الخميس، 17 مارس، 2011

فتوحات معاوية في الجناح الشرقي للدولة للدكتور علي محمد الصلابي

 فتوحات معاوية في الجناح الشرقي للدولة
 
كتب الدكتور :علي محمد الصلابي 
كان المسلمون حتى خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قد أتموا فتح البلاد التي تقع بين العراق ونهر جيحون، وتضم جرجان وطبرستان وخراسان وفارس وكرمان وسجستان، فلما قتل عثمان تعثرت حركة الفتح، وخرج أكثر أهل هذه البلاد عن الطاعة، حتى إذا جاء عهد معاوية -رضي الله عنه- أخذت دولته تبذل جهودًا بالغة لإعادة البلاد المفتوحة إلى الطاعة ومد حركة الفتح.

أولاً: فتوحات خراسان وسجستان وما وراء النهر:
        لما استقامت الأمور لمعاوية بن أبي سفيان ولّى عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان؛ ولقد جاء تعيين عبد الله بن عامر في هذا المنصب نظرًا لخبرته السابقة في هذه المنطقة. وفي سنة 42هـ ـ 43هـ عين ابن عامر، عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس واليًا على سجستان، فأتاها وعلى شرطته عبّاد بن الحصين الحبطي، ومعه من الأشراف عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعبد الله بن خازم السُّلمي، وقطري بن الفجاءة، والمهلب بن أبي صفرة الأزدي ففتحوا في هذه الحملة مدينة زرنج، صلحًا، ووافق مرزبانها على دفع ألفي ألف "مليوني" درهم، وألفي وصيف.

        ثم تقدموا نحو مدن خواش، وبست ، وخُشَّك، وغيرها من البلدان وتمكنوا من فتحها، كما تمكنوا من فتح مدينة كابل بعد أن ضربوا عليها حصارًا استمر لعدة أشهر. وما لبث أن جعل معاوية -رضي الله عنه- إقليم سجستان ولاية مستقلة، وأمّر عليها عبد الرحمن بن سمرة مكافأة له على تحقيقه مثل تلك الفتوحات. وظل عبد الرحمن واليًا عليها حتى قدم زياد بن أبي سفيان البصرة معينًا عليها بدل عبد الله بن عامر، والذي عزله معاوية سنة 45هـ وعادت ولاية خراسان وسجستان مرة أخرى تحت إشراف والي البصرة.

        وعند وصول زياد البصرة سنة 45هـ قسم خراسان أربعة أقسام هي: مرو وعليها أُمَير أحمد اليشكري، والذي كان أول من أسكن العرب في مرو، ونيسابور وعليها خُلَيد بن عبد الله الحنفي، ومرو الرُّود والطالقان والفارياب وعليها قيس بن الهيثم السُّلمي، وهَراة وباذغيس وبوشنج وقاديس وعين عليها نافع بن خالد الطاحي الأزدي. وفي سنة 47هـ عمل زياد على جعل السلطة المركزية في خراسان في مدينة مرو (القاعدة الأساسية فيها).

ثانيًا: تعيين الحكم بن عمرو الغفاري:
        وكان عفيفًا، وله صحبة. وفي سنة 47هـ غزا الحكم "طخارستان"، فغنم غنائم كثيرة، ثم سار إلى جبال الغور وغزا أهلها الذين ارتدوا عن الإسلام، فأخذهم بالسيف عنوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة.

        وكان المهلب بن أبي صفرة مع الحكم بخراسان، فغزا معه بعض جبال الترك وغزا معه جبل "الأشل" من جبال الترك، إلا أن الترك أخذوا عليهم الشعاب والطرق، واحتار الحكم بالأمر، فولى المهلب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أسر عظيمًا من عظماء الترك.
فقال له: إما أن تخرجنا من هذا الضيق أو لأقتلنك.
فقال له: أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق، وسير الأثقال نحوه، فإنهم سيجتمعون فيه، ويخلون ما سواه من الطرق، فبادرهم إلى طريق أخرى، فما يدركونكم حتى تخرجوا منه.

        وفعل ذلك المهلب، فسلم الناس بما معهم من الغنائم، وقطع الحكم نهر جيحون وعبر إلى ما وراء النهر في ولايته ولم يفتح، وكان أول من شرب من مائه من المسلمين هو وأحد موالي الحكم، فقد اغترف بترسه بماء النهر، فشرب وناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان الحكم أول من فعل ذلك.

        وقد سأل عبد الله بن المبارك رجلاً من أهل "الصغانيات": من فتح بلادك؟
فقال الرجل: لا أدري!!
فقال ابن مبارك: فتحها الحكم بن عمرو الغفاري.

        وقد مات الحكم سنة50هـ، فخلفه الصحابي الجليل غالب بن فضالة الليثي، الذي واصل سياسة سلفه في إرسال حملات منظمة في فتح طخارستان، ولكنه -رغم كل الجهود التي بذلها- لم يحرز إي تقدم يذكر في ولايات طخارستان، لذلك عزله زياد وولى مكانه الربيع بن زياد الحارثي (50 ـ 53هـ )، وقد استطاع الربيع بن زياد إبان فترة ولايته على خراسان أن يغزو بلخ فصالحه أهلها، ثم غزا قوهستان ففتحها عنوة، ثم إن ابنه عبد الله، الذي خلفه لبضعة أشهر من عام 53هـ وخلفه خليد بن عبد الله الحنفي في إدارة الإقليم، وظل خليد في منصبه هذا حتى وصل عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان عامل معاوية -رضي الله عنه- المعين على خراسان في سنة 54 ـ 55هـ، وكان عبيد الله ابن 25 عامًا.

ثالثًا: عبيد الله بن زياد:
        ما إن وصل عبيد الله إلى مرو حتى قاد حملة مكونة من 24 ألف رجل، وقطعوا نهر جيحون على الإبل، وفتحوا راميثين ونسف وبيكندة، فأرسلت "خاتون" ملكة "بخارى" إلى الترك تستمدهم، فجاءهم منهم عدد كبير، فلقيهم المسلمون وهزموهم، وعند القتال انتصروا عليهم، فبعثت خاتون تطلب الصلح والأمان، وصالحها عبيد الله على ألف ألف درهم، فلم يفتح بخارى وفتح بيكندة، وكان قتال عبيد الله الترك من زحوف "خراسان" التي تذكر، وقد ظهر منه بأس شديد؛ فقد ذكر شاهد عيان، فقال: ما رأيت أشجع بأسًا من عبيد الله بن زياد، لقينا زحف الترك بـخراسان، فرأيته يقاتل فيحمل عليهم، فيطعن فيهم ويغيب عنا، ثم يرفع رايته تقطر دمًا.

        وبقي عبيد الله بخراسان سنتين، إذ ولاه معاوية البصرة سنة 55هـ، فقدم معه البصرة بخلق من أهل بخارى وهم ألفان كلهم جيد الرمي بالنشاب، وتولى ابن زياد أرفع المناصب في أيام معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك، وكان موضع ثقة بني أمية، وكان يعتمد في حكمه على القسوة القاسية لفرض سيطرته على الناس، وكان لا يبالي من أجل تدعيم سيطرته أن يرتكب كل أنواع الإجراءات الرادعة قتلاً وتعذيبًا وحجزًا للممتلكات والأموال، فقد كان ذا شخصية طاغية يحب الإمارة، ويحب السيطرة. ولقد أساء ابن زياد، فترك تصرفه الأهوج في قتل الحسين -رضي الله عنه- أثرًا بالغًا في أيامه، وما نزال نعاني من نتائج قتله حتى اليوم.

        وفي سنة 55 هـ قدم أسلم بن زرعة الكلابي خراسان واليًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان بدلاً من عبيد الله بن زياد الذي ندبه معاوية لولاية البصرة، وظل أسلم في ولايته مدة تقارب السنة.

رابعًا: سعيد بن عثمان بن عفان:
        تروى المصادر التاريخية أن سعيد بن عثمان بن عفان قد اصطحب معه إلى خراسان حوالي أربعة آلاف رجل فيهم عدد من مشاهير رجالات القبائل العربية في البصرة والكوفة، كما كان من ضمنهم حوالي خمسين عابثًا وقاطعًا للطريق من أمثال مالك بن الرِّيب المازني التميمي، وهؤلاء تابوا ورجعوا إلى رشدهم وفضلوا الجهاد في سبيل الله، ومالك بن الريب هو القائل:
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى        وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا 

        وقدم سعيد خراسان، فقطع النهر إلى سمرقند، وبلغ خاتون ملكة بخاري عبوره النهر، فحملت إليه الصلح الذي صالحت عليه عبيد الله بن زياد، وأقبل أهل الصُّغد وكِش ونسف إلى سعيد في مائة ألف وعشرين ألفًا، فالتقوا ببخاري، وقد ندمت خاتون على أدائها الجزية، فنكثت العهد، ولكن قسمًا من الحشود المجتمعة لقتال سعيد انصرفوا قبل مباشرة القتال، فأثّر انصرافهم في معنويات الآخرين، واهتزّت معنوياتهم، فلما رأت خاتون ذلك، أعادت الصلح، فدخل سعيد مدينة بخاري فاتحًا، وطلب سعيد من خاتون أن تبعث إليه بثمانين من أعيان بلادها ممن كانوا على رأس الخارجين عليها، وممن تخشى غدرهم بها وتهديدهم لعرشها، وتخلّصت بذلك من أشدَّ أعدائها خطرًا على عرشها وحاضرها ومستقبلها.

        وحين تمَّ الصلح بين خاتون وسعيد، زارت خاتون سعيدًا بمقرِّه، فطلعت عليه في زينتها الملكية، وكانت نادرة الجمال على ما يقال، فادّعى أهل بخاري أن القائد المسلم أعجب بجمالها أيّما أعجاب، وجرى ذكر إعجاب سعيد بها في الأغاني الشعبية التي لا يزال أهل بخاري يردِّدونها ويتغنون بها حتى اليوم، ولكن هذا الإعجاب لا ذكر له في المصادر العربية الإسلامية المعتمدة، ومن الواضح أنه أقرب إلى خيال الأدباء والفنانين منه إلى حقائق المؤرخين.

        وغزا سعيد سمرقند، فأعانته خاتون بأهل بخاري، فنزل على باب سمرقند، وحلف ألاّ يبرح أو يفتحها وقاتل المسلمون أهل سمرقند ثلاثة أيام، وكان أشدّ قتالهم في اليوم الثالث حيث فُقئت عين سعيد، ولزم أهل سمرقند أن يفتح سعيد ذلك القصر عنوة ويقتل من فيه، فطلبوا الصلح، فصالحهم على سبعمائة ألف درهم، وعلى أن يعطوه رهنًا من أبناء عظمائهم، وعلى أن يدخل المدينة ومن شاء ويخرج من الباب الآخر، فأعطوه خمسة وعشرين من أبناء ملوكهم، ويقال: إنهم أعطوه أربعين من أبناء ملوكهم، ويقال: ثمانين، وكان معه من الأمراء المهلب بن أبي صُفرة الأزدي وغيره، واستشهد معه يومئذ قثم بن العباس بن عبد المطلب، وكان يُشبَّه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان أخوه عبد الله بن عباس دفن بالطائف، وأخوه معبد استشهد بأفريقية، وعبيد الله بالمدينة وكلهم من أب واحد وأم واحدة قال تعالى:" وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [لقمان: 34] .

وانصرف سعيد بن عثمان إلى "تِرْمِذ" ففتحها صلحًا، وقد كان سعيد شاعرًا، ومن شعره في معاوية قوله:

ذكـرت أمير المؤمنين وفضله        فقلت جزاه الله خيرًا بما وصل

وقـد سبقت مني إليـه بوادر        من القول فيه آفة العقل والزلل

فعـاد أميـر المؤمنين بفضـله        وقد كان فيه قبـل عودته ميل

وقال: خراسان لك اليوم طعمه        فجوزي أمير المؤمنين بمـا فعل

فلو كان عثمان الغـداة مكانه        لما نالني من ملكه فوق ما بذل 

        وعزل معاوية سعيد عام 57هـ، فأخذ سعيد مالاً من خراج خُراسان، فوجّه معاوية من لقبه بـحلوان، وأخذ المال منه، ومضى سعيد بالرهن الذين أخذهم من أبناء عظماء سمرقند حتى ورد بهم المدينة النبوية، فدفع ثيابهم ومناطقهم إلى مواليه، وألبسهم جباب الصوف، وألزمهم السقي والعمل، وألقاهم في أرض يعملون له فيها بالمساحي، فأغلقوا يومًا باب الحائط، ووثبوا عليه فقتلوه، ثم قتلوا أنفسهم، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط الأموي:

ألا إنّ خير الناس نفسًا ووالدًا        سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم

فإن تكن الأيام أردت صروفها        سعيدًا فهل حيٌ من الناس سالم؟


وقال أيضًا يرثيه:

يا عين جودي بدمع منك تهتانًا        وأبكي سعيد بن عثمان بن عفانا

        لم يفِ سعيد لأهل سمرقند بإعادة الرهن لهم، بل جاء بالغلمان معه إلى المدينة النبوية، وجعل يستعملهم في النخيل والطين وهم أولاد الدهاقين وأرباب النِّعم، فلم يطيقوا ذلك العمل وسئموا عيشهم، فوثبوا عليه في حائط له، وبذلك غدر بهم، فكان هذا الغدر وبالاً عليه، إذ قدم حياته ثمنًا لغدره. لقد كان سعيد شهمًا غيورًا يعتد بشخصيته، طموحًا، مُتْرَفًا،سخيًا، وكان من شخصيات قريش البارزة.

خامسًا: فتح سلم بن زياد أخو عبيد الله بن زياد: 
        عزل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان سنة سبع وخمسين الهجرية، وأُضيفت إلى ولاية عبيد الله بن زياد في رواية، وفي رواية أخرى أن معاوية بن أبي سفيان ولّى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وكان شريفًا، فلم يصنع شيئًا في مجال الفتح، وكان ذلك في سنة 59هـ ومات معاوية وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، ولما سار سلم إلى خراسان، كتب معه يزيد إلى أخيه عبيد الله بن زياد في العراق ينتخب له ستة ألف فارس، وقيل: ألفي فارس، وكان سلم ينتخب الوجوه، فخرج معه عمران بن الفضيل البُرجُميّ والمهلب بن أبي صفرة، وعبد الله بن خازم السُّلمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وخلق كثير من رؤساء البصرة وأشرافهم، فأخذ سلم هؤلاء الفرسان معه من البصرة، وتجهز ثم سار إلى خراسان.

        وبدأ سلم بغزو خوارزم، فصالحوه على أربعمائة درهم وحملوها إليه وقطع سلم النهر "جيحون" ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكانت أوّل امرأة عربية عُبر بها النهر، فأتى سمرقند فصالحه أهلها، ووجد "خاتون" ملكة بخارى قد نقضت العهد، واستنجدت بجيرانها من الصُّفد وأتراك الشمال، فجاء طرخون على جيش الصُّفد، كما جاء ملك الترك في عسكر كثيف، ولم تؤثر تلك الحشود الضخمة من القوات المعادية في معنويات المسلمين، فحاصروا بخارى دون أن يهجموا عليها، ليقفوا أولاً على تفاصيل قوات أعدائهم ومواضعها، وهي متربصة بهم في مواضع ليست بعيدة عن بخارى، وأمر سلم المهلب بن أبي صفرة الأزدي أن يستطلع أحوال العدو، فاقترح المهلب أن يكلف غيره بهذه المهمة، وحجته أنه معروف المكانة بين قومه والمسلمين وقد يفشي تغيبه عن معسكر المسلمين سرّ الواجب الذي أُلقي على عاتقه، وهذا الواجب ينبغي أن يبقى سرًّا مكتومًا حتى يتم إنجازه بسرية تامة وكتمان شديد وحذر بالغ؛ لأن إفشاءه يعرّض المسلمين لخطر جسيم، ولكنّ سلم بن زياد أصرّ على إيفاء المهلب دون غيره في هذا الواجب الحيوي الذي قد يعجز غيره عن النهوض به كما ينبغي، وأرسل معه ابن عمه ورجلاً من كل لواء من ألوية المسلمين، واشترط المهلب على سلم إلا يبوح لأحد من الناس كائنًا من كان بمهمته.

        مضى إلى سبيله ليلاً مع جماعته الاستطلاعية، فكمن في موضع مستور، واستطلع قوات العدو دون أن يشعر العدو بموضعه المخفيّ المستور، ويبدو أن قوم المهلب والمسلمين افتقدوا المهلب في صلاة الفجر من تلك الليلة التي تسلل بها المهلب إلى موضع قريب من العدو، فما كان تغيب مثله أن يخفى على أحد وهو ليس مجهول المكان والمكانة، يملأ الأعين قدرًا وجلالاً، فألحّوا على سلم بالسؤال عن المهلب وألحفوا عليه، فلم يستطع أن يكتم أمره، وأخبرهم أنه أرسله في مهمة استطلاعية ليلاً.

        انتشر الخبر بسرعة خاطفة في العسكر، فأسرع جمع من المسلمين بالركوب وتوجّهوا صوب موضع المهلب المستور، فكشفوا موضعه وموضع رجاله للعدو، وأبصرهم المهلب مقبلين نحوه يتسابقون بدون نظام ولا تنظيم، فلامهم أشد اللوم على ما أقدموا عليه؛ لأنهم كشفوا موضع جماعته الاستطلاعية للعدو دون مسوِّغ، فعرّضهم لخطر محدق أكيد، وأصبح موقف المهلب ومن معه من المسلمين في خطر داهم، فبذل المهلب قصارى جهده لمعالجة موقفه الخطير، وتدارك ما يمكن تداركه، وأحصى المهلب المسلمين الذين التحقوا به متطوّعين، فكانوا تسعمائة من الفرسان المجاهدين، فقال لهم: والله لتندمُّن على ما فعلتم، وحدث ما توقعه المهلب، فما كاد ينظِّم المسلمين صفوفًا، حتى هاجمهم الترك وأبادوا منهم أربعمائة فارس مجاهد، ولاذ الباقون منهم على قيد الحياة بالفرار.

        وأحيط بالمهلب ومن بقي معه من جماعته الاستطلاعية ذات العدد المحدود، ولكنه ثبت ثباتًا راسخًا لا يتزعزع عن موضعه، فالموت بالنسبة لأمثاله أهون عليهم من الفرار، وصاح المهلب بصوته الجهوريّ القوي مستغيثًا بالمسلمين، فسُمع صوته من معسكر المسلمين القريب، الذي كان على نصف فرسخ من موضعه المواجه للعدو، وبادر فورًا إلى نجدته من قومه الأزد، فشاغلوا الترك ريثما أقبل المسلمون خفافًا لنجدته على عجل بقيادة سَلْم، ونشب القتال بين الجانبين، فقاتل المسلمون الترك حين هزموهم هزيمة نكراء، حيث هربوا من ساحة المعركة مخلِّفين أموالهم وأثقالهم فغنمها المسلمون حتى أصاب كلّ فارس ألفين وأربعمائة درهم في رواية، وعشرة آلاف درهم في رواية أخرى، وطارد المسلمون الترك المنهزمين، فلم ينج منهم إلا الشريد، وكان من بين القتلى "بندون" أو "بيدون" الصُّغدي ملك الصُّغد, أعادت خاتون الصُّلح من جديد مع سلْم، فاستعاد فتح بخاري، وبعث سَلْم -وهو بالصّغد- جيشًا من المسلمين إلى "خُجَنْدة" وفيهم الشاعر أعشى همدان، فهزم المسلمون، فقال الأعشى:

ليت خيلي يوم الخُجَنْدة لهم يهزم        وغودرت في المكرِّ سَلِيْبَا

تحضُرً الطيرُ مصرعي وتروحت        إلى الله في الدماء خصيبا 

        وكان عمّال خراسان قبل سَلْم يغزون، فإذا دخل السِّتاء رجعوا إلى "مزوا الشَّاهجان"، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة مما يلي خُوارِزم، فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضًا، ويتشاورون في أمورهم. فلما قدم سَلْم غزا فشتا في تلك السنة، فألحّ عليه المهلّب بن أبي صفرة، وسأله التوجه إلى تلك المدينة، فوجّهه في ستة آلاف، وقبل: أربعة آلاف، فحاصرهم، فطلبوا أن يصالحهم على أن يغدو أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك وصالحوه على نيِّف وعشرين ألف درهم، وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضًا، فكان يأخذ الرأس والدّابة بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف درهم.

        وعاد سلم إلى"مَرْو" بعد جهاد هذه السنة الذي استمرّ سنتي إحدى وستين الهجرية واثنتين وستين الهجرية، ويبدو أنه قطع النهر ثانية في سنة ثلاث وستين الهجرية؛ لأنه علم بأنّ الصُّغد قد جمعت له، فقاتلهم وقتل ملكهم، ولكنه عاد مسرعًا إلى "مرو" ليعالج مشاكل المنطقة الداخلية، فقد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم؛ فقد مات يزيد بن معاوية سنة أربع ستين، فبويع بعده معاوية بن يزيد بن معاوية، فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر حتى هلك، وقيل: بل ملك أربعين يومًا ثمّ مات، وقيل غير ذلك، ولم بلغ سلم موت يزيد بن معاوية كتم ذلك، ولكنّ الخبر انتشر بين الناس في خُراسان انتشار النار في الهشيم، فمثل هذا الخبر يستحيل كتمانه مدة طويلة، ولما علم سلم بانتشار خبر موت يزيد بين الناس، أظهر موت يزيد وابنه معاوية.

        دعا سلم الناس إلى البيعة على الرضى حتى يستقيم أمر الناس على خليفة، فبايعوه ثمّ نكثوا بعد شهرين، وكان سلم محسنًا إليهم محبوبًا فيهم، ولكن قسمًا من القبائل العربية خلعوه عصبية وتعصبًا وفتنة، فلم يجد أهل خُراسان أميرًا قد حبهم مثل سَلْم بن زياد، ولكن قائلهم قال: بئس ما ظنّ سَلْم، إن ظنَّ أنه يتأمر علينا في الجماعة والفتنة، ووثب أهل خُراسان بعمالهم فأخرجوهم، وغلب كل قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، ووقعت الحرب، ونسب الاقتتال بين القبائل العربية، وأصبحت خراسان مناطق في كل منطقة قائد وأمير، وتساقطت القتلى بين المسلمين بالسيوف، وتوقف الفتح، وتوجه سَلْم إلى عبد الله بن الزبير في مكة المكرمة.

سادسًا: فتوحات السند في عهد معاوية:
        تمكن المسلمون في عهد معاوية -رضي الله عنه- من بسط نفوذهم إلى ما وراء نهر السند؛ ففي سنة 44هـ غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بَنَّة ولاهور، وهما بين المًلتان، وكابل، وأما في مستهل سنة 45هـ فقد أرسل والي البصرة عبد الله بن عامر: عبد الله بن سوّار العبيدي إلى ثغر السند على رأس حملة قوامها أربعة آلاف رجل، ولما وصل ابن سوّار إلى مدينة مكران، بقي هناك أربعة أشهر يعدّ نفسه وجنده للحملة المرتقبة.

        ثم تقدم وجماعته نحو بلاد القيقان، وفتحها، وكانت هديته إلى معاوية -رضي الله عنه- خيلاً قيقانية سلّمها بنفسه إليه في الشام، فأصل البرازين القيقانية من نسل تلك الخيول. وعلى أية حال، فلم يدم المقام لابن سوّار طويلاً في ثغر السند، فقد قتلته جماعة من الترك هناك في سنة 47هـ .

        وفي سنة 48هـ اختار زياد بن أبي سفيان سنان بن سلمة بن المُحَبَّق الهذلي ليكون واليًا على الأقاليم المفتوحة من ثغر السند، وما إن وصل سنان إلى هناك حتى تمكن من فتح مدينة مكران عنوّة ومصَّرها، وأقام بها وضبط البلاد. ولكن سنان لم يمكث هناك سوى سنة أو سنتان ثم عزله زياد، وولى مكانه راشد بن عمرو الأزدي، فأتى مكران، ثم تقدم في بلاد القيقان، فظفر، ثم اتجه نحو الميد، فقتل هناك، وبعد ذلك تولَّى عباد بن زياد بن أبي سفيان أمر سجستان، فقاد حملة توغل فيها في منطقة حوض نهر السند فنزل كِشْ، ثم سار إلى قُنْدُهار، فقاتل أهلها فهزمهم، وفتحها بعد أن أصيب رجال من المسلمين، وكان آخر الولاة الذين تولوا أمر الفتوحات في هذا الجزء هو المنذر بن الجارود العبدي أبو الأشعث، والذي وصل ثغر السند معينًا عليه من قبل عبد الله بن زياد بن أبي سفيان والي البصرة سنة 62هـ، فقاد المنذر حملة ضد مدينة قُصدار، وتمكن من فتحها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق