الجمعة، 18 مارس، 2011

النملة حشرة إجتماعية ،للدكتور محمد راتب النابلسي



النملة حشرة إجتماعية

 
النملة حشرة اجتماعية راقية موجودة في كل مكان وفي كل وقت، بل إن أنواع النمل تزيد عن تسعة آلاف نوع. وبعض النمل يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة، وبعض النمل يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً، وبعضه يكسب رزقه بجدّه وسعيه، وبعضه يكسب رزقه بالغدر والسيطرة... والنمل حشرة اجتماعية تموت إذا عُزلت عن أخواتها ولو توافر لها غذاء جيد ومكان جيد وظروف جيدة، كالإنسان؛ إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء والصوت والساعة والزمن والليل والنهار عشرين يوماً، فإنه يفقد توازنه العقلي.
والنملة تعلِّم الإنسان درساً بليغاً في التعاون؛ فإذا التقت نملة جائعة بأخرى شبعى، تعطي الشبعى الجائعة خلاصات غذائية من جسمها؛ ففي جهازها الهضمي جهاز ضخ تُطعم به. كما أن للنمل ملِكة كبيرة الحجم، مهمتها وضع البيوض وإعطاء التوجيهات، ولها مكان أمين في مساكن النمل، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة.
الحياة الاجتماعية
والنملات العاملات لها مهمات متنوعة؛ من مهمات العاملات تربية الصغار، وهذا يشبه قطاع التعليم. وفي النمل عساكر لها حجم أكبر، ولها رأس صلب كأن عليه خوذة، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة الملِكة وحفظ الأمن وردّ العدوان. ومن مهمات العاملات تنظيف المساكن والممرات، وهذا يشبه قطاع البلديات. ومن مهمات العاملات سحب جثث الموتى من المساكن ودفنها في الأرض، وهذا يشبه مكاتب دفن الموتى. ومن مهمات العاملات جلب الغذاء من خارج المملكة، وهذا يشبه قطاع المستوردين. ومن مهمات العاملات زرع الفطريات، وهذا يشبه قطاع الزراعة. ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها، وهذا يشبه قطاع مربي الماشية.
النمل يبني المدن ويشق الطرقات ويحفر الأنفاق ويخزن الطعام في مخازن وفي صوامع. بعض أنواع النمل يقيم الحدائق ويزرع النباتات، وبعض أنواع النمل يقيم حروباً على قبائل أخرى يأخذ الأسرى من ضعاف النمل المهزوم.
روح الجماعة والتفاني
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}(النمل:18).
لقد أثبت الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الآية للنمل الكلام ونوعاً من المعرفة، كما أن الله سبحانه وتعالى أثبت للنمل الروح الجماعية، فلم تفكِّر النملة في إنقاذ نفسها بشكل أناني، بل حذَّرت أصحابها من تحطيم سليمان وجنوده لهم، مما يدُّل على روح الجماعة والتعاون والتفاني المفطورة عليها.
للنملة مخ صغير وخلايا عصبية وأعصاب لتقدير المعلومات والخرائط، كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء وإلى أوكارها. وإن النملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني، وهي من أذكى الحشرات، كما أنها ترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان. ولغة النمل كيماوية لها وظيفتان: التواصل والإنذار. فلو سحقتَ نملةً فإن رائحة تصدر عنها، تستغيث بها النملات أو تحذرها من الاقتراب من المجزرة. ولا تستطيع نملة دخول وكرها إلا إذا بينت كلمة السر. وللنمل جهاز هضم مدهش فيه فم ومري ومعدة وأمعاء وجهاز مص وجهاز ضخ.
التصرف العقلاني
رصد العلماء طرق معيشة النمل، وأدهشهم عملهم الجاد الدؤوب في تحصيل أرزاقهم متعاونين مع بعضهم بعضاً، موزِّعين الوظائف والمهمَّات بينهم بكل دقة وجدّية.
إن للنمل نظاماً دقيقاً في معاشه، فهو له قائد يوجهه ويأمره، وله مساكن يعيش فيها. هذه المساكن مقسمة إلى غرف معيشة ومستودعات لخزن المؤن، ولها دهاليز معقدة عليها حراسة مشددة على مدار الساعة. ويجتمع من تلك المساكن قرى كاملة، وقد تبني عدة قرى، كأنها مستعمرات تصل بينها طرق ومسالك، بحيث تهتدي بها إلى أعلى الأرض.
كذلك هناك نوع آخر من النمل يبني بيوته فوق الأرض، من أوراق الأشجار وأغصانها، ويكثر هذا تحت شجر الصنوبر، أو ينحت هذه البيوت في الأشجار العتيقة، كما يتخذ الإنسان من الجبال بيوتاً. ومع أن النمل لا يملك الآلات والعُدَد، فإنه يبني أبراجاً في غاية الدقة والإحكام، مستعيناً بمقصِّ فمه الحاد، حيث يمضغ ما يقصه حتى يصبح كالعجين. ولعل ما بناه قدماء المصريين في مساكنهم وأهراماتهم كان تقليداً للنمل.
وللنملة رأس ووسط وذنب أسطواني، ولها ستُّ أرجل تقدر بها على الجري السريع، ولبعضها أجنحة للوثوب، ولها خمس أعين؛ عينان مركّبتان على جانبي الرأس مكوَّنتان من أعين بسيطة تعد بالمئات، وهي ملتئمة الوضع والتركيب والترتيب بحيث ترى وكأن لها عيناً واحدة. والعيون الثلاثة الباقية موضوعة على هيئة مثلث يعلو العينين المركبتين، وهي أعين بسيطة لا تركيب فيها، غير أن عيون الذكر أكبر من عيون الأنثى، ومتقاربة من بعضها بسبب قوة المهام المنوطة به. ولكل نملة قرنان طويلان كالشعرتين، بهما تحسُّ الأشياء، حيث يقومان مقام اليدين والرجلين والأصابع في الحمل، ويسميان "الحاسَّتين".
المربيات الراعيات
وتضع إناث النمل بيوضها في محال تقترب من مساكن الكبار، وتخصَّص لها مربيات يلاحظنهن ليلاً ونهاراً، مع تأمين الحرارة المناسبة لها حتى تتفتح البيوض وتخرج دوداً صغيرة لا جناح له ولا أرجل. تلاحظه المربيات وتطعمه، حيث يأكل بشراهة لعدة أسابيع، ثم يغزل بفمه وينسج على نفسه كرة من الحرير وينام. فإذا مضت أيام، نهض من رقدته وقطع خيوط الكرة، وقرض حريرها المحيط به. تساعده المربيات في ذلك وتقوم بتنظيفه، حيث تظهر أرجله وأجنحته. والنمل يحب النظافة حبّاً مفرطاً.
يعمل النمل في قراه بموجب انضباط مدهش وصارم للغاية، وبإشراف النمل الذي كبرت رؤوسه وعظمت خراطيمه.
والصبية الصغار تبقى في الديار تحفر الحجرات، وتشكل السراديب، وتنمو وهي فيها، بالإضافة إلى وجود المربيات. وكذلك النمل المسؤول عن الحراسة أو التنظيف أو حفظ المؤن وتوضيبها التي يحضرها النمل العامل. وهو يأبى كلَّ الإباء أن يطلع أحد على أسراره، أو يتطفّل عليه لمعرفة نظامه العجيب في الحياة.
مواد كيميائية وبرمجة عجيبة
وقد وجد العلماء أن النمل حين يغادر قريته، يرسل في كل مسافة معيَّنة مـادة كيميائية لها رائحة صغيرة، حتى يستطيع التعرُّف إلى طريق عودته. وأنه عندما قام أحدهم بإزالة آثار هذه المادة، لم يستطع النمل الاهتداء إلى طريق عودته. فإذا رأت النملة شيئاً مفيداً لا تقوى على حمله، نشرت حوله بعض الرائحة، وأخذت منه قدراً يسيراً وكرَّت راجعة إلى أخواتها، وكلما رأت واحدة منهن أعطتها شيئاً مما معها لتدلها على ذلك، حتى يجتمع على ذلك الشيء جماعات منها، يحملونه ويجرّونه بجهد وعناء متعاونين في نقله. علماً بأن للنمل قوى عضلية بالنسبة إلى حجمه، تزري بقوة أعظم المصارعين والرياضيين، بحيث تستطيع النملة الواحدة أن تحمل بين فكّيها حملاً أثقل من وزنها بثلاثة آلاف مرة من غير عناء.
كما وجد العلماء أن النمل ينشر عند موته رائحة خاصة، تنبّه بقية الأفراد إلى الإسراع بدفنه قبل انجذاب الحشرات الغريبة إليه. وعندما قام أحد العلماء بوضع نقطة من هذه المادة على جسم نملة حية، سارع باقي النمل إليها ودفنوها وهي حية.
غريزة ادخار الغذاء
والنمل من الحيوانات والحشرات القليلة التي أودع الله فيها غريزة ادخار الغذاء. فهو يحتفظ بالحبوب في مسكنه الرطب الدافئ تحت الأرض دون أن يصيبها تلف. ويتفنن النمل بطرق الادخار بحسب أنواعه، فهو يقطع حبة القمح نصفين، ويقشر البقول لئلا تنبت من جديد، أو يتركها عدة أسابيع في تهوية وحرارة معينة، ويسمح لها بعدها بالإنبات، فتنمو ويظهر لها جذر وساق صغيران، حيث يقوم بقطعها وتجفيفها لتصبح مادة جاهزة يتغذى عليها طوال مدة الشتاء.وإنه يقوم بتسميد أوراق الأشجار المقطعة ببراز نوع معيَّن من الفراشات، وعندها ينمو عليها نوع من الفطريات -يسمى خبز الغراب- يقوم النمل بالتغذي عليه. كما أن بعض أنواع النمل يجلب بيوض المنِّ إلى عشه، وعندما يفقس يحمله إلى الخارج ويضعه على النباتات التي تفرز الندوة العسلية، ثم يعيده إلى عشه في الليل ويحلب منه هذه الندوة العسلية، حيث تعطي كلُّ حشرة ما يقارب ثمانٍ وأربعين نقطة من هذه الندوة خلال أربع وعشرين ساعة، علماً بأنه يبني لهذه الحشرات حجرات خاصة لتسكن فيها.
كيف يعرف النمل بعضه؟
ويعرف النمل بعضه بغير علامة، والتوادد موجود بين أهل القرية الواحدة فقط، وما عدا ذلك فعداء مستحكم، حيث يمكن أن تنشب الحرب بين عدة قرى من النمل، فينتظم في صفوف قتالية وتحدث المعارك، ويقع القتلى والجرحى. ويتخذ النمل المنتصر الأسرى ليجعلهم خدماً في قراه، ويقوم بدفن موتاه في مقابر خاصة به، كما ينظف أرضه من جثث أعدائه. حتى قيل بأن النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله. وقد يصبح النمل قوة مزعجة مهلكة، شديدة الخطر على الإنسان نفسه، حيث يمكن أن يقرض دعائم المساكن الخشبية حتى تتداعى عروشها، أو يكوّن مستعمرات في دور الكتب، حيث يقوم بإتلاف الورق أكلاً وتمزيقاً.
وروي أن عدي بن حاتم رضي الله عنه خرج في نزهة إلى بستان، ثم عاد إلى بيته فوجد نملة قد علقت على ثيابه، فقال: لقد أَبعدْنا عليها المسير، ثم حملها وعاد بها إلى البستان الذي كان فيه.
يقول الإمام علي رضي الله عنه: «انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وضنّت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع من حرها لبردها، وفي وردها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوسقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا الوابت، والحجر الجامد، ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها، وما الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها عجباً، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر».
قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}(الأنعام:38).
المصدر: مجلة حراء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق