الجمعة، 22 أبريل، 2011

مخطط إسرائيلي: «سايكس – بيكو» جديد

 
كتب : عبد العال الباقوري:
نحتفي جميعا بالثورة والثوار ونصفق لهما عملا وإنجازا أدهش العالم كله ورآه انجازا فريدا، ونواصل رفع الرايات، وقوفا في الصف، ضد الثورة المضادة وطابورها الخامس وعناصرها المختلفة، فنحدد معالمها ونفضح المشاركين فيها، وننبه إلى أي إجراء يعطل المسيرة أو يوقفها دون بلوغ هدفها الثابت والواضح: بناء مصر وطنا حرا وشعبا سعيدا. ونردد أنشودة التاريخ والبناء لهذا الوطن: «الجيش والشعب أيد واحدة». وبأعلى الصوت نحذر ممن يحاولون شق الصف أو ضرب الوحدة الوطنية، ومعا نتابع ما يكتبه ويقوله العالم إعجابا بثورتنا واحتفاء بثوارنا وإعجابا بإنجازنا وتقديرا لقدرتنا على تحقيق ما تم إلى الآن: العرب قادمون. إنهم يكتبون مستقبل عالمهم ويحددون معالم سياستهم وهذه شهادات حق. 
وفي الوقت نفسه وفي اللحظة عينها نضع العين قراءة ومتابعة وتحليلا لموقف إسرائيل مما يجري في بلدنا. وفي كل بلد عربي خاصة البلاد التي تشهد ثورات، أو تلك التي يحدث فيها هيجان ثوري أو ضوضاء ثورية. فهناك فرق بين الشحم والورم. وعلينا أن نفرق بينهما بنظرات صادقة وبعيون مدققة فاحصة تستطيع أن ترى وتفرز أدق الفروق في صفوف الأصدقاء قبل الأعداء. 
وفي حين ترصد إسرائيل وتتابع تطورات وأحداث «ربيع الديمقراطية العربي» وهبوب رياح الثورة لتكنس أنظمة سادها العفن والفساد، فعجزت عن تحقيق تقدم اقتصادي أو بناء ديمقراطي، وفي حين يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقول أو يدَّعي: «هناك زلزال يهز الوطن العربي. ولا نعرف مصير هذه الأحداث»، وفي حين يعلن إسرائيليون كثيرون خشيتهم من وصول رياح «الثورة العربية» إلى ربوع فلسطين المحتلة لتثير انتفاضة جديدة، وتفجر ثورة شعبية مليونية كاسحة، ليس لها من قدرات إسرائيل مانعة، وينعون على حكوماتهم ترددهم في قبول تسوية معقولة. 
في حين يحدث هذا كله خرج صحفي إسرائيلي كبير بمقال يستحق اهتماما عربيا شاملا، والغريب أن هذا المقال يعيد اليوم وفي ضوء أحداث «ربيع الديمقراطية العربي» ومع ردود الفعل الدولية على هذا الربيع يعيد مضمون ومحتوى مثيل له يرجع إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي كان عنوانه «إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات»، وهي إستراتيجية لتمزيق الوطن العربي أكثر مما هو ممزق، وهذه فكرة أصيلة في الفكر الصهيوني والاستعماري منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما أكثر الوثائق الصهيونية بهذا الخصوص، وهناك كتب ومقالات ودراسات عربية عديدة حول هذا المقال الاستراتيجي الصهيوني بحيث لا يوجد داع لإعادة الحديث عنه مرة أخرى، ويكفي التذكير به لمقارنة مقال أمس ومضمونه بمقال اليوم الذي كتبه آلوف بن وهو أحد الصحفيين والمحللين الإسرائيليين الكبار. ونشرته صحيفة «هآرتس» بعنوان: «كان سلاما.. سلام سايكس- بيكو» أي يستعيد تاريخ الاتفاق البريطاني الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى على تقسيم المشرق العربي وتوزيعه بينهما، وكانتا قد اتفقتا من قبل على تقسيم المغرب العربي بما في ذلك مصر، فيما عرف بالاتفاق الودي الذي وقعتاه في 1904 وقد أبرمت بريطانيا الاتفاق الجديد سرا مع فرنسا، ومن وراء ظهر العرب الذين كانوا يخوضون الحرب معها تحت راية «الثورة العربية الكبرى» ضد العثمانيين. وكان ذلك بناء على مراسلات معروفة ومكاتبات بين بريطانيا والشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية تضمنت نصوصا حول الدولة العربية المستقلة التي ستقوم بعد أن تنتهي الحرب وتضع أوزارها. وحدود هذه الدولة. ولكن بريطانيا داست على كل هذه الوعود وأعطت الصهاينة «وعد بلفور» وعقدت اتفاق «سايكس ـ بيكو» مع فرنسا ويستعيد الصحفي الإسرائيلي تاريخ ذلك الاتفاق وهو يستعرض أحداث اليوم و«ثورات» العرب هنا وهناك، ليقول بصريح العبارة وبوقاحة التعبير: إن هناك خريطة جديدة للمنطقة في السنوات القريبة المقبلة. وترى إسرائيل في هذه الخريطة فرصا كبيرة لماذا؟ لأنه كلما أحاط بها عدد أكبر من الدول سيسهل عليها المناورة فيما بينها!!، ويقول بلسان الواثق مما يكتب أن الثورات والحروب في الدول العربية لن تؤدي فقط إلى تغيير الأنظمة بل وإلى إعادة رسم خريطة المنطقة. 
إن الحدود الموروثة منذ تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية توشك على التغيير مما يبشر بنهاية وشيكة لاتفاق سايكس بيكو. وفي السنوات القريبة المقبلة والكلام نصا للصحفي الإسرائيلي ستظهر فوق خريطة المنطقة أعلام دول مستقلة جديدة أو مجددة جنوب السودان، وفلسطين، وكردستان، وربما كورنايكا «أي بنغازي» في شرقي ليبيا، والصحراء الغربية، وجنوب اليمن، وإمارات في الخليج تنفصل عن الاتحاد «يقصد دولة الإمارات العربية المتحدة»، ويحتمل حدوث انشقاق في السعودية إلى دولة المقدسات في الحجاز. وقوة بترولية عظمى في الشرق مع انشقاق سوريا إلى دولة سنية وأخرى علوية وثالثة درزية. 
ثم يضيف ألوف بن: إن إعادة رسم الحدود في الشرق الأوسط تم بالقوة بالحروب وبالثورات الشعبية وقد بدأ مع الاجتياح الأميركي للعراق الذي حطم الحكم المركزي لصالح جيوب عرقية، وتواصل مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة و«إقامة دولة بالفعل» تحت سيطرة حماس. ومع الاستفتاء الشعبي على تقسيم السودان «قد تسارعت المسيرة مع الثورات في الدول العربية. والتي لاتزال في بدايتها. وقد أدت حتى الآن إلى حرب في ليبيا.» ويستشهد الصحفي الإسرائيلي على ذلك بكتاب فرج قانا وهو كاتب أميركي بعنوان «كيف يدار العالم» الذي صدر عشية الثورة في تونس ومصر. وتوقع فيه إن المنظومة الدولية ستصبح مكونة من 300 دولة مقابل 200 فقط حاليا والولايات المتحدة ومعها الدول الكبرى الأخرى يمكنها ويجب عليها أن تساعد في هذا الحل «ليس في إعادة ترسيم الحدود فقط، أو في التصويت في الأمم المتحدة بل وفي إقامة بنى تحتية تمنح سندا اقتصاديا للدول الجديدة، وتحررها من التعلق بجيران أقوياء مثل تركيا وإسرائيل»!!.. ويعود آلوف بن إلى كتاب من أهم الكتب عن اتفاق سايكس بيكو. وهو بعنوان: «سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط 1914ـ1922» للكاتب الأميركي دافيد فرومكين ليبين كيف دخل «المشروع الصهيوني» على الخط ضمن ذلك الاتفاق الذي سبق صدور وعد بلفور بعام واحد. والرواية هنا مقصودة ومتعمدة ليصل منها الصحفي الإسرائيلي إلى نقطتين كل منهما أهم من الأخرى. 
الأولى: أن القوى العظمى لن تحاول إحباط عملية تقسيم دول المنطقة بل ستسهم فيها!. 
الثانية: سيكون لإسرائيل دور مزدوج فهي ضالعة بشكل مباشر في الصراع وفي إقامة فلسطين المستقلة وتعيين حدودها كما أنها ستتأثر بقدر كبير من تفتت الدول المجاورة، وعلى رأسها الأردن وسوريا والسعودية. ويخلص بن من ذلك إلى أن «سياسة إسرائيلية صحيحة تستطيع أن تلتقط الفرص التي ينطوي عليها ظهور دول جديدة وتعرف كيف تستغلها، يمكنها أن توجه المسيرة الحتمية نحو زيادة قوتها وتوسيع نفوذها في المنطقة». 
هل هناك وضوح أكثر من هذا؟ لا أظن والمسؤولية علينا حين نقرأ ثم نهمل ما نقرأه كأن نستبعد حدوث هذا المخطط، أو نهزأ به، أو يظنه البعض ضربا من حديث «المؤامرة»!! ولنا هنا أن نسأل: هل كان اتفاق سايكس - بيكو شيئا غير مؤامرة كاملة الأركان؟ وهل وعد بلفور شيء آخر؟، فما بالنا و«المؤامرة» هنا علنية مفضوحة. ومشروحة تفصيلا، إلا إذا كان فيها ما هو أخطر مما لم يتطرق إليه آلوف بن... 
وقد يقول قائل: هل تحققت «إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات» كي يتحقق هذا المخطط؟ مثل هذه المخططات لا توضع كي تنفذ كاملة بل يتم التنفيذ غالبا على مراحل. ويكفي هنا أن نشير إلى ما تحقق منها أي انفصال جنوب السودان وما قد يعكسه على أجزاء أخرى من البلد الشقيق وتقسيم العراق بشكل واقعي أو فعلي. 
وهنا وكي لا نضل أو يضل غيرنا يجب أن نفرق بين الثورات الشعبية العربية الأصيلة والفريدة في بابها من ناحية، وبين المخططات التي تحاول من ناحية أخرى أن تستغل حدوث هذه الثورات كي تحرفها عن مسارها، أو تستغلها لتحقيق أهداف ومآرب أخرى، وهذا ليس استثناء بل هو أمر معروف في تاريخ الثورات. 
وفي الوقت نفسه يجب ألا نستبعد وجود أصابع صهيونية بل وأميركية تحاول أن تلعب هنا أو هناك في هذا البلد العربي أو ذاك من البلاد التي شهدت ثورات حقيقية أو تعيش حالة «ضوضاء ثورية». 
وخلاصة القول بإيجاز واختصار إن ما حدث ويحدث في البلاد العربية من تونس إلى اليمن مع فوارق بين كل بلد وآخر أكبر من أن تتركه أميركا وإسرائيل دون أن تحاول حرفه عن مساره، أو استغلاله بشكل ما كي لا يكون التغيير على حساب أي منهما، ولكل منهما في ذلك وسائل وأدوات وأهداف.. لعل أخطرها ما عرضه الصحفي الإسرائيلي مما لا يستحق أن يهمل أو نستهين بما عرضه. وقد تخفي المخططات ما هو أكبر وأخطر. ولن نخسر مصريين وعربا. شيئا إذا أدرنا الأمور على أن هذه هي أهداف العدو. ووضعنا الخطط المضادة التي تفسدها وتبطلها، وتقضي على سمومها. واسلمي يا مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق