الجمعة، 18 مارس، 2011

اليهودية والباطنية.. مصالح وأهداف


اليهودية والباطنية.. مصالح وأهداف

 
الفرق الباطنية ونخص منها في أرض فلسطين القاديانية (الأحمدية)، والبهائية، والدروز، هم ورقة يحقق الغرب بها أهدافه، ومصالحه في المشرق الإسلامي. ولا يستغني كل من عادى الإسلام والمسلمين عن جهود وعقائد الفرق الباطنية في طعن المسلمين من الخلف، فهم الأداة التي تفرق الأمة وتشعل الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وشبهاتهم التي يشيعونها هي تلك الأكاذيب التي يستخدمها اليهود -على وجه الخصوص- في التشكيك والتهوين من مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين.
القاديانية
كانت بداية القاديانية التي تلقب نفسها بـ(الجماعة الإسلامية الأحمدية) في فلسطين حين وصل بعض أتباعهم إليها عن طريق حيفا، وكان في مقدمتهم ابن مؤسس الفرقة القاديانية وخليفته بشير الدين محمود أحمد عام 1924م، وحضر معه القادياني جلال الدين شمس الذي أسس مركز الجماعة في قرية الكبابير على قمة جبل الكرمل في حيفا, وقد تبع ذلك بناء أول معبد للجماعة هناك عام 1934م، وكان ذلك برعاية حكومة الانتداب البريطاني المحتلة لأرض فلسطين آنذاك, وتم إعادة بناء ذلك المعبد في عام 1979م، ويعرف تدليسًا بمسمى (مسجد سيدنا محمود)، وأسس مجلة البشارة التي تحولت إلى البشرى -حاليًا- وهي المجلة الأحمدية القاديانية الوحيدة في الديار العربية، والتي لا تزال تصدر في فلسطين المحتلة إلى وقتنا الحاضر.
وتضم قرية الكبابير الآن قرابة 3000 نسمة، معظم سكانها من أتباع القاديانية، وما زال اهتمام الجماعة الأحمدية بالانتشار في العالم العربي والانطلاق نحو هذا العالم عبر فلسطين، رغم تمحورها في الكبابير بحيفا في فلسطين.
وقد عاشت الجماعة في شبه عزلة عقائدية حيث لم تنتشر القاديانية بين العرب المسلمين المقيمين في أراضي عام 1948م، بدليل أنهم من خارج قرية "الكبابير" لا يتجاوزون العشرات بمن فيهم متبعو القاديانية من سكان الضفة الغربية، إلى أن فتح لهم الكيان اليهودي أبوابه، ودعمتهم عواصم الدول الغربية ليقيموا معابدهم وينشروا أفكارهم عبر الفضائيات والمجلات والنشرات ومواقع الإنترنت، ومحاولاتهم ما زالت جاهدة في نشر عقيدتها في العالم الإسلامي والدول العربية.
ولبّسوا على الكثيرين بمظهرهم الذي تصنعوه وكأنهم مسلمين!! وحقيقتهم أنهم أداة للتدمير والفتن، وهم من أخطر الفرق الهدامة على الإسلام، وهل من فتنة أعظم من فتنة المسلمين في عقيدتهم؟
وعلاقات الطائفة القاديانية وطيدة مع الكيان اليهودي, فقد فُتحت لهم المراكز والمدارس ومُكِّنوا من إصدار مجلة تنطق باسمهم, ولهم مطلق الحرية والدعم في طباعة كتبهم وضلالاتهم وتوزيعها في العالم, وانتقالهم الحر بين فلسطين ودول العالم.
ولليهود في تلك العلاقة مآرب، فقد سلك اليهود في عدائهم للإسلام والمسلمين مسلكين: الأول العداء العلني وكيدهم المتواصل للإسلام وأهله، والمسلك الثاني الكيد الخفي للمسلمين برعايتهم الفرق الباطنية، فقد تلقفوا البهائية والقاديانية، منذ أن نشطوا لتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين منذ القرن التاسع عشر تقريبًا، ودعموهما بما يملكون من جهد ووقت ومال، في داخل فلسطين وخارجها، واحتضنوهما وأقاموا لهم المنشآت وكافة التسهيلات لينشروا أباطيلهم، ولتكون تلك الفرق عونًا لليهود على الإسلام والمسلمين.
وللقاديانيين قناة فضائية "التلفزيون الإسلامي الأحمدي" ومواقع على الشبكة العالمية "الإنترنت" ويطلقون على أنفسهم مسمى "الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية"، والمتصفح لمواقعهم باللغة العربية يجدهم قد هذبوها من أغلب ما يثير المسلمين عليهم، حيث تقرأ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أعلى الصفحة الرئيسية للموقع، وصورة الكعبة في مكة المكرمة حتى يدلسوا على المتصفح لذلك الموقع بأنهم لا يخالفون عقيدة المسلمين، وأكثروا فيه من مدح العرب وخدمات قادتهم وخطاباتهم ومواقفهم من القضايا العربية؛ ليدفعوا التهم بعلاقتهم بالاستعمار.
وخلال عام 2010م وحينما تم وقف بث قناة "الرحمة" الفضائية المصرية علي القمر الصناعي المصري النايل سات بزعم معاداتها للسامية، ووقف بث قناة الأقصى الفلسطينية من على النايل سات أيضًا بزعم أنها قناة إرهابية لأنها تقاوم الاحتلال الصهيوني، وفي نفس الفترة ظهرت على النايل سات قناة الأحمدية القاديانية بعد انقطاع دام ما يقر من عامين.
فالرعاية اليهودية وصلت لأن ترعى بث القناة القاديانية في فلسطين، والمتابع للمواد التي تنشر على تلك القناة يوقن بأسباب تلك الرعاية اليهودية؛ حيث تدعي القناة في المواد التي تبثها أن الإسلام لم يأمر بقتال اليهود وأن الرسول رحب باليهود في المدينة، وكانت تربطه بهم علاقات مودة ومحبة، واستشهدوا على ذلك بأن الله وصف اليهود في القرآن الكريم بالذكاء والجدية في قوله: {وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]. وقالوا أيضًا: إن المسلمين لم يقاتلوا اليهود أبدًا، وأن المسئول عن المذابح في حق اليهود هم المسيحيون الذين يظهرون اليهود بشكل بشع ويحرقونهم.
ولليهود في رعايتهم مقاصد وأهداف واضحة جلية، أوَّلها شق صف المسلمين في فلسطين بزرع الفرق الباطنية وتسهيل مهامهم؛ لهدف أساسي وهو كف المسلمين عن ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله، وشحن المسلمين بسيل من الشبهات والشهوات، وبث السموم لتوهين الثوابت في نفوس المسلمين. والهدف الأهم هو إسقاط جوهر الإسلام، واستعلائه، وظهوره وتميزه بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التبديل في مرتبة الأديان المحرفة، وإظهار الخلاف العقدي بين المسلمين.
لقد سعى اليهود لزرع جماعات وفرق ذات طابع ديني إسلامي -كما تزعم- تكون كجواسيس لهم تستطلع الأخبار وتنشر بعض الأفكار التي تخدم كيانهم الغاصب؛ كالقاديانية التي تلقب نفسها "بالجماعة الإسلامية الأحمدية" لتخدع البسطاء من المسلمين بهذا الاسم الرنان، وهي طائفة أجمع العلماء على كفرها وردتها، ظاهرها الإسلام وباطنها الولاء المطلق للإنجليز واليهود وأعوانهم[1].
البهائية
المتابع لنشاط الفرق الباطنية في العالم العربي والإسلامي وبالأخص "البهائية"، يجد أن من مركز دعوتها الأساس أقيم في الأراضي التي احتلها اليهود في عام 1948م، والتي أسموها "دولة إسرائيل"، فقدّم الكيان اليهودي كل الرعاية والدعاية لهم، وأقام المراكز والمعابد وسهل نشر أباطيلهم؛ ليصل نشاطهم إلى مناطق الضفة والقطاع وشرقي القدس على وجه الخصوص، والعالم العربي والإسلامي بالعموم.
فالبهائيون في فلسطين المحتلة يعاملون معاملة اليهود منذ قيام الكيان اليهودي على أرض فلسطين، وتُرعى معابدهم وتجمعاتهم كما ترعى المعابد والكنس اليهودية، ويوجد العديد من المحافل والمراكز والأماكن المقدسة للبهائية في عكا وحيفا، والتي لها الصون والدعم الكامل والتسهيلات المفتوحة والترتيبات الكاملة لتهيئتها لتكون محجًّا للبهائية وأتباعهم في العالم أجمع.
وللبهائية علاقات وطيدة مع الكيان اليهودي منذ بدايته فقد أيد البهائيون تجمع اليهود في فلسطين، وعدُّوا ذلك مما جاء في العهد القديم؛ ولهذا يحرم البهائيون الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الأعداء ولا سيما اليهود، ويَدعُون إلى السلام المطلق مع اليهود، وتقبل الأمر الواقع على أرض فلسطين.
وبينما يمارس العدو الصهيوني سياسة الاعتداء على المقدسات الإسلامية من مساجد ومقابر ومراكز، نجد أن محافل البهائية تراعى مراعاة خاصة وكأنها محافل وكنس يهودية. ويوجد العديد من المحافل والمراكز والأماكن المقدسة للبهائية في عكا وحيفا، والتي لها الصون والدعم الكامل والتسهيلات المفتوحة والترتيبات الكاملة لتهيئتها لتكون محجًّا للبهائية.
والإعلام اليهودي يساند البهائية ويبرزها على أنها حركة رائدة في مجال الفكر الإسلامي، وقد كافأهم ورعاهم الكيان اليهودي بأن أنشأ لهم بناية ضخمة في حيفا على جبل الكرمل في إبريل 1983م، أطلقوا عليها مسمى "بيت العدل"؛ لتكون مقرًّا لمركز البهائية الذي يديره تسعة بهائيين يتم انتخابهم، حيث كلف بناؤها أكثر من 250 مليون دولار.
وزيارات البهائيين إلى الكيان اليهودي الغاصب لم تعرف الانقطاع طيلة المراحل السابقة، وهي تأخذ بعدًا دينيًّا عميقًا، يتمثل في كون أهم مركز ديني بهائي في العالم مُقام في مدينة حيفا على جبل الكرمل، وقد تم منذ حوالي عقدين إنشاء قصر ضخم في المدينة نفسها، ليستوعب عدد الزائرين سنويًّا من بهائيي العالم.
وقد اعترف الناشط البهائي (أسلمنت) بأن الابتهاج في حيفا كان عظيمًا عندما استولت الجنود البريطانية والهندية (التابعة للحكومة الإنجليزية) عليها بعد قتال دام 24 ساعة في 23 سبتمبر سنة 1918م.
والتشابه بين العقيدة اليهودية وما تدعو إليه البهائية كبير، فاسم البهائية نسبة إلى البهاء مأخوذة من التوراة، ورد في مزامير داود ترنيمات عن بهاء الله "أن السموات تحكي عن بهاء"، وقد خلعت اليهود على "ميرزا حسين علي" هذه الصفة وزعموا أنه المقصود بما ورد في أسفار اليهود. وشروح كتب تراث البهائية لا تختلف عن شروح اليهود، بل وكأنك تقرأ في تلمود اليهود، فهي مطابقة لما جاء في شروحات اليهود لنبوءات التوراة.
والبهائية تقتفي أثر اليهودية في نظرتها إلى علامات يوم الخلاص، حيث تعتبر أن قضية الخلاص مرتبطة بعودة اليهود إلى "أرض الأجداد" -بزعمهم- وبهذا الخصوص كتبت لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة تقريرًا أشارت فيه إلى أن "علاقة البهائيين باليهود في فلسطين هي أعمق من علاقة المسلمين بفلسطين، وأن البهائيين يدعمون تشكيل دولة صهيونية".
وكُتُب بهاء الله كانت تدعو للتجمع اليهودي على أرض فلسطين، وزار ابن بهاء الله "عباس" الملقب بـ"عبد البهاء"، زار سويسرا وحضر مؤتمرات الصهيونية ومنها مؤتمر بال 1911م. وحاول عبد البهاء تكوين طابور خامس وسط العرب لتأييد اليهود والصهيونية، وقد كرمته بريطانيا لما أتى إلى فلسطين بمنحه لقب "سير"، فضلاً عن أرفع الأوسمة الأخرى. وقد تولى رئاسة شئون البهائيين في عام 1963م اليهودي الصهيوني "ميسون"، وهو أمريكي الجنسية، ليكون رئيسًا روحيًّا لهذه الطائفة في العالم كله.
والبهائيون يحرمون الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الأعداء وخاصة اليهود، ويدعون إلى السلام مع اليهود وتقبل الأمر الواقع على أرض فلسطين، وأيد البهائيون تجمع اليهود في فلسطين، واعتبروا أن ذلك مما جاء في العهد القديم.
وكتب شوقي أفندي زعيم الحركة البهائية في30 يونيه 1948م، إلى "بن جوريون" أول رئيس وزراء للكيان اليهودي يعبر له عن أطيب تمنياته من أجل رفاهية الدولة الجديدة، وقد عقد البهائيون المؤتمر البهائي العالمي في سنة 1968م في رعاية الكيان اليهودي، جاء في المؤتمر البهائي العالمي الذي عقد في القدس المحتلة 1967م برعاية الكيان اليهودي في حفل الختام "أن الحركتين اليهودية والبهائية متممتان لبعضهما البعض، وتجتمعان في أكثر النقاط".
ويقرون بأنهم واليهود تجمعهم قواسم مشتركة، فهم يقولون بأن الفترة التي قضاها (بهاء الله) في السجن والمنفى أربعين عامًا، هي نفس الفترة التي قضاها بنو إسرائيل في التيه في صحراء سيناء!‍! ويقول أتباع (بهاء الله) إن نبوءات بهاء الله -التي يزعم أتباعه على الإنترنت أنها تحققت- هي ما تنبأ به بتحقيق الوعود التي جاءت في العهد القديم بخصوص إعادة تجمع اليهود في الأرض المقدسة وفي زماننا هذا.
والبهائية يقصدون بالمعبد الأقصى هو قبلتهم في عكا، كما أن القاديانية حينما يطلقون مسمى المسجد الأقصى فيكون مقصدهم بذلك معبد قاديان في الهند، وهذا ما جاء نصًّا في كتبهم؛ وبذلك توافق قول البهائية والقاديانية في زعمهم أن المسجد الأقصى ليس هو مسجد القدس.
ولا شك أن الكيان الصهيوني يرعى معابد تلك الفرق، واللافت للنظر أن مركز القاديانية في فلسطين في منطقة حيفا، لا يبعد إلا القليل عن معابد البهائيين في جبل الكرمل، وكلاهما يلاقي العون والاحترام من قبل الاحتلال اليهودي.
وهم كذلك لا يجدون حرجًا في تشبيه "قبة محفل عباس" بقبة مسجد الصخرة في المسجد الأقصى، كما يصف اليهود مدينة حيفا بأبرز معالمها "مينائها الشهير" وكذلك "قبة محفل عباس"، وهي -كما يقولون- تشبه إلى حد كبير مسجد الصخرة المذهبة في المسجد الأقصى.
فلا مكانة للقدس عند البهائية، بل لا مكانة لمكة والمدينة عندهم؛ لأن عملهم هو التهوين من مكانة مقدسات المسلمين، وجعل مقابرهم ومعابدهم التي أنشئوها حديثًا لها البهجة والمكانة التي تفوق مقدسات المسلمين جميعًا.
الدروز
كان من أولويات الكيان اليهودي فور إنشائه في العام 1948م انتقاء الدروز من بين العرب وتمييزهم عنهم واحتواؤهم، وفي المقابل رأى دروز فلسطين كيان اليهود فرصة للعب على التناقضات بين المسلمين واليهود خروجًا بأعلى مكسب يمكن أن تحققه أقلية لا يزيد عددها عن 250 ألفًا بين عرب يزيد تعدادهم عن 250 مليون (أي 1% فقط).
وقد بدأت الاتصالات مبكرًا بين نشطاء الحركة الصهيونية والدروز منذ عام 1930م، وخلال هذا وقَّع معظم زعماء الدروز على البيان الذي يعلن أن موقف الطائفة الدرزية من "النزاع اليهودي الفلسطيني" هو موقف محايد.
وعدد الدروز في مناطق 1948م -فلسطين المحتلة- يبلغ 120 ألف نسمة، ولا يشمل هذا العدد نحو 18 ألف درزي يعيشون في الجولان السوري الذي احتلته الصهاينة في عام 1967م وضمته في 1981م، حيث رفض معظمهم الجنسية الإسرائيلية[2]، ويبلغ العدد الإجمالي للدروز نحو 300 ألف نسمة يتوزعون بين سوريا ولبنان و"إسرائيل".
في عام 1948م بعد إعلان قيام "دولة اليهود" انصرف جل اهتمام اليهود إلى تحقيق أقصى استفادة عسكرية من وجود الدروز، بعد أن تأكدت نيتهم بالتعاون غير المحدود مع الكيان الصهيوني؛ مما دفع الاحتلال اليهودي إلى إنشاء وحدة خاصة في الجيش هي وحدة الأقليات، كما نجحت الآلة العسكرية الصهيونية في استعمال الشبان الدروز لأكثر أدوارها فظاعة وقسوة بحق أهل فلسطين. ويبلغ عدد الدروز حاليًا في الجيش قرابة 19000 مجند، فهم عمليًّا عناصر المهمات القذرة في قوات الاحتلال، بدءًا من الصورة التقليدية الرائجة للجندي الدرزي في حرس الحدود، الذي يقتحم البيت الفلسطيني في الضفة الغربية أو قطاع غزة ليمارس الترويع، وانتهاء بقائد سرية يمارس أبشع المهمات.
والوقوف في صف الاحتلال اليهودي ضد الفلسطينيين، باركه وأيده شيخ الطائفة في فلسطين وزعيمها الروحي (موفق طريف) منذ 1993م، فهو لا يعارض أن يخدم الدروز في جيش الاحتلال[3]، وفي مقابلة له مع صحيفة (الصنارة العربية) الصادرة في فلسطين المحتلة عام 48 -في أحد أيام شهر تشرين الأول- أكتوبر 2004م طالب طريف الدروز بالإخلاص لدولة اليهود، والقتال تحت علَمِها.
وللوقوف على أسباب ذوبان دروز فلسطين في المشروع الصهيوني كتب سليمان الناطور[4]: "أن أقطاب الحركة الصهيونية فطنوا إلى حقيقة الخلافات المذهبية بين الدروز وباقي العرب الفلسطينيين، فاتصلوا بهم من أجل تعميق هذه الخلافات وتشعيبها، وأقاموا معهم علاقات حميمة، وقد برز من بين القادة الصهاينة في هذا المجال "أبا حوشن"، رئيس بلدية حيفا، في ذلك الوقت الذي أقنع الكثيرين من الدروز بالتعاون مع المنظمات الصهيونية العسكرية قبل الإعلان عن الدولة العبرية، وخصوصًا "الهاجناة". وبعد إقامة الدولة العبرية، صادرت الحكومة الإسرائيلية معظم الأراضي التي تعود للدروز، فحرموا من مصدر رزقهم الوحيد: الزراعة، وبذلك وجد الدروز في الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدرًا للرزق، حتى إن الكثيرين من القيادات الدرزية قد وقعت في العام 1955م على عريضة تطالب الحكومة الإسرائيلية بفرض الخدمة الإجبارية على الدروز، وهذا ما كان في العام الثاني"[5].
ولا شك أن خدمة الدروز في الجيش الصهيوني لعشرات السنين أدت إلى فقدان معظمهم للشعور بالانتماء للأمة العربية والشعب الفلسطيني، ووسائل الإعلام الصهيونية تتواطأ مع مؤسسات الاحتلال في عدم تغطية رفض الخدمة في صفوف بعض الشبان الدروز، والتي بدأت تتزايد حتى لا تتسع الظاهرة أكثر.
ونظرًا لصعوبة تمييزهم عن بقية العرب من حيث الشكل واللغة، فقد انخراط عدد كبير منهم في أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" المختلفة، ووحدات المستعربين التي تعنى باغتيال واختطاف ناشطي جماعات المقاومة الفلسطينية، وكذلك في المهمات التجسسية، كما حدث في مصر مع الجاسوس الدرزي (عزام عزام)، وتصل نسبة 40% من القوى العاملة الدرزية يعتاشون على الخدمات الأمنية والعسكرية، أي بانضمامهم إلى جيش الاحتلال.
ومع كل هذه الخدمات التي قدمتها الطائفة الدرزية للمشروع الاحتلالي في فلسطين، والإخلاص المنقطع النظير إلا أنهم يعاملون معاملة مجحفة في كثير من الأحيان من المؤسسات اليهودية، على اعتبار أنهم عرب، فهم مستثنون من العمل في المواقع المهمة في الكيان الصهيوني[6]، فهم كما وصفهم الصحفي صالح النعامي "عرب في الحقوق.. يهود في الواجبات"[7]، وهذا دفع بعض الناشطين من دروز فلسطين المطالبة في تساوي الحقوق والامتيازات التي تمنح اليهود، ويستثنى منها الدروز.
فحين اقتحم شارون ساحات المسجد الأقصى المبارك في 28-9-2000م، وتلك الشرارة التي أطلقت انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، كان بحماية "حرس الحدود"[8] الذي يضم الكثير من أبناء الدروز في فلسطين؛ وهم لا يتورعون عن اقتحام المسجد الأقصى والتجول في باحاته، فليس له حرمة في معتقدهم. وتستخدم الشرطة الصهيونية عناصرها من الطائفة الدرزية في المواجهات التي تحدث في القدس والتضييق على أهلها، وتنفيذ الاعتداءات على المسجد الأقصى، ومنع المصلين الفلسطينيين من حضور صلاة الجمعة، وأضحى العسكري الدرزي صورة نمطية في الحواجز التي يقيمونها على مداخل المدينة القديمة.
وكلما كانت في القدس والمسجد الأقصى احتجاجات ضد الاعتداءات على المسجد الأقصى من قِبل الجماعات اليهودية وبلدية القدس وغيرها من مؤسسات الاحتلال، نشروا الآلاف من رجال الشرطة وحرس الحدود حول المسجد الأقصى وواجهوا أهل القدس، وفي كثير من الأحيان تؤدي تلك الاشتباكات إلى قتل أو إصابات أو اعتقال.
ولوضع حد لممارسات أبناء الطائفة ممن يعملون في حرس الحدود في مصلحة سجون الاحتلال، وجّه الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون في سجون الاحتلال نداء لزعماء الطائفة الدرزية ووجهائها؛ للتدخل الفوري والسريع، ناشد فيها الأسرى قادة الطائفة الدرزية الضغط على أبنائها للاستقالة الفورية، وترك العمل في مصلحة السجون وكل أجهزة الاحتلال ذات الاحتكاك المباشر بالشعب الفلسطيني والمعتقلين؛ منعًا للاصطدام، ودفعًا للحرج، ودرءًا للمفاسد، على حد وصفهم.
دروز فلسطين وخطورة الفرق الباطنية
ونخلص مما سبق أن مؤسسات الاحتلال نجحت -إلى حد كبير- في استخدام ورقة رابحة وهي "دروز فلسطين" للفصل بينهم وبين أهل فلسطين من المسلمين من ناحية، ومن ناحية أخرى بينهم وبين الدروز في سوريا ولبنان؛ وكذلك في جعل الدروز جزءًا من الصراع العربي الصهيوني ومعاداة المسلمين؛ فقادة المشروع اليهودي عملوا على جمع شتات اليهود، ودعموا هذا الشتات بالفرق الباطنية، واستخدموا كل ما يعينهم في استمرار وجود كيانهم الغاصب على أرض فلسطين. وتلك الحميمية في العلاقة لا شك أنها عمقت الهوة بين الدروز وأهل فلسطين، وحققت لليهود مكاسب إستراتيجية، وأصلت الخلاف في نفوس أبناء الوطن الواحد ليأخذ مع أبعاده العقدية، أبعادًا أخرى كالانتمائية والعدائية.
وكلما زاد تمكين الفرق الباطنية في فلسطين، سهلت على اليهود المهمة الاحتلالية -وهذا ديدن الاستعمار في كل أشكاله- ويتم اللعب على الطائفية وتأجيج الخلاف والعداء بين أبناء الدولة الواحدة، وزيادة الفجوة هي المعيار الذي يقيس فيه الاحتلال الصهيوني نجاحه في استخدامه الفرق والأقليات.
وقد أثبتت الأحداث التاريخية أن الفرق الباطنية عملت مع أعداء الإسلام للنيل من دولة الإسلام والمسلمين؛ فالكيد والطعن في العقيدة الإسلامية الصافية النقية وتشويهها، والسعي لإخراجها عن مسارها الصحيح بإدخال الريب والضلالات في نفوس المسلمين، والتظاهر بنصرة المستضعفين وتحقيق العدل وقهر الظالمين وإقامة دولة الإنصاف، تلك هي دائرة عمل الفرق الباطنية على اختلاف معتقداتها ومنطلقاتها.
وبعد التلبس والتظاهر بالإسلام، وتفسير "الكتاب والسنة" تفسيرًا باطنيًّا يوافق أهواءهم ومقاصدهم، لإدراكهم عدم قدرتهم على محاربة الإسلام والتصدي له وجهًا لوجه؛ اهتمت الفرق الباطنية بدراسة البيئة التي تحاول أن تبث أفكارها وعقائدها، ووجدت بعض تلك الفرق أن الكيان الصهيوني بيئة ملائمة لإقامة معابدهم وقبلة حجهم، حيث الرعاية والدعاية.
ويستدعي ذلك الدفاع والمواجهة؛ فحجم الصراع والتحدي والمخاطر التي تحيط في المسجد الأقصى من فرق وديانات وحركات تسعى جاهدة للتقليل من شأن المسجد الأقصى وتشويه تاريخه ومكانته؛ فالمسجد الأقصى رمز للإسلام والمسلمين، والنيل من المسجد الأقصى مقصد لكسر إرادة الشعوب الإسلامية، وبث الوهن في نفوس المسلمين. والأفعال من الأمة المسلمة يجب أن تفوق حجم تلك المقاصد الخبيثة والسهام المتجهة إلى المسجد الأقصى وعقائد المسلمين؛ فالإسلام لم يواجه خطرًا أشد أذى وأعدى للإسلام من دعاة الباطنية، على اختلاف فرقهم وجماعاتهم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] مجلة (الراصد) العدد الرابع والثمانين - جمادي الآخرة 1431هـ، مقال أمجد السقلاوي، بعنوان "من خيانات القاديانيين الهند موطن المسجد الأقصى".
[2] المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء 2007م.
[3] في انتفاضة الأقصى 2000م سقط عدد من الجنود الدروز صرعى في مواجهة شبان الانتفاضة، وهناك تيار درزي يسمى التيار الواقعي يدعو للامتناع عن أداء الخدمة العسكرية، وهو تيار صغير، لا يمثل الرأي السائد، ولا يؤثر في اعتقادات زعمائهم وقادتهم.
[4] كاتب وأديب درزي من ذوي التوجهات الوطنية والعروبية.
[5] "الدروز في إسرائيل عرب في الحقوق يهود في الواجبات" دراسة للصحفي والباحث صالح النعامي، منشورة في موقعه صالح النعامي.
[6] لا يسمح لهم الانضمام للبحرية أو سلاح الجو الصهيوني، وأبقوهم في مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين، وألزموهم في المهام الأكثر عنفًا مع الفلسطينيين.
[7] انظر: "الدروز في إسرائيل عرب في الحقوق يهود في الواجبات" دراسة للصحفي والباحث صالح النعامي، منشورة في موقعه صالح النعامي.
[8] من قادة هذا الجهاز في الشرطة الصهيونية الجنرال حسين فارس، وهو درزي. وشرطة حرس الحدود كانت وما زالت لها الباع الطولى في قمع الفلسطينيين، والتعامل معهم بلا أخلاق ولا إنسانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق