الاثنين، 22 أغسطس، 2011

تفريغ كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة " الجزء الثالث "

ثاني عشر كتاب الأيمان والنذور

الباب الأول: الأيمان، وفيه مسائل:

الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل:

ويشتمل على بابين:

المسألة الأولى: في تعريف الأيمان:
 
الأيمان لغة: جمع يمين، وهو الحَلِف أو القَسَم، وسمي الحلف يميناً؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه.
وشرعاً: توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله، أو صفة من صفاته.

المسألة الثانية: أقسام اليمين:
 
تنقسم اليمين من حيث انعقادها وعدم انعقادها إلى ثلاثة أقسام:
1- اليمين اللغو: وهو الحلف من غير قصد اليمين، كأن يقول: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وهو لا يريد بذلك يميناً ولا يقصد به قسماً، فهذا يعدُّ لغواً، أو يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) [المائدة: 89]. قالت عائشة رضي الله عنها: (أنزلت هذه الآية (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله) (1). وهذه اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، ولا إثم على صاحبها.
2- اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على المستقبل من الأفعال، وتكون على أمر ممكن، فهذه يمين منعقدة مقصودة، فتجب فيها عند الحِنْث (2) كفارة، لقوله تعالى:
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: 89].
__________
(1) أخرجه البخاري برقم (4613).
(2) الحِنْث في اليمين: عدم الوفاء بموجبها.
3- اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي كبيرة من الكبائر، ولا تنعقد هذه اليمين، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، ولأنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة كاللغو. وتجب التوبة منها، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع حقوق. وسميت هذه اليمين غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في نار جهنم عياذاً بالله. ودليل حرمتها قوله تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 94]، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) (1)، ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبَهْت مؤمن، ويمين صابرة (2) يقطع بها مالاً بغير حق) (3).

المسألة الثالثة: كفارة اليمين وشروط وجوبها:
 
1- كفارة اليمين: شرع الله عز وجل لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم، قال الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم: 2] وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه) (4). وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه، ولم يَفِ بموجبها.
__________
(1) رواه الجخاري برقم (6298).
(2) وهي اليمين الغموس، وسميت صابرة من الصبر، وهو الحبس والإلزام؛ لأن صاحبها يلزم بها ويحبس عليها، وتكون لازمة له من جهة الحكم.
(3) أخرجه أحمد (2/362)، وحسَّنه الألباني (الإرواء رقم 2564).
(4) أخرجه البخاري برقم (6722) ومسلم برقم (1650) واللفظ له.
وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب. فيخيَّر من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئاً من هذه الثلاثة المذكورة صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة: 89].
فجمعت كفارة اليمين بين التخيير والترتيب، تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب بين هذه الثلاثة وبين الصيام.

2- شروط وجوب كفارة اليمين:
 
لا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف، ولم يف بموجبها، إلا بشروط ثلاثة، وهي:

الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل كما مضى بيان ذلك، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: 89].
فدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة، أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد فلا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه.

الشرط الثاني: أن يحلف مختاراً، فمن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه فيها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

الشرط الثالث: أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ذاكراً ليمينه مختاراً، أما إذا حنث في يمينه ناسياً أو مكرهاً فلا كفارة عليه للحديث المتقدم.
• الاستثناء في اليمين:
من حلف فقال في يمينه: إن شاء الله، فلا حنث عليه ولا كفارة، إذا نقض
يمينه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث) (1).
نقض اليمين والحنث فيها:
الأصل أن يفي الحالف باليمين، لكن قد ينقضه لمصلحة، أو ضرورة. وقد شرع له كفارة ذلك كما سبق. ويمكن تقسيم نقض اليمين، والحنث فيها بحسب المحلوف عليه، على النحو التالي:
1- أن يكون نقض اليمين واجباً: وذلك إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف أن لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كأن يحلف ليشربن خمراً؛ فهنا يجب عليه نقض يمينه، وتلزمه الكفارة؛ لأنه حلف على معصية.
2- أن يكون نقض اليمين حراماً: كما لو حلف على فعل واجب، أو ترك محرم، وجب عليه الوفاء، ويحرم عليه نقض اليمين؛ لأن حلفه في هذه الحالة تأكيد لما كلف الله به عباده.
3- أن يكون نقض اليمين مباحاً: وذلك إذا حلف على فعل مباح أو تركه.

المسألة الرابعة: صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة:
 
إن اليمين الجائزة هي التي يحلف فيها باسم الله، أو بصفة من صفاته.
كأن يقول: والله أو: ووجهِ الله أو: وعظمته وكبريائه..؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدركَ عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه فقال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (2)، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كانت يمين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا، ومقلِّبِ القلوب) (3). وكذلك لو قال: أقسم بالله لأفعلن كذا فهو يمين إن نواها؛ لقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [النحل: 38].
__________
(1) رواه الترمذي برقم (1532)، وأحمد (2/309). وصححه الألباني (صحيح الترمذي 1237).
(2) رواه البخاري برقم (6270)، ومسلم برقم (1646).
(3) رواه البخاري برقم (6628).

ومن الأيمان الممنوعة:
 
1- الحلف بغير الله تعالى، كقوله: وحياتك، والأمانة..؛ لحديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (فمن كان حالفاً فيلحلف بالله أو ليصمت) (1).
2- الحلف بأنه يهودي أو نصراني، أو أنه بريء من الله أو من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن فعل كذا ففعله؛ لحديث بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) (2).
3- الحلف بالآباء والطاغوت؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم) (3).
__________
(1) متفق عليه، وقد تقدم.
(2) أخرجه أبو داود برقم (3258)، والنسائي (7/6)، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي رقم (3532).
(3) رواه مسلم برقم (1648).

الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: تعريف النذر، ومشروعيته، وحكمه:
1- تعريف النذر:
النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك.
وشرعاً: إلزام مكلف مختار نفسه شيئاً لله تعالى.
2- مشروعية النذر وحكمه:
النذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي ذكره من الأدلة على ذلك.
وأما حكم النذر ابتداءً فإنه مكروه غير مستحب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النذر وقال: (إنه لا يردُّ شيئاً وإنما يستخرج به من الشحيح) (1)، ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشرع، فيحرج نفسه، ويثقلها بذلك، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بلا نذر.
إلا أنه إذا نذر فعل طاعة وجب عليه الوفاء به؛ لقوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: 270]، وقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) [الإنسان: 7]، ولحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (2).
فقد مدح الله عز وجل الموفين بالنذر وأثنى عليهم، وأمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالوفاء به، فدل ذلك على أن النهي المتقدم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما هو للكراهة لا للتحريم، وأن المنهي عنه والمكروه هو ابتداء النذر والدخول فيه، وأما الوفاء به، وإنجازه لمن لزمه فواجب، وطاعة لله سبحانه. والنذر نوع من أنواع العبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لقبر أو وليٍّ ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى شركاً أكبر، والعياذ بالله.
__________
(1) رواه البخاري برقم (6692)، ومسلم برقم (1639)، واللفظ له.
(2) رواه البخاري برقم (6696).

المسألة الثانية: شروط النذر، وألفاظه:
 
1- شروط النذر: لا يصح النذر إلا من شخص بالغ عاقل مختار، فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون والمعتوه، ولا من المكره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (رفع القلم عن ثلاثة...) الحديث، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ...) الحديث، وقد تقدما مراراً.
2- ألفاظ النذر: صيغ النذر وألفاظه أن يقول: "لله عليَّ أن أفعل كذا"، أو: "عليَّ نذر كذا". ونحو ذلك من الألفاظ التي يصرح فيها بذكر النذر.

المسألة الثالثة: أقسام النذر:
 
1- النذر الصحيح وغير الصحيح:
ينقسم النذر باعتبار صحته وعدم صحته إلى: صحيح وغير صحيح، أو: جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد.
فيكون النذر صحيحاً منعقداً واجب الوفاء: إذا كان طاعة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى.
ويكون غير صحيح ولا منعقد ولا واجب الوفاء: إذا كان معصية لله تعالى؛ كالنذر للقبور والأولياء أو الأنبياء، أو نذر أن يقتل، أو أن يشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصي، فإن هذا النذر لا ينعقد، ويحرم الوفاء به.
2- النذر المطلق والمقيد:
أ- النذر المطلق: هو الذي يلتزمه الشخص ابتداءً دون تعليقه على شرط، وقد يقع شكراً لله على نعمة أو لغير سبب، كأن يقول الشخص: لله عليَّ أن أصلي كذا أو أصوم كذا. فيجب الوفاء به.
ب- النذر المقيَّد: وهو ما كان معلقاً على شرط وحصول شىء، كأن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، فعليَّ كذا. وهذا يلزم الوفاء به، عند تحقق شرطه، وحصول مطلوبه.

المسألة الرابعة: أنواع النذر وأحكامه:
 
ينقسم النذر بحسب الأحكام المترتبة عليه، ولزوم الوفاء به من عدمه، إلى خمسة أنواع:
1- النذر المطلق: نحو قوله: لله عليَّ نذر. ولم يسم شيئاً، فليزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقاً أو مقيداً؛ لحديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين) (1).
2- نذر اللَّجَاج والغضب: وهو تعليق نذره بشرط يقصد به المنع من فعل شيء أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب، كقوله: إن كلمتك، أو إن لم أخبر بك، أو إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً، أو إن كان كذباً فعليَّ الحج، أو العتق..، فهذا النذر خارج مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه، ولم يقصد به النذر ولا القربة، فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (كفارة النذر كفارة يمين) (2).
3- النذر المباح: وهو أن ينذر فعل الشيء المباح، نحو: أن ينذر لبس ثوب أو ركوب دابة.. ونحو ذلك، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا شيء عليه فيه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال: (مروه، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (3).
4- نذر المعصية: وهو أن ينذر فعل معصية، كنذر شرب خمر، والنذر
للقبور، أو لأهل القبور من الأموات، وصوم أيام الحيض، ويوم النحر، فهذا النذر
__________
(1) رواه الترمذي برقم (1528)، وقال: حسن صحيح غريب، وضعفه غيره، لكن يؤيده ما رواه أبو داود برقم (3322) بنحوه من حديث ابن عباس، ورجح الأئمة وقفه عليه (انظر: سبل السلام 8/42).
(2) رواه مسلم برقم (1645).
(3) رواه البخاري برقم (6704).
لا ينعقد ولا يجب الوفاء به، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (1)؛ لأن معصية الله لا تباح في حال من الأحوال، ولا يلزمه به كفارة.
5- نذر التبرر: وهو نذر الطاعة، كنذر فعل الصلاة والصيام والحج، سواء أكان مطلقاً، أم معلقاً على حصول شيء، فيجب الوفاء به إن كان مطلقا، وعند حصول الشرط إن كان معلقاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (2).

المسألة الخامسة: صور من النذر الذي لا يجوز الوفاء به:
 
إن النذر الذي لا يجوز الوفاء به هو نذر المعصية وهذا يتحقق في صور، منها:
1- نذر شرب الخمر أو صوم أيام الحيض؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).
2- النذر الذي يقع للأموات كأن يقول: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا وكذا. فهذا باطل، وهو شرك أكبر والعياذ بالله؛ لأنه نذر للمخلوق، وهو لا يجوز؛ لأن النذر عبادة، وهي لا تكون إلا لله.
3- إذا نذر أن يسرج قبراً، أو شجرة، لم يجز الوفاء به، ويصرف قيمة ذلك للمصالح؛ لأنه معصية، ولا نذر في معصية؛ للحديث المتقدم.
__________
(1) رواه البخاري، وقد سبق في ص (392).
(2) رواه البخاري، وقد سبق في ص (392).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق