الجمعة، 29 أبريل، 2011

شرح حديث " أنا سيد ولد ادم يوم القيامة ..."

شرح حديث(( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة...))

قال الإمام مسلم رحمه الله في أوائل كتاب الفضائل من صحيحه: حدثني الحكم بن موسى أبو صالح حدثنا هقل ـ يعني ابن زياد ـ عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشق عنه القبر، وأوّل شافع وأوّل مشفع)).

المبحث الأول: التخريج:

هذا الحديث انفرد مسلم عن البخاري بإخراجه وقد أخرجه في هذا الموضع، ولم يكرره في هذا الموضع، ولا في غيره، وقد رواه أبو داود في سننه في (كتاب السنة، باب في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) فقال: حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن أبي عمار عن عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم، وأوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع وأوّل مشفع)). ورواه الإمام أحمد في (المسند) فقال: حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال، فذكره ومتنه مثل لفظه عند أبي داود تماماً.
وللحديث شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض)) رواه الترمذي في جامعه، وقال: حديث حسن صحيح. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر)) رواه ابن ماجه في سننه، ورواه الإمام أحمد في (المسند) عن أبي سعيد، ولفظه: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل شافع يوم القيامة ولا فخر)). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنه لم يكن نبي إلا له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي ولا فخر)). ثم ذكر شفاعته صلى الله عليه وسلم  لأهل الموقف، رواه الإمام أحمد في (المسند). وأخرجه الدارمي في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ: ((إني لأوّل الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر)). وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) عن أنس بهذا اللفظ.
وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمة أحمد بن محمد بن القربيطي عن أنس بلفظ: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)).
وقد وردت الجملة الأولى من الحديث في الصحيحين وغيرهما في صدر حديث الشفاعة العظمى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)).

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ مسلم الحكم بن موسى، قال الحافظ في (التقريب): الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري، صدوق من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال مسلم، والنسائي، وابن ماجه، ولكونه روى عنه البخاري تعليقاً، وأبو داود في (المراسيل). وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم: إسماعيل بن عياش، وابن المبارك، وهقل بن زياد وغيرهم سماهم، ثم قال: روى عنه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود في (المراسيل)، وروى له النسائي، وابن ماجه بواسطة عمرو بن منصور، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم سماهم. ونقل توثيقه عن ابن سعد، وصالح جزرة، وابن قانع.
الثاني: هقل بن زياد، وهو هقل ـ بكسر أوله وسكون القاف ثم لام ـ ابن زياد السكسكي ـ بمهملتين مفتوحتين بينهما كاف ساكنة ـ الدمشقي نزيل بيروت، قيل: هو لقب واسمه محمد  أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة من التاسعة، مات سنة تسع وسبعين ـ أي بعد المائة أو بعدها. قاله الحافظ في (التقريب)، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى البخاري.
وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): هقل بن زياد بن عبيد السكسكي الشامي قبيلة من اليمن، يكنى أبا عبد الله، سمع الأوزاعي في الصلاة والبيوع، وشرف النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه الحكم بن موسى. انتهى. ويعني بذلك الذي له في صحيح مسلم.
وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): السكسكي مولاهم، وقال: روى عن الأوزاعي، وحريز بن عثمان، وخالد بن دريك، وغيرهم سماهم. وعنه ابنه محمد، والليث بن سعد وهو أكبر منه، وأبو مسهر، والحكم بن موسى، وهشام بن عمار، وغيرهم سماهم. وذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول أحمد بن حنبل: لا يكتب حديث الأوزاعي عن أوثق من هقل. ونقل توثيقه عن ابن معين، وأبي زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي.
الثالث: الأوزاعي، قال في (التقريب): عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو، الفقيه ثقة جليل من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ـ أي بعد المائة ـ ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال ابن الأثير في (اللباب) بعد أن ذكر قول السمعاني (أن هذه النسبة إلى قرى متفرقة بالشام جمعت وقيل لها الأوزاع): ((والصواب أن الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل الأوزاع بطن من همدان، وقيل اسم الأوزاع مرسد بن زيد بن شدد بن زرعة بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن خمير، منهم أبو عمرو الأوزاعي، وعدادهم في همدان نزلوا الشام فنسبت القرى التي سكنوها إليهم، والله أعلم)).
وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): نزل بيروت في آخر عمره فمات بها مرابطاً. ثم ذكر جماعة روى عنهم منهم: شداد أبو عمار، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وغيرهم سماهم. وجماعة رووا عنه منهم: مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وهقل بن زياد، وغيرهم سماهم. ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه من ذلك قول ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد. وقول ابن حبان في (الثقات): كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهادهم، وكان السبب في موته: أنه كان مرابطا ببيروت فدخل الحمام فزلق فسقط وغشي عليه، ولم يعلم به حتى مات. ونقل توثيقه عن ابن معين، وابن سعد، والعجلي.
الرابع: أبو عمار، قال الحافظ في (التقريب): شداد بن عبد الله القرشي أبو عمار، الدمشقي ثقة يرسل من الرابعة. ورمز لكونه من رجال البخاري في (الأدب المفرد)، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه.
وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): شداد بن عبد الله القرشي الأموي الدمشقي أبو عمار، مولى معاوية بن أبي سفيان، سمع أبا أسماء عمرو بن مرثد، وأبا أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن فروخ. روى عنه الأوزاعي، وعكرمة بن عمار. ونقل الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن العجلي، وأبي حاتم، والدار قطني، ويعقوب بن سفيان، ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
الخامس: عبد الله بن فروخ، قال الحافظ في (التقريب): عبد الله بن فروخ التيمي مولى عائشة، المدني، نزل الشام، ثقة من الثالثة. ورمز لكونه من رجال مسلم وأبي داود.
وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع عائشة في الزكاة، وأبا هريرة في شرف النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه أبو سلام ممطور، وشداد أبو عمار. ونقل الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن العجلي، وختم ترجمته بقوله: روى له مسلم حديثين، أخرج أبو داود أحدهما وهو: ((أنا سيد ولد آدم))، والآخر في (الذكر بعدد المفاصل)، وقال الذهبي في (ميزان الاعتدال) راداً على من قال: إنه مجهول، قال: بل صدوق مشهور، حدّث عنه جماعة، وثقه العجلي. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
السادس: أبو هريرة رضي الله عنه. وقد تكرر ذكره.

المبحث الثالث: لطائف إسناده وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديث اثنين من رجال الإسناد وهما: أبو هريرة رضي الله عنه، والأوزاعي، ولم يخرج البخاري في صحيحه للأربعة الباقين في الأصول، وقد احتج ببعضهم في غيرها.
(2) أبو هريرة رضي الله عنه مدني، وعبد الله بن فروخ مدني نزل الشام، وشيخ مسلم بغدادي، والبقية دمشقيون.
(3) نسبة الأوزاعي قيل إنها إلى وطن، وذكر ابن الأثير في (اللباب) أن الصواب أنها نسبة إلى قبيلة من اليمن، واسمه عبد الرحمن بن عمرو واشتهر بهذه النسبة.
(4) هقل هو الشخص الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال الكتب الستة، ولهذا لا لبس في عدم نسبته لو لم ينسب، وكانت وفاته في السنة التي توفي فيها الإمام مالك رحمه الله.
(5) عبد الله بن فروخ ليس له في (صحيح مسلم) سوى حديثين، هذا أحدهما، والثاني في (كتاب الزكاة) في الذكر بعدد المفاصل، كما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته في (تهذيب التهذيب).
(6) في الإسناد راويان اشتهرا بالكنية وهما: أبو هريرة رضي الله عنه، وأبو عمار.
(7) في الإسناد تابعيان وهما: أبو عمار، وعبد الله بن فروخ، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
(8) صيغة الأداء في الإسناد التحديث في خمسة مواضع، وكلها بصيغة الإفراد إلا في رواية شيخ مسلم فهي بالجمع، ورواية شيخ شيخه بالعنعنة.
(9) الإمام الأوزاعي توفي مرابطاً في بيروت، وسبب وفاته أنه دخل الحمام فزلق فسقط وغشي عليه ولم يعلم به حتى مات.


المبحث الرابع: شرح الحديث:

(1) هذا الحديث يدل على أربعة من الأمور التي امتاز بها صلى الله عليه وسلم  على غيره، وقد ألف في خصائصه وميزاته صلى الله عليه وسلم  مؤلفات منها: كتاب (شرف المصطفى) لأبي سعيد النيسابوري، ذكره الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، والسيوطي في شرحه لسنن النسائي، ومنها (أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب) للسيوطي.
(2) هذه الخصائص التي اختص بها صلى الله عليه وسلم  ذكرها تحدثا بنعمة الله عليه، وإعلاماً لأمته بمنـزلته ليعتقدوا ذلك ولينـزلوه صلى الله عليه وسلم  المنـزلة اللائقة به من الإجلال والتعظيم والمحبة والمتابعة، وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم  أمته بمنـزلته عند الله لأنه لا سبيل للأمة إلى معرفة ذلك إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم  والتلقي عنه، إذ لا نبي بعده يخبر عن عظيم منـزلته عند ربه، كما أخبر أمته بفضائل الأنبياء قبله.
(3) هذا الحديث يدل على تفضيله صلى الله عليه وسلم  على غيره من البشر، ويدل للمفاضلة بين الأنبياء والمرسلين قوله تعالى: ) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ(، وقوله تعالى: ) وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ( وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  ما يدل على المنع من تفضيل بعضهم على بعض في قصة تخاصم اليهودي مع المسلم وترافعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)). وفي لفظ: ((لا تفضلوني على موسى)). وقد أجيب عن ذلك بأجوبة ذكرها النووي وغيره.
منها: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم  نهى عن التفضيل قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به.
ومنها: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول.
ومنها: أن النهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو سبب الحديث.
(4) قوله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)) فيه التقييد بيوم القيامة، ورواية أبي داود مطلقة بدون تقييد، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم  سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وإنما قيد ذلك بيوم القيامة لأن سؤدده يظهر يوم القيامة لكل أحد دون منازعة أو معاندة، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم  ذلك في حديث الشفاعة العظمى حيث قال في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، ألا ترون إلى ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم...)) وهو حديث طويل فيه: أنهم يأتون إلى أولى العزم من الرسل، فكل منهم يعتذر عن التقدم لهذه الشفاعة حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم ، فيتقدم لها فيشفعه الله صلوات الله وسلامه عليه.
(5) قوله صلى الله عليه وسلم : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة))، فيه إطلاق لفظ السيد على المخلوق، وقد جاء إطلاق ذلك أيضاً في أحاديث صحيحة كثيرة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم  ما قد يفيد خلاف ذلك، قال أبو داود في (كتاب الأدب) من سننه في (باب في كراهية التمادح): حدثنا مسدد حدثنا بشر ـ يعني ابن المفضل ـ حدثنا أبو سلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقلنا: أنت سيدنا، فقال: ((السيد الله تبارك وتعالى))، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا. فقال: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)). ورجال إسناده بعضهم من رجال الصحيحين معاً، والبعض الآخر من رجال أحدهما. وقال عنه صاحب (عون المعبود): وحديث عبد الله بن الشخير إسناده صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد في (مسنده). وقال في شرح هذا الحديث: قال السيوطي: قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم : ((السيد الله)) أي السؤدد كله حقيقة لله عزوجل، وأن الخلق كلهم عبيد الله، وإنما منعهم أن يدعوه سيداً مع قوله: ((أنا سيد ولد آدم)) لأنهم قوم حديث عهدهم بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم.
وقوله: ((قولوا بقولكم)) أي قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبياً ورسولاً كما سماني الله تعالى في كتابه، ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم إذ كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسموني نبياً ورسولاً.
وقوله: ((أو بعض قولكم)) فيه حذف واختصار ومعناه: دعوا بعض قولكم واتركوه واقتصدوا فيه بلا إفراط، أو دعوا سيداً وقولوا نبياً ورسولاً.
وقوله: ((لا يستجرينكم الشيطان)) معناه: لا يتخذنكم جرياً والجري الوكيل، ويقال الأجير. انتهى كلام السيوطي. وقال السندي: أي لا يستعملنكم الشيطان فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز. انتهى.
هذا من أوجه الجمع بين هذه الأحاديث، ويجمع بينها أيضاً: بأن السيادة الحقيقية التي هي الغاية في الكمال، لا تليق إلا بالله وحده كما يدل عليه حديث عبد الله بن الشخير، وأنه لا مانع من إطلاق لفظ السيد على المخلوق كما يدل عليه حديث أبي هريرة وغيره من الأحاديث الكثيرة، لكن مع الحذر من الاسترسال في وصف المخلوق إلى ما يفضي إلى الغلو ومجاوزة الحد، والوقوع في المحذور الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يرضاه رسوله صلى الله عليه وسلم ، كالذي حصل لصاحب البردة، فإنه أثنى على الرسول صلى الله عليه وسلم  فيها كثيراً بما هو حق، إلا أنه تجاوز الحد في بعض ثنائه عليه حيث أضاف إليه مالا يصلح أن يضاف إلا إلى الله وحده، كدعواه بأنه لا يلاذ عند حدوث المصائب إلاّ به صلى الله عليه وسلم ، وأن الدنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وسلم ، وأن علم اللوح والقلم من علمه صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن هذه الأوصاف لا تليق إلا بالله وحده، فهو الذي لا يلاذ إلاّ به سبحانه في دفع البلاء، وهو القائل عن نفسه ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ)، وهو القائل لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً)، وهو سبحانه وحده الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو وحده الذي من علمه علم اللوح والقلم. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلا يقدر إلاّ على ما أقدره الله عليه، ولا يعلم من الغيب إلاّ ما أطلعه الله عليه. وقد قال الله تعالى له: ( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ)، وقال تعالى( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{187} قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{188})، وقد بشّر وأنذّر على أكمل وجه صلى الله عليه وسلم ، وهذا الذي اشتمل عليه حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه من أمثلة حمايته صلى الله عليه وسلم  حمى التوحيد، وسده طرق الشرك.
(6) قوله ((وأول من ينشق عنه القبر)). فيه دلالة على أنه أوّل من يبعث، ويشكل على هذا ما أخرجه البخاري في أول (كتاب الخصومات) من صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى))، فإنه صلى الله عليه وسلم  حين يبعث يجد موسى آخذاً بقائمة من قوائم العرش، مع أن موسى ممن قُبر في الحياة الدنيا. وقد قال صلى الله عليه وسلم  يعني نفسه: ((وأول من ينشق عنه القبر)). وقد أجيب عن ذلك: بأن هذا اللفظ في حديث أبي سعيد وَهْمٌ من راويه، وأن الصواب ما وقع عند أبي سعيد وغيره بلفظ: ((فأكون أول من يفيق))، وهذه الصعقة تكون بعد البعث إذا جاء الله لفصل القضاء، ويكون صلى الله عليه وسلم  أوّل الناس أفاق من هذه الصعقة قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، وإما أن يكون لم يصعق معهم لأنه صعق في الدنيا لما تجلى ربه للجبل فجعله دكاً. وتكون تلك الرواية المشكلة دخل على الراوي فيها حديث قصة موسى في حديث: ((وأول من ينشق عنه القبر)). فجاء الإشكال، وقد جزم بهذا شارح الطحاوية وعزاه لأبي الحجاج المزي، وابن القيم، وابن كثير.
وعلى هذا تكون أولية النبي صلى الله عليه وسلم  في انشقاق القبر عنه على بابها لم يتقدمه موسى ولا غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويكون التردد في شأن موسى عند الإفاقة من الصعقة التي تكون للناس يوم القيامة، والله أعلم.
(7) قوله: ((وأول شافع وأول مشفع)). ذكر صلى الله عليه وسلم  أوليته في التقدم للشفاعة وأوليته في إجابة الشفاعة، قال النووي في شرح صحيح مسلم: إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأوّل، والله أعلم انتهى. فهو صلى الله عليه وسلم  أول الشافعين، وأوّل المشفعين، وهو سيد الشفعاء عند الله، وطلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم  له ثلاث حالات: الحالة الأولى: لما كان صلى الله عليه وسلم  حياً الحياة الدنيوية، فإن أصحابه رضي الله عنه يطلبون منه الدعاء فيدعو الله تعالى لهم، كما كان صلى الله عليه وسلم  يشفع لبعضهم عند بعض، ويوصي أصحابه بذلك فيقول: ((اشفعوا تؤجروا)).
الحالة الثانية: في حياته البرزخية في قبره، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يطلب منه دعاء أو شفاعة، بل لا تطلب شفاعته صلى الله عليه وسلم  إلاّ من الله وحده، فيقول الإنسان في دعائه: اللهم شفِّع فيَّ نبيك، أو اللهم اجعلني في زمرة الفائزين بشفاعته، ونحو ذلك. وقد أشار صلى الله عليه وسلم  في الحديث الذي رواه البخاري في (كتاب المرضى) من صحيحه عن عائشة رضي الله عنها إلى أن طلب الدعاء والشفاعة منه في حال حياته الدنيوية دون البرزخية، وفيه قالت عائشة: وا رأساه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك)).
الحالة الثالثة: يوم القيامة بعد البعث، وفي هذه الحالة تطلب منه الشفاعة لكنها لا تكون إلا لمن رضي الله قوله وعمله بعد أن يأذن للشافع في الشفاعة فيكرمه بذلك كما قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى )، وقوله تعالى: ( لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا ) وقوله: ) َمن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ( وقوله: ) يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً(، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن الشفاعة ملك الله، وأنه لا يشفع الشافعون لديه إلاّ بعد الإذن لهم في التقدم للشفاعة، ولا يشفعون إلاّ لمن رضي الله قوله وعمله.

(8) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

(1) تفضل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم  بخصائص خصّه بها.
(2) تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم  على البشر.
(3) إثبات التفاضل بين الأنبياء.
(4) تحدث الإنسان بنعم الله عليه.
(5) جواز إطلاق السيد على المخلوق.
(6) أن يوم القيامة هو الوقت الذي يظهر سؤدده صلى الله عليه وسلم  لكل من الأولين والآخرين دون منازعة أو معاندة.
(7) إثبات البعث.
(8) أن القبور تنشق عن المقبورين عند البعث.
(9) الإيمان بالغيب.
(10) أن المقبورين باقون في القبور حتى يبعثوا سواء في ذلك من لا تأكله الأرض كالأنبياء وغيرهم ممن شاء الله أن لا تأكله ومن تأكله.
(11) إثبات أنه صلى الله عليه وسلم  أول الناس بعثاً وخروجاً من القبر.
(12) الرد على المتقولين أن النبي صلى الله عليه وسلم  وغيره من المقبورين يخرجون من قبورهم فيراهم البعض يقظة ويصافحونهم ويكلمونهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم  حي في قبره حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء التي نوه الله بشأنها في القرآن، ويخرج منه عند البعث إذا انشق عنه وقبره صلى الله عليه وسلم  أوّل القبور انشقاقاً عن صاحبه.
(13) إثبات شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .
(14) أنه صلى الله عليه وسلم  أوّل من يشفع فلا يتقدمه أحد.
(15) إثبات أن غيره صلى الله عليه وسلم  يشفع عند الله.
(16) أن الله تعالى يقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم .
(17) أنه صلى الله عليه وسلم  أوّل المشفعين.
(18) إثبات أن غيره من الشفعاء يشفعه الله سبحانه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق