يختار واحدًا من هذه الأقوال، وقد لا يترجَّح عنده قول صحابي على الآخر؛ فيكون للإمام أحمد في هذه المسألة قولان، ومن ثَم تميز فقهه في باب العبادات بأنه لا يخرج عن الأثر قيد أنملة، حيث يرى أنه ما من أحد يمكن أن يعبد ربه بالقياس والرأي.
 
  أما في باب المعاملات فقد عُرف فقهه بالسهولة والمرونة والصلاحية لكل بيئة وعصر، فكان يأخذ بالتيسير من دون أن ينقض التيسير ضابطًا أو ثابتًا من ثوابت الشريعة.
 
  ومن ثَم يمكن وصف مذهب ابن حنبل وفكره ومنهجه على أنه من أكثر المذاهب السنِّية محافظة على النصوص وابتعادًا عن الرأي، لذا تمسَّك بالنص القرآني، ثم بالحديث النبوي، ثم بإجماع الصحابة، ولم يقبل بالقياس إلا في حالات نادرة.
 
مؤلفاته:
 
  ومن أعظم ما خلَّف لنا الإمام أحمد كتاب المسند، وهو أكبر دواوين السنَّة؛ إذ يحوي أربعين ألف حديث، استخلصها من 750 ألف حديث، وشرع في تأليفه بعدما جاوز السادسة والثلاثين، وكذلك كان له العديد من المؤلفات القيمة؛ من أبرزها ما يلي:
 
-       الناسخ والمنسوخ.
 
-       فضائل الصحابة.
 
-       تاريخ الاسلام.
 
-       العلل.
 
-       السنن في الفقه.
 
-       أُصُول السُـنَّة.
 
-       كتاب أحكام النساء.
 
-       كتاب الأشربة.
 
-       العلل ومعرفة الرجال.
 
-       الأسامي والكنى.
 
-       الزهد.
 
-       سؤالات أبي داود لأحمد.
 
-       رسالة الصلاة.
 
تدوينه للمذهب:
 
 لم يدون الإمام مذهبه الفقهي، وما صنف كتابًا في الفقه في حياته، أو حتى أملاه على تلامذته، وظل الحال هكذا حتى جاء أبو بكر الخلال المُتوفى سنة (311هـ = 923) فقام بمهمة جمع الفقه الحنبلي، وكان تلميذًا لأبي بكر المروزي، ثم جاب الأمصار ليجمع مسائل الإمام أحمد وما أفتى به، فقام بجمعها في كتابه الجامع الكبير، في نحو من عشرين مجلد، ثم جلس يدرسه ببغداد في جامع المهدي، فكان هذا الجامع النقطة المركزية لانتشار المذهب الحنبلي.
 
 ثم سار على دربه أبو القاسم الخروقي المتوفى سنة (334هـ = 946م)، حيث قام بتلخيص ما جمعه أبو بكر الخلال في كتاب عرف بـ "مختصر الخرقي"، وهو الكتاب الذي له أكثر من 300 شرح، أبرزها كتاب المغني لابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (620هـ = 1233م).
 
 وكان نقطة الانطلاق التالية مع الإمام ابن تيمية عبد السلام بن عبد الله المتوفى سنة (652هـ = 1254م)، فحرر مسائل المذهب، وألَّف كتابه "المحرر" في الفقه، ثم تعددت بعد ذلك كتب المذهب وانتشرت بين الناس.
 
محنته:
 
  وكما هو الحال مع كل عالم رباني، فلابد من محنة يرتقي بها في سلم الطريق إلى الله، ويعلو بها في قلوب الناس مكانة، فها هو الإمام أحمد على موعد مع محنة خلق القرآن، فقد رفض الخضوع والتنازل في تلك المسألة التي أراد الخليفة المأمون حمل الناس على قبولها قسرًا وقهرًا.
 
  فقد أعلن المأمون في سنة (218هـ - 833م) دعوته إلى القول بأن القرآن مخلوق كغيره من المخلوقات، وحمل الفقهاء على قبولها، حتى سام من عارضه سوء العذاب بالخوف والترهيب والتعذيب، وامتنع الإمام أحمد عن الامتثال له، وكذلك كان عالم آخر وهو محمد بن نوح، فكُبِّلا بالحديد، وبُعث بهما إلى المأمون في "طرسوس"، لينظر في أمرهما، غير أنه توفي وهما في طريقهما إليه، فأعيدا مكبَّلين إلى بغداد.
 
  وفي طريق العودة يفقد الإمام أحمد خليله ورفيق محنته محمد بن نوح في مدينة الرقة، إلا أن وصية أحد أخلائه ويُدعى أبو جعفر الأنباري، حين قال للإمام أحمد: (يا هذا، أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن، ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب، ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب) [ترجمة الائمة الأربعة، إسلام المازني، (1/267)].
 
  وكان الإمام أحمد هو الغصة التي وقفت في علق خلفاء العباسيين من بعد المأمون، فما لانت عزيمته ولا ضعفت قوته، فحُمل إلى الخليفة المعتصم الذي واصل سيرة أسلافه، وتنوعت وسائلهم بين الترغيب والترهيب، ولكن دون جدوى، فكلما سألوه عن قوله في القرآن، لا يزيد على ما تواتر عليه أهل الهدى من قبله، وسار عليه أهل السنَّة من بعده، فيخبرهم أنه كلام الله، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص.
 
  ولما أيسوا منه علقوه من عقبيه، وراحوا يضربونه بالسياط، حتى أن ابن أبي دؤاد يقول: (وضرب ابن حنبل نيفًا وثلاثين أو أربعة وثلاثين سوطًا، وكان أثر الضرب بينًا في ظهره إلى أن توفي) [الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/845)]، وما يثنيه ذلك عن قول الحق، حتى فقدوا الأمل في استمالته، فأطلقوا سراحه، وعاد إلى بيته، ثم مُنع من الاجتماع بالناس في عهد الخليفة الواثق (227-232هـ) (841-846م)، لا يخرج من بيته إلا للصلاة، حتى إذا ولي المتوكل الخلافة سنة (232هـ = 846م)، فمنع القول بخلق القرآن، ورد للإمام أحمد اعتباره، فعاد إلى الدرس والتحديث في المسجد.
 وفاته:
 
          توفي الإمام يوم الجمعة 12ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة، وله من العمر سبع وسبعون سنة، وقد اجتمع الناس يوم جنازته حتى ملأوا الشوارع، وحضر جنازته من الرجال مائة ألف ومن النساء ستون ألفًا، غير من كان في الطرق وعلى السطوح، وقيل أكثر من ذلك.
 
          وقد دُفن الإمام أحمد بن حنبل في بغداد، جانب الكرخ قرب مدينة تسمى مدينة "الكاظمية", قبره بين مقابر المسلمين وغير معروف سوى مكان المقبرة, وقيل أنه أسلم يوم مماته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (1/65)].
 
          فرحمة الله على هذه القامة السامقة، التي لا نجد وصفًا لها، سوى ما قاله أحد تلامذته وهو إبراهيم الحربي عنه: (لقد صحبته عشرين سنة، صيفًا وشتاءً، حرًّا وبردًا، ليلًا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس) [طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، (1/35)].
  
المصدر: لواء الشريعة 


أهم المراجع:
 
1.     طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى.
 
2.     مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي.
 
3.    سير أعلام النبلاء، الذهبي.
 
4.    وفيات الأعيان، ابن خلكان.
 
5.    الوافي بالوفيات، الصفدي.
 
6.    محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، د.محمد أبو زهرة.
 
7.     ترجمة الأئمة الأربعة، المازني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق