الاثنين، 21 مارس، 2011

الغرب بين المسجد الأقصى وتمثال "بوذا"

   الغرب بين المسجد الأقصى وتمثال "بوذا" 
 
 بقلم دكتور عبد الله الأشعل

المسجد الأقصى مستهدفٌ، ولا شك والنية تتجه إلى هدمه لكي تبني "إسرائيل" محله هيكل سليمان المزعوم، وإذا صحت التوراة التي يرفعونها، والتي تُحرِّض على قتل الأغيار والتنكيل بهم، وإذا حبكت "إسرائيل" توظيف الكتاب المقدس في شكله والكسير والمحرف في مضمونه لدعم مشروعها السياسي في فلسطين؛ فإن الإشكالية الحقيقية في هذا المقام هي كيفية التوفيق بين قواعد القانون الدولي التي لا تعترف إلا بالسيادة الإقليمية، وكل ما عليها من آثار وثروات، وبين مزاعم اليهود التي يبدو أن العالم كله يغض الطرف عن مخاطرها في فلسطين.

في نفس الوقت إذا صحَّت روايتهم؛ فلماذا يغفل العالم رواية القرآن الكريم بأن المسجد الأقصى هو مسرى رسولنا، وهو مكرَّم في القرآن، ومرتبط بالإسراء والمعراج، وبأن المكان نفسه مقدس، وهل أراد الله أن يكون في نفس المكان مقدسان؛ أحدهما هيكل نبيِّه سليمان ومسرى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عليهم جميعًا أفضل السلام والتسليم.

ولماذا ينظر العالم إلى متطرفي اليهود وسدنة المشروع الصهيوني بكل هذا القدر من الاحترام والتسليم، بينما ملايين المسلمين المؤمنين الذين يرون بأعينهم العبث في أقصاهم بمزاعم سياسية من جنس مزاعم قيام "إسرائيل" في أرض فلسطين، لا يحظون بعطف العالم، بل ينظر هذا العالم إلى ما قد يبرر منهم من ردود أفعال على أنها إرهاب؟!!

كيف ينظر الغرب إلى المسلمين نظرة شك وريبة، ويربطونهم بالإرهاب، بل الإرهاب نفسه مجسد في دولة "إسرائيل" وفي قطعان المستوطنين وفي حاخاماتهم الذين يحثون على قتل العرب وإبادة الفلسطينيين.

على الجانب الآخر، هبَّ العالم كله ضد طالبان عام 1998م؛ لأنها هدمت تمثالين لـ"بوذا" واعتبرتهما من الأصنام، وكان هذا العمل أحد مبررات الحملة العالمية ضد طالبان ومن خلفها الإسلام، وتبارى علماء المسلمين في إدانة طالبان وبيان سماحة الإسلام، وكأن الغرب يجهل هذه الحقيقة، وأنه لا يستهدف الإسلام والمسلمين عن علم وبصيرة، وكأن ذلك جزء من التحضير لأحداث سبتمبر 2001م المزعومة، والتي بررت بها واشنطن و"إسرائيل" غزو أفغانستان وإبادة قطاع من سكانها، كما قلبت بها واشنطن و"إسرائيل" قواعد اللعبة التي مكَّنت لـ"إسرائيل" ضد الإسلام والمسلمين، وكانت تلك كلها مقدمات منظمة ومنسقة حتى إذا جاء الدور على الأقصى وقف المسلمون وعلى جبينهم هذه الوصمة؛ فيكون هدم الأقصى هيَّنًا عليهم، بعد هذه العملية الطويلة من التخدير الديني والسياسي والترويض العسكري.

أليس المسجد الأقصى هو الآخر جزءًا من التراث الإنساني، كما اعتبر الغرب والعالم تمثال "بوذا" كذلك، وأدان اعتداء طالبان على رمز عقيدة أرضية يدين بها الملايين في جنوب شرق آسيا، أم أن الأقصى يخص المسلمين المستضعفين المستهدفين من "إسرائيل"، وأن الأمر يتعلق الآن بالمفاضلة بين الأثر اليهودي المزعوم والأثر الإسلامي الذي ضعف أتباعه وهزل أنصاره؟

إن الأقصى ليس صنمًا لمصلح عاش في عصور سابقة، وتبعه أنصار في مبادئه الأخلاقية والإنسانية، إنه بيت الله الأول وقبلة المسلمين في صلاتهم الأولى، قبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة إرضاءً لرسولنا الكريم؛ فإذا هُزم المسلمون في معركة الأقصى، فالهزيمة مؤكدة في معركة بيت الله الحرام، فالجشع الصهيوني والتسلط الأمريكي لن يقفا عند حد.

لقد تجاهل العالم عدوان "إسرائيل" على الأقصى المبارك لسبب واحد، لا علاقة له بمدى قدسية الأقصى عند المسلمين، أو مدى صحة الرواية "الإسرائيلية" حول الهيكل، ولكن السبب الحقيقي هو قوة اللوبي الصهيوني، وقدرته على التمكين لـ"إسرائيل"، أولاً في دوائر القرار الأمريكي؛ ما أدَّى إلى أن تستخدم واشنطن قوتها وأوراقها لتمكين "إسرائيل" من العرب والمسلمين، فهل تتغير المعادلة إذا أتى الدور على المسجد الحرام؟

قد يظن البعض أن "إسرائيل" تستهدف الأقصى؛ لأنه جزء من فلسطين، وهي تريد كل فلسطين، وأن قصة الهيكل هدفها التغلب على قدسية الأقصى عند المسلمين، بعد أن حاولت تغليب الجانب السياسي على الجانب الديني في دعايتها المنظمة ضد المسجد الأقصى.

ولكن الحقيقة هي أن "إسرائيل" تستهدف عقيدة المسلمين ورموزهم ومقدساتهم، وإذا لم يكن الأقصى عزيزًا على المسلمين، فهي لا تظن أن المسجد الحرام بمنأى عن مصير الأقصى، ويجب ألا يغرب عن البال أن "إسرائيل" تخلق الذرائع، وهي أصلاً قامت على وهم تمسك به أصحابه، فصار عقيدةً عندهم ووهمًا عند غيرهم، فقضية اليهود في المدينة المنورة وإثارتها في السبعينيات من القرن الماضي ليست بعيدة عنهم.

ولعلنا نذكر، بأن حريق المسجد الأقصى عام 1969م هو الذي دفع العالم الإسلامي إلى الدخول مع العرب في الصراع العربي "الإسرائيلي"؛ ما يعني أن ضياع جزء من الجسد الإسلامي هو اعتداء على هذا الجسد، فما بالنا بضياع قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسولنا الكريم، وأول علاقة قرآنية بين المسجد الحرام قبل تحرره من الشرك، وبين المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ إكرامًا له.

أيها المسلمون... هبُّوا لنجدة أقصاكم قبل أن تفاجئوا بضياع كعبتكم وقبلتكم، فتحبط أعمالكم، وأنتم لا تشعرون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق