السبت، 27 أغسطس، 2011

خلاصة كتاب الأمة في مواجهة الاستبداد.. خبرات ثورة 25 يناير 2011 م

الأمة في مواجهة الاستبداد.. خبرات ثورة 25 يناير 2011 م
 
الأمة في مواجهة الاستبداد
المؤلف: السيد أبو داود   
الطبعة: الأولى – 2011 م
عدد الصفحات:432 صفحة من القطع الكبير
الناشر:مكتبة جزيرة الورد – القاهرة
عرض:محمد بركة
ليس ثمة شك أن النضال السلمي ثمنه فادح، وأن من يسمي شعبه عدوًا قادر على إبادته، لكن إذا كانت جدران الخوف والحيطة والصمت حتى التواطؤ قد حُطمت، فإنه لا أحد بات قادرًا على دحر شعبه، وهذه الأسلحة الثقيلة والطائرات والدبابات والمصفحات والمدافع، والتي لم تطلق منها طلقة واحدة على العدو الحقيقي!.. تتحول شيئًا فشيئًا إلى خردة.. تمامًا كما كانت في مستودعاتها!.. خردة أمام العدو... وخردة أمام زحف الجماهير. فلا أحد يغلب الأرض التي يمشي عليها الثوار.. لا أحد يغلب إرادة الناس المتفجرة بكل حرياتها الكثيرة، وبكل توقها إلى استعادة حقوقها ودُولها وأرضها من هؤلاء المحتلين الغاشمين، الذين حوّلوا أوطانهم سجونًا كبيرة.
وفي كتابه: "الأمة في مواجهة الاستبداد.. خبرات ثورة 25 يناير"، والذي صدر مؤخرًا في القاهرة، يحاول الكاتب، السيد أبو داود، تحليل وتفكيك ظاهرة الاستبداد في الواقع المصري، والذي كانت نتيجته ثورة 25 يناير 2011، التي أزاحت الطُّغمة الطاغية من على عرش مصر، بعد أن جثمت على أنفاس المصريين طيلة ثلاثة عقود..
يقول الكاتب في مقدمة كتابه : انتهيت من كتابة هذا الكتاب قبل ثورة 25 يناير 2011 العظيمة بحوالي شهرين، ولكن لظروف خارجة عن الإرادة –معظمها أمني– تأجل ظهور الكتاب للنور، فموضوع الكتاب هو الاستبداد، وكيف للأمة أن تنجح في تفكيكه وفي التحرر منه. إن مشكلة الديكتاتورية أو الانفراد بالحكم أو الاستبداد من أكبر المشاكل التي تسيطر على مفاصل الحياة في العالم العربي لتمنعه من الاشتراك في ركب الحضارة العالمية، ولتجعل المواطن العربي يعيش تعيسًا بائسًا، وهو يرى نفسه محاصرًا في بيته، ممنوعًا من ممارسة أي نشاط سياسي حقيقي.. ممنوعًا من الاشتراك بقوة وجدية في الشأن العام.. تزوّر إرادته في صناديق الانتخابات.. يسمع الأكاذيب من حوله طوال الوقت في وسائل الإعلام.
وحقًّا كان تأخير الظهور مدعاة لتعديله وإضافة ما يجعله مواكبًا للحدث العظيم، والكتاب في حقيقته إرهاصة لهذا الحدث الجلل.
وهو في جوهره دراسة تطبيقية لظاهرة الاستبداد على الواقع المصري، فكان حريًّا بالكاتب أن يجعل عنوان الكتاب "المصريون في مواجهة الاستبداد"، وإن كان الواقع العربي الإسلامي في مجمله يعاني ما كان يعانيه الواقع المصري من استبداد وفساد وظلم.
المصريون بين السلبية والإيجابية

في البداية يرى الكاتب أن الشخصية المصرية تميزت على مر عصور طويلة، بسمات كانت أقرب إلى الثبات، ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة، وذلك لتمييزها عن سمات فرعية أو ثانوية قابلة للتحريك مع الظروف الطارئة. فالمصري تميز بكونه : ذكيًّا , متدينًّا , طيبًا , فنانًا , ساخرًا , عاشقًا للاستقرار، وكان هذا يشكل الخريطة الأساس للشخصية المصرية في وعي المصريين ووعي غيرهم , وقد أدى إلى الثبات النسبي لهذه السمات ارتباطها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبيًّا، ويبين أن الشعب المصري ليس ثوريًّا، فهو يميل إلى الاستقرار، لدرجة الجمود، طمعًا في الأمن وبقاء لقمة العيش، حتى ولو كان أمنًا ذليلًا، أو لقمة مرة، ولكنه يتحرك ويثور حين تنتهك قدسية عقيدته الدينية، أو حين تجرح كرامته الوطنية بشكل مهين، أو حين تهدد لقمة عيشه بشكل خطر..
وأن المصريين لديهم قدرة هائلة على التكيف مع الظروف، وقد أدت محاولات التكيف المتكررة والمستمرة مع ظروف ضاغطة وسيئة في فترات متعاقبة إلى حدوث تشوهات في سمات الشخصية المصرية، لم ينج منها إلا قليل من الناس، كانوا على وعي بهذا الأمر، أو قرروا الامتناع عن التكيف المشوه مع ظروف مشوهة، ويرى الكاتب أن هذه القلة من الناس تعاني ظروفًا صعبة حين تتعامل مع مجتمع وافق غالبيته على قبول الأمر الواقع دون محاولة صادقة أو جادة لتغييره، وهذا الأمر يضع تلك الأقلية في حالة غربة واغتراب وصعوبات حياتية كثيرة.
ثم يتحدث عن المتغير في سمات الشخصية المصرية، مبينًا العوامل الرئيسة التي أدت إلى تلك التغيرات، ويذكر منها ثورة 1952، ونكسة يونيو 1967، ومعاهدة السلام مع إسرائيل، والانفتاح الاقتصادي المنفلت، والسفر إلى بلاد الخليج، والعولمة، وكذلك قانون الطوارئ الذي امتد العمل به إلى ما يقرب من نصف قرن.. كل هذه العوامل لعبت دورًا كبيرًا في خلخلة السمات المكونة للشخصية المصرية المتراكمة عبر مئات السنين، وإن شئت فقل آلاف السنين.
كما ناقش الكاتب بدايات الثورة على نظام مبارك، فتكلم عما أسماه الأسس الخاطئة لنظام 23 يوليو، وأكد أن عبد الناصر كان يمتلك مشروعًا سياسيًّا واجتماعيًّا كبيرًا، وكان يملك مشروعًا للنهضة، إلا أن أدوات تنفيذ هذا المشروع لم تكن موجودة، وأرجع الكاتب ذلك لسببين، أولاهما: عدم قدرة عبد الناصر على الانفراد بالأمر دون زملائه من الضباط الأحرار، الذين بالفعل كانوا أقل منه في الشخصية والفكر والرؤى، والثاني أن عبد الناصر لم يحول رؤاه وأفكاره إلى مؤسسات ودستور ينفذها.
كما بين أن نظام 23 يوليو لم يحفظ استقلال مصر الوطني استقلالًا تامًّا، وإن ظهرت مصر في تلك الفترة كدولة إقليمية ذات شأن، وكذلك الفشل في إدارة الصراع مع إسرائيل، وعلى المستوى المحلي الفشل في إدارة المجتمع، وفي تنميته وتحديثه، حتى وصل في عهد الرئيس المخلوع إلى إدارة المجتمع بالفساد.
الاستبداد.. النفسية والثقافة والآليات
تناول الكاتب نفسية المستبد وثقافته، وبين أن المستبد تصنعه عوامل كثيرة، منها التربية الخاطئة، والعُقد النفسية لدى الشخصية، وكذلك غفلة الأمة وتراخيها وضعف إحساسها بذاتها وانعدام تقديرها للمسؤولية. وما كان الحاكم ليستبد إلا بأمة تملك قابلية الخضوع والخنوع والاستسلام. كما يقرر أن المستبد لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صوته، ولا يهتم إلا بمصالحه، وأن ظاهرة الاستبداد وإن كانت ظاهرة عالمية إلا أن كثيرًا من شعوب العالم قد استطاعت أن تضع حدًّا لها في عصرنا الحاضر. وهذه الظاهرة متجذرة في الثقافة المصرية والبابلية والآشورية.
واهتم الكاتب بتبرئة الإسلام من تهمة الاستبداد، فتحدث عن الشورى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين، كما تكلم عن تأسيس المُلك العضوض، وبيّ أن من نتائج استيلاء الملك العضوض تحويل الخلافة إلى مُلك، وظهور المذهب القائل بأن من استطاع الاستيلاء على الحكم بالسيف أصبح هو الحاكم الشرعي، ويجب على المسلمين طاعته،  وإن كان فاجرًا أو فاسقًا، وقد صار هذا مذهب جمهور المسلمين.
وأيضًا ما ظهر على مذهب الجمهور من تناقض، إذ يقولون بأن صعود الخليفة إلى الحكم يكون بالاختيار والبيعة، ثم يوجبون على المسلمين طاعة من وصل إلى الحكم بالسيف وبالقهر والغلبة، فلم يعد هناك معنى للاختيار والبيعة، ولذلك لم يطبق هذا الاختيار المقرر، وأصبح الوصول إلى الحكم بالقوة والسيف هو المتبع ، ثم يأتي الحصول على طاعة المسلمين بعد ذلك حيث هي واجبة له على المسلمين ولو كان فاجرًا أو فاسقًا حسب زعمهم. وترك الاختيار والانتخاب مدة تاريخ المسلمين بفعل هذا المذهب الذي برز بعد استيلاء الملك العضوض على الحكم وتحويل الخلافة إلى ملك.
وقد أدى تغلب هؤلاء الحكام الطغاة المستبدين ـ الذين أبطلوا حكم الشورى في الإسلام ـ أدى ذلك إلى وجود علماء متملقين هم علماء السلطة الغاصبة، الذين أوجدوا بدورهم مقولة تقول: إن من وصل إلى الحكم بالقهر والغلبة فهو الحاكم الشرعي، ويجب على الأمة طاعته والانقياد له، وقد انطلت هذه المقولة على جماهير الأمة ، وانتشرت وروج لها المروجون،  وتحدث عنها المتحدثون، ووضعت من أجل تثبيتها الأحاديث الموضوعة ، حتى صارت مذهب أهل السنة والجماعة.
وأكد الكاتب أن ذلك خطيئة لا خطأ، وأن المستبد العادل فكرة كارثية، ومثل هذه الاجتهادات أدت إلى انعدام وندرة الاجتهادات والتشريعات في مسألة صعود الخليفة إلى الحكم، وآلية اختياره وتصعيده، ومتى ينتهي حكمه شرعًا وتصبح ولايته غير شرعية، وما وجد من تشريعات قليلة في هذا المجال فلم يطبق منها شيء، وكان ذلك نتيجة الاستبداد والظلم بعد استيلاء بني أمية على الحكم ، وتحويل الخلافة إلى ملك عضوض.
كما تحدث الكاتب عن الثورات الكبرى والانقلابات العسكرية والعصيان المدني كخبرات عالمية في فرض التغيير.
25 يناير الثورة والإلهام
أوضح الكاتب أن الثورة التونسية التي قامت قبل ثورة مصر بأيام كانت الشرارة التي أشعلت الأوضاع المحتقنة في مصر، والتي كانت جاهزة للانفجار، فمصر كانت حبلى بالثورة، فقد وصلت دوافع وأسباب الثورة إلى منتهاها، ولم يعد هناك أي مكان لتحمل المزيد، ففاجأ النظام السابق الطوفان.. طوفان الثورة والغضب، وفي نهاية الكتاب تحدث الكاتب عن موقف الاتجاهات الإسلامية من الثورة، فتناول موقف الأزهر، المؤسسة الرسمية، ومجمع البحوث الإسلامية، وأيضًا موقف المفتي، وبين أن هذه المواقف كانت متوقعة، لأن تلك المؤسسات كانت تتحدث باسم النظام السابق، وتدافع عنه، وكانت تدور في فلك النظام السابق، وتحدث عن موقف بعض السلفيين من الثورة، وبين أن الشعب المصري مثلما تجاوز بثورته المؤسّسات الدينية المرتبطة هيكليًا بنظام حسني مبارك الرئيس المخلوع، والداعمة له مباشرة، فقد تجاوز أيضًا الحالة السلفية بتنوّعات خطابها.
ومما لا شك فيه أن الكتاب يعد دراسة تطبيقية على الحالة المصرية، شارحًا ومحللًا ظاهرة الاستبداد، وموقف المصريين بشتى توجهاتهم الفكرية، وما أدى إلى هذه الثورة العظيمة التي ما كان يحلم بها أحد، وهذه آية من آيات الله في زوال الظلم والاستبداد.. والكتاب جدير بالدراسة والمناقشة، فهو دراسة واقعية لما جرى ومازال يجري على الساحة المصرية والعربية من أحداث سوف تغير المنطقة بأسرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق