الجمعة، 19 أغسطس، 2011

خلاصة كتاب فقه الأولويات من منظور تربوي

في فقه الأولويات
 
في فقه الأولويات

في فقه الأولويات

حسن الكنزلي

 لفضيلة العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله 

 تمهيد : فقه الأولويات هو وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الإحكام والقِيَم والأعمال ، ثم يقدم الأولى فالأولى بناءً على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي ونور العقل. وأساس هذا الفقه أن القِيَم والأحكام والتكاليف متفاوتة تفاوتا بليغا ، وليس كله
ا في رتبة واحدة. ومن تتبع ما جاء في القرآن الكريم ، ثم ما جاء في السنة المطهرة يجد أنها قد وضعت معايير لبيان الأفضل والأولى والأحب إلى الله تعالى من الأعمال والقيم والتكاليف... وفي المقابل وضعت معايير لبيان الأعمال السيئة ، كما بينت تفاوتها عند الله من كبائر وصغائر وشبهات ومكروهات.. كما بين القرآن أن الناس ليسوا متساويين في منازلهم وإن كانوا متساوين في إنسانيتهم بأصل الخلقة ، وإنما هم متفاوتون بعلومهم وأعمالهم تفاوتا بعيدا.

حاجة أمتنا اليوم إلى فقه الأولويات : تعود هذه الحاجة إلى جملة من الأسباب منها 
:
-1 اختلال ميزان الأولويات في الأمة ، ومن مظاهره : أنك تجد أن ما يتعلق بالفن والترفيه مقدم أبدا على ما يتعلق بالعلم والتعليم. وفي الأنشطة الشبابية : تجد الاهتمام برياضة الأبدان مقدما على الاهتمام برياضة العقول. والاهتمام برياضة المنافسات التي يلعب فيها عدة أفراد وسائر الناس متفرجون. ونجد نجوم المجتمع وألمع الأسماء ليسوا العلماء ولا الأدباء ولا آهل الفكر أو الدعوة ، بل الذين يسمونهم الفنانين والفنانات ولاعبوا الكرة وأمثالهم. وفي الجانب المالي : ترصد المبالغ الهائلة والأموال الطائلة للرياضة ورعاية الإعلام وحماية أمن الحاكم.. في حين تشكو الجوانب التعليمية والصحية والدينية والخدمات الأساسية من التقتير عليها.

2 إخلال المتدينين اليوم بفقه الأولويات ؛ لفقدان الفقه الرشيد والعلم الصحيح ، فيشتغلون بمرجوح العمل ، ويدعون راجحه ، وينهمكون في المفضول ويدعون الفاضل. ولا يفرقون بين وقت العمل الفاضل ووقته المفضول. ولا بين الواجبات المطلوبة فورا والتي تحتمل التأخير.. ويقيمون معارك حامية الوطيس من أجل مسائل جزئية أو خلافية ، مهملين معارك الإسلام الكبرى.
ومن أهم مظاهر هذا الاختلال : -
إهمال فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة كالتفوق العلمي والصناعي.. - إهمال بعض الفرائض العينية ، أو أعطوها دون قيمتها ، كفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. - الاهتمام ببعض الأركان أكثر من بعض كالاهتمام بالصوم أكثر من الصلاة.. - الاهتمام ببعض النوافل أكثر من الاهتمام ببعض الفرائض والواجبات كالاهتمام بالذكر والتفريط ببر الوالدين.. - الاهتمام بالعبادات الفردية كالصلاة والذكر أكثر من الاجتماعية التي يتعدى نفعها كالجهاد والفقه والإصلاح.. - الاهتمام بفروع الأعمال وإهمال الأصول. - الاشتغال كثيرا بمحاربة المكروهات أو الشبهات أكثر من الاشتغال بحرب المحرمات المنتشرة أو الواجبات المضيعة. - الاشتغال بما اختلف في حله وحرمته عما هو مقطوع بحرمته. - الانصراف إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الكبائر الموبقات ، سواء أكانت موبقات دينية أو موبقات اجتماعية وسياسية.

 ارتباط فقه الأولويات بأنواع أخرى من الفقه 

: أولا : علاقة فقه الأولويات بفقه الموازنات : وأهم ما يقوم عليه فقه الموازنات

1- الموازنة بين المصالح بعضها وبعض ؛ فالمصالح التي أقرها الشرع ليست في رتبة واحدة ؛ بل ثلاث مراتب أساسية
 أ- ضروريات لا حياة بغيرها
ب- وحاجيات يمكن العيش بغيرها مع مشقة وحرج.  
ج- وتحسينيات تزين الحياة وتجملها. كما أن الضروريات متفاوتة أيضا ؛ فهي خمس مراتب
  أ- الدين. ب- النفس. ج- النسل. د- العقل. هـ- المال. أولها وأهمها الدين ؛ فهو مقدم على الكل ثم النفس.. وفي الموازنة بين المصالح تقدم :
• المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو المتوهمة.
• المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة.
• مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.
• مصلحة الكثرة على مصلحة القلة.
 • المصلحة الدائمة على المصلحة العارضة أو المنقطعة.
• المصحة الجوهرية أو الأساسية على الشكلية والهامشية.
• المصلحة المستقبلية القوية على الآنية الضعيفة.
2- الموازنة بين المفاسد أو المضار بعضها وبعض : - فالمفاسد متفاوتة كتفاوت المصالح : فالمفسدة التي تعطل ضروريا غير التي تعطل حاجيا ، غير التي تعطل تحسينيا.. والتي تضر بالمال دون التي تضر بالنفس ، وهي دون التي تضر بالدين والعقيدة. - والمفاسد متفاوتة في إحجامها وآثارها وأخطارها ومن هنا قرر الفقهاء جملة قواعد ضابطة لأهم أحكامها. منها :
• لا ضر ولا ضرار.
 • الضرر يزال بقدر الإمكان.
• الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.
 • يرتكب أخف الضررين وأهون الشرين.
 • يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى.
 • يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
3- الموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض : إذا اجتمع في أمر ما مصلحة ومفسدة أو مضرة ومنفعة ؛ فالعبرة للأغلب والأكثر ، فإن للأكثر حكم الكل ؛ فلا تعتبر المنفعة القليلة المصاحبة للمفسدة ولا المفسدة القليلة المصاحبة للمصلحة. ومن القواعد المهمة هنا :
• درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
 • المفسدة الصغيرة تغتفر من أجل المصلحة الكبيرة.
• تغتفر المصلحة العارضة من أجل المصلحة الدائمة.
 • لا تترك مصلحة محققة من أجل مفسدة متوهمة. كيفية معرفة المصالح والمفاسد : والمصالح المرعية إما دنيوية أو أخروية أو هما معا و كل منها له طريق لمعرفته من العقل أو من الشرع أو من كليهما.. ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل (بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات) ، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته ، وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تعرف إلا بالنقل. ومصالح الدارين ومفاسدهما في رتب متفاوتة. ويتفاوت ثواب الآخرة بتفاوت المصالح في الأغلب ، ويتفاوت عقابها بتفاوت المفاسد في الأغلب. والمصالح ثلاثة أنواع :
أ- مصالح المباحات
ب- مصالح المندوبات.
ج- مصالح الواجبات. والمفاسد نوعان :
1- مفاسد المكروهات.
2- مفاسد المحرمات 
.
ثانيا : علاقة فقه الأولويات بفقه المقاصد : متفق على أن مجموع أحكام الشريعة معللة وأن وراء ظواهرها مقاصد هدف الشرع إلى تحقيقها فالحكيم لا يشرع اعتباطا ولا يخلق باطلا ، ولذلك حتى العبادات المحضة جاءت معللة ، ويحسن بنا معرفة هذه المقاصد حتى نعمل على تحقيقها ولا نشدد فيما لا يتصل بها.. ومن المهم التفريق بين المقاصد الثابتة التي لها صلابة الحديد ، والوسائل المتغيرة التي لها ليونة الحرير

ثالثا : علاقة فقه الأولويات بفقه النصوص : بفقه النصوص الشرعية الجزئية ، بحيث يربط بينها وبين المقاصد الكلية والقواعد العامة فترد الجزئيات إلى كلياتها والفروع إلى أصولها.. ومن الضروري هنا التمييز بين : - القطعي والظني منها. - المحكم والمتشابه. وفهم الظني في ضوء القطعي ، والمتشابه في إطار المحكم. وخاصة في السنة النبوية وذلك : - لتعرضها للتفصيلات ودخولها في الجزئيات والتطبيقات. - ولأن فيها ما هو للتشريع وما ليس للتشريع. - وفيها ما هو للتشريع الدائم وما هو للتشريع الطارئ. - وفيها ما هو للتشريع العام وما هو للتشريع الخاص

4- مجالات فقه الأولويات 

: أولا : مجال الكم والكيف : أولوية الكيف على الكم : لقد ذم القرآن الأكثرية إذا كان أصحابها ممن لا يعقلون أو لا يعلمون أو لا يؤمنون أو لا يشكرون.. ، في حين مدح القلة المؤمنة العاملة الشاكرة.. فليس مهما أن يكثر عدد الناس ؛ ولكن المهم أن يكثر عدد المؤمنين الصالحين منهم. والإنسان في حال القوة إذا اجتمع له الإيمان وقوة الإرادة (الصبر) يمكن أن تتضاعف طاقته إلى عشرة أضعاف ممن لا إيمان له ولا إرادة ، وفي حال الضعف تكون كطاقة اثنين.. وما قيل في كثرة العدد يقال في الأمور الأخرى ؛ فلا يقاس الإنسان بقامته أو عضلاته أو ضخامته أو جماله وإنما بجوهرة ؛ بما في رأسه من علم وما في قلبه من إيمان وما يثمره الإيمان من عمل ، والعمل لا يقاس بحجمه ولا عدده وإنما بمدى إحسانه وإتقانه والإحسان فريضة كتبها الله على المؤمنين وجعله غاية الخلق. وكذلك لا يقاس الإنسان بطول عمره ولكن ببركته ؛ فكم من معمر عمره قصير! ، وكم من مات سريعا وعمره طويل! سادسا : مجال العلم والفكر :
1- أولوية العلم على العمل ؛ فالعلم يسبق العمل ، وهو دليله ومرشده ، وشرط في صحة القول والعمل ومصحح للنية المصححة للعمل وقد سبق نزول الأمر به نزول الأمر بالعمل ؛ فبه يميز بين : الحق من الباطل في الاعتقادات + والصواب من الخطإ في المقولات + والمسنون من المبتدع في العبادات + والصحيح من الفاسد في المعاملات + والحلال من الحرام في التصرفات + والفضيلة من الرذيلة في الأخلاق + والمقبول من المردود في المعايير + والراجح من المرجوح في الأقوال والأعمال. وبه افتتحت كثيرا من المصنفات العلمية ، وبدونه يفسد الناس أكثر مما يصلحون كما حصل لكثير ممن لم يكن ينقصهم التقوى والإخلاص والحماس ولكن نقصهم العلم والفهم بمقاصد الشرع وحقائق الدين. وثمة مجالات عملية العلم فيها شرط ضرورة فيها مثل :  : (إِنِّيu- المجال القيادي (سياسي أو عسكري أو قضائي) ؛ كعمل يوسف  حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، واختيار طالوت ملكا : (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) ، والقضاء قد اشترط له الاجتهاد أصلا.
 - مجال العلم والإفتاء ؛ فلا يتصوران أن يكونا بدونه ، وقد سدَّت نصوص الشرع وأقوال السلف الطريق على الأدعياء والمتطفلين وأنصاف العلماء. - مجال الدعوة والتعليم ؛ (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) ، (وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ). والرباني الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره.
2- أولوية الفهم على مجرد الحفظ : أولوية علم الدراية على علم الرواية ، والعلم الحقيقي هو الذي يتمثل في الفهم والهضم والإسلام إنما يريد منا التفقه في الدين (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ) والفقه أعمق واخص من العلم إنه الفهم والفهم الدقيق ولا يعني هذا أن الحفظ ليس له قيمة مطلقا ولكن يعني أن الحفظ هو مجرد خزن للحقائق والمعلومات ليستفاد منه بعد ذلك ، فالحفظ ليس مقصودا لذاته وإنما هو وسيلة لغيره والخطأ الاهتمام بالحفظ أكثر من الفهم وإعطاؤه أكثر من حقه وقدره.
 3- أولوية المقاصد على الظواهر : ومما يدخل في الفقه المراد ؛ الغوص في مقاصد الشريعة ، ومعرفة أسرارها وعللها ، وربط بعضها ببعض ، ورد فروعها إلى أصولها ، وجزئياتها إلى كلياتها ، وعدم الاكتفاء بالوقوف عند ظواهرها والجمود على حرفية نصوصها ؛ والذي دلت عليه نصوص الشرع واستقراء لأحكام الجزئية في مختلف الأبواب أن للشارع أهدافا في كل ما شرعه وعدم العلم بمقاصد الشرع والوقوف على الحرفية الظاهرية تؤدي إلى تحجير ما وسع الله وتعسير ما يسر الشرع ، وتجميد ما من شانه أن يتطور وتقييد ما من شأنه أن يتجدد ويتحرر..
 4- أولوية الاجتهاد والتجديد على التكرار والتقليد : العلم الاستقلالي هو الذي يتبع الدليل ويسير معه حيث سار ويدور حيث دار وليس العلم مجرد معرفة أحكام دون معرفة حججها المقنعة ؛ بل هو تقليد والتقليد ليس بعلم باتفاق ، وإذا كان الجمود على ظاهر النصوص مذموما فمن باب أولى أن يذم الجمود على ما قاله السابقون دون مراعاة لتغيير الزمان والحاجات والمعارف. فهذا ليس من دأب السابقين الذين نجد لأحدهم مذهبين أو رأيين في القضية الواحدة.
 5- أولوية الدراسة والتخطيط لأمور الدنيا : وخاصة أننا في عصر مؤسس على العلم لا مكانة فيه للارتجال والغوغائية في أي أمر من أمور الحياة ، والإحصاء والتخطيط والدراسة قبل العمل من صميم الإسلام ، فرسول الله أول من أمر بعمل إحصائي منظم لمن آمن به بعد هجرته وأولى الناس بالتخطيط العاملون للإسلام. 6- الأولويات في الآراء الفقهية : التفريق بين القطعي والظني : ومن الحقائق المقررة لدى أهل العلم أن :
* ما ثبت بالاجتهاد غير ما ثبت بالنص.
* وما ثبت بالنص وأيده الإجماع المتيقن غير ما ثبت بالنص واختلف فيه والاختلاف فيه دليل على أنه أمر اجتهادي.
 * والأمور الاجتهادية لا ينكر فيها عالم على آخر وإنما يناقش بعضهم بعضا بود واحترام.
* وما ثبت بالنص يختلف كثيرا من حيث قطعيته وظنيته.
* والقطعية والظنية تتعلق بثبوت النص وبدلالته :
 • فمن النصوص ما هو طني الثبوت ظني الدلالة.
 • ومنها ما هو ظني الثبوت قطعي الدلالة.
 • ومنها ما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة.
 • ومنها ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
* وظنية الثبوت تختص بالسنة غير المتواترة.
 * وظنية الدلالة تشمل السنة والقرآن جميعا فتتعدد فيها الأفهام والتفسيرات وذلك : - لطبيعة اللغة العربية التي فيها الحقيقة والمجاز والكناية ، والخاص والعام ، والمطلق والمقيد ، وتحتمل الدلالة المطابقة والتضمنية والالزامية..
- ولاختلاف أفهام الناس وظروفهم واتجاهاتهم النفسية والعقلية ؛ فما يفهمه المتشدد غير ما يفهمه الميسر ، وذو الأفق الواسع غير الضيق ، والمقاصدي غير الظاهري..
* وحكمة الله في أن جعل النصوص قابلية لمثل هذا التعدد هي أن تسع جميع الناس باتجاهاتهم المتباينة ولذلك كان كتاب الله محكم ومتشابه.
 * والقرآن كله قطعي الثبوت ولكن أكثر آياته ـ في جزئياتها ـ ظنية الدلالة ولذا اختلف في الاستنباط منها. ولكن القضايا الكبرى قد بينتها آيات محكمات تقطع النزاع وتجمع الكل... وأكدت هذه القضايا السنة قولا وفعلا وتقريرا كما أكدها الإجماع اليقيني من علماء الأمة واقترن بها التطبيق العملي من الأمة. فلا يجوز الخلط بين النصوص بعضها بالآخر.. ومن هنا كانت مؤامرة الأعداء الفكرية تعمل تحويل القطعيات إلى ظنيات ، والمحكمات إلى متشابهات.. فينبغي مقاومتها بالتركيز على القطعيات المجمع عليها لا الظنيات المختلف فيها ، والذي أضاع الأمة إنما هو إضاعتها للقطعيات ، والمعركة بين دعاة الإسلام ودعاة اللا دينية إنما تدور حول القطعيات. وهذه القطعيات هي التي يجب أن تكون أساس التفقيه والتثقيف وأساس الدعوة والإعلام والتربية والتعليم وأساس الوجود الإسلامي كله والاختلاف في الظنيات ضرورة ورحمة وسعة وإزالته غير ممكنة وغير مفيدة ، ومن الخطر الذي يجب الحذر منه : - جر الناس باستمرار إلى الأمور الخلافية التي لا ينتهي الخلاف فيها.
- وتصنيف الناس على أساس مواقفهم منها وتحديد الولاء والبراء بناء عليها. ولا يعني أن لا نتكلم في أمر خلاف قط ولا نرجح رأيا فإنه مستحيل وإنما أن لا يكون هذا شغلنا الشاغل وعنايتنا به أكثر من عنايتنا بالمتفق عليه ولا نهتم بالظني في حين أعرض الناس عن القطعي.
 - وأن نعرض على الناس القضايا المختلف فيها على أنها مسلمات لا خلاف فيها متجاهلين رأي الآخرين الذين لهم وجهة نظرهم وأدلتهم... وكثيرا ما يكون الرأي الآخر هو رأي الجمهور الأكبر من علماء الأمة وهو وإن لم يكن معصوما لأنه ليس إجماعا مستيقنا لا يجوز أن يهون من شانه. وينبغي أن نعلم أن آراء بعض العلماء المعتبرين قد تكون شاذة في بيئة معينة وفي عصر معين لأنها سابقة لزمنها ثم لا يلبث أن يأتي عصر آخر نجد فيه من يؤيدها ويشهرها حتى تغدو هي عماد الفتوى.. ثالثا : مجال الفتوى والدعوة : ومن التيسير الطلوب هنا :
1- أولوية التخفيف والتيسير على التشديد والتعسير : وهو ما دلت عليه نصوص الشرع كقوله تعالى : (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، و(يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ). ويتأكد ترجيح الرخصة واختيار التيسير ، إذا ظهرت الحاجة إليها ، لضعف أو مرض أو شيخوخة أو لشدة مشقة أو غيره. وعند وجود رأيين أحدهما أحوط والآخر أيسر فالراجح الإفتاء بالأيسر لعموم الناس به لأن فيهم الضعيف والكبير وذو الحاجة. أما الأحوط فهو لبعض أهل العزائم والمتورعين من المتدينين. ويتأكد هذا التيسير في عصرنا وخاصة مع حديثي عهد بالإسلام أو بالتوبة.. وهذا هدي رسول الله بل إنه كان يشدد النكير على من يشدد على الناس ولا يراعي ظروفهم المختلفة. وكان أشد إنكارا إذا كوَّن هذا التشدد اتجاها ، وتبناه جماعة ولم يكن مجرد نزعة فردية عارضة حتى وإن كانت هذه الجماعة لا تريد إلا الخير.
2- الاعتراف بالضرورات الطارئة : سواء كانت ضرورات فردية أو جماعية ؛ فقد جعلت الشريعة لها أحكامها الخاصة وأباحت بها ما كان محظورا في حالة الاختيار من الأطعمة والملبوسات والعقود و المعاملات وأكثر من ذلك أنها نزلت الحاجات خاصة كانت أم عامة منزلة الضروريات في بعض الأحيان تيسرا على الأمة ودفعا للحرج عنها.
 4- تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان : فالناس يطرأ عليهم التغيير بسبب فساد مجتمعهم أو تطوره أو نزول ضرورات به ومن ثم أجاز فقها الشريعة تغيير الفتوى بتغير الأزمان والأمكنة والأعراف والأحوال... وهذا يوجب علينا إعادة النظر في أقوال قيلت وآراء اتخذت في أعصار سابقة ربما كانت ملائمة لتلك الأزمنة وتلك الأوضاع ولم تعد ملائمة لهذا العصر...
5- مراعاة سنة التدرج : جريا على سنة الله في عالم الخلق والأمر واتباعا لمنهج التشريع الإسلامي في فرض الفرائض وتحريم المحرمات.. وهذه السنة هي التي ينبغي إتباعها في سياسة الناس لتطبيق نظام الإسلام في حياتهم خاصة بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامية ؛ والمقصود بالتدرج الإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة. ولا يقصد بالتدرج التسويف وتأجيل التنفيذ واتخاذ كلمة التدرج لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله وتطبيق شرعة بل تعيين الهدف ووضع الخطة وتحديد المراحل بوعي وصدق ، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام كلة.
6- تصحيح ثقافة المسلم : أن نعرف ما ينبغي أن يقدم لهم وما ينبغي أن يؤخر وما ينبغي أن يحذف من ثقافة المسلم. لا تدريس أشياء تستغرق من جهود الطلاب وأوقاتهم وتحصيلهم ما لو قضوا نصفه أو ربعه فيما هو أجدى عليهم في دينهم أو دنياهم لكان ذلك أحرى وأولى. وإلى جوار ذلك لابد من العناية بالثقافة التي تقدم إلى الجمهور المسلم وضرورة تنويعها وتلوينها فمنها ما يقدم إلى المثقفين ثقافات مدنية مختلفة ومنها ما يقدم على العامة وأشباه العامة من العمال والفلاحين ومن قاربهم.
7- الاهتمام بما اهتم به القرآن (المعيار الذي لا يخطئ) : فما اهتم به كل الاهتمام وكرره في سوره وآياته وأكده في أمره ونهيه ووعده ووعيده يجب أن يكون له الأولوية والتقديم والعناية في تفكيرنا وسلوكنا وتقويمنا وتقديرنا... ؛ كالإيمان بالله تعالى ورسالاته إلى أنبيائه والدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وجنة ونار.. وكأصول الفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.. وما اهتم به اهتماما قليلا نعطيه مثل القدر من الاهتمام دون مبالغة كالإسراء الذي ورد في آية واحدة بعكس الغزوات ، وكالمولد النبوي الذي لم يلتفت إليه القرآن أصلا ولم ترتبط به معجزة كما ارتبطت بميلاد المسيح ولم يرتبط به عمل مطلوب أو عبادة.. والقرآن هو عمدة الملة وأصل الدين.. رابعا : مجال العمل :
1- أولوية العمل الدائم على العمل المنقطع : وهو ما جعل رسول الله يحذر من الغلو في الدين والتشدد فيه خشية أن يأتي على العبد يوم يمل العمل أو تضعف طاقته كبشر فينقطع في وسط الطريق...
2- أولوية العمل المتعدي النفع على القاصر : فيرجح ما كان أكثر نفعا من العمل عن غيره ، وعلى قدر نفعه للآخرين يكون فضله وأجره عند الله. ولذا كان جنس أعمال الجهاد المتعدي النفع للأمة أفضل من جنس أعمال الحج المقصور النفع على صاحبه... وكان أعظم أجرا من الانقطاع للعبادة بمرات كثيرة. ومن هنا جاء تفضيل العلم على العبادة... وجاء فضل الإمام العادل على عبادة غيره عشرات السنين.
2- أولوية العمل الأطول نفعا والأبقى أثرا : وما كان كذلك كان أحب إلى الله تعالى ومن أجل ذلك فضل العمل بما يطول النفع به كمنيحة العنز والصدقة الجارية العلم المنتفع به والولد الصالح... وإذا كان عمر الإنسان قصيرا محدودا فمن فضل الله أن أتاح فرصة إطالته ببعض الأعمال التي يطول أمدها ويستمر أثرها.
4- أولوية العمل في زمن الفتن وأيام المحن : فالعمل الصالح فيه دليل قوة الدين وصلابة اليقين والثبات على الحق كما أن الحاجة إلى صالح العمل في هذا الزمن أشد من الحاجة إليه في سائر الأزمان ، وكان الثابت على دينه فيها له أجر خمسين من بعض الصحابة.
5- أولوية عمل القلب على عمل الجوارح : وذلك لأن :
أ- أعمال الظاهر نفسها لا تقبل عند الله ما لم يصحبها عمل باطن هو أساس القبول وهو النية الخالصة لله المجردة عن الرغبات الذاتية والدنيوية
. ب- القلب هو :
1- حقيقة الإنسان
2- وعليه مدار صلاحه أو فساده
3- وهو موضع نظر الرب
4- وبسلامته تكون النجاة في الآخرة 5-
وتقوى الله في حقيقتها ولبها أمر قلبي
6- وكل الأخلاق والفضائل والمقامات الربانية أمور تتعلق بالقلب. ومن الخطإ أن يركز بعض المتدينين عامة والدعاة خاصة على بعض الأعمال والآداب المتعلقة بالظاهر أكثر من الباطن وبالشكل أكثر من الجوهر والروح. ومهما يكن وضع الظاهر لا يأخذ الأولوية في الدين. وأكثر المدققين فيها يغفلون عن التدقيق في أمور أشد خطرا وأعمق أثرا...
6- اختلاف الأفضل باختلاف الزمان والمكان : إن أفضلية أعمال الدنيا وأفضلية العبادة تختلف باختلاف المؤثرات الزمانية والبيئة والشخصية... ولهذا اختلف في : أ
- أفضل الأعمال الدنيوية : فقيل : أفضلها وأكثرها مثوبة الزراعة ، وقيل الصناعة ، وقيل التجارة. ولكل ورد دليله من الأحاديث في تضفضيل واحدة من هذه الثلاث. والصواب : عدم تفضيل واحدة بإطلاق بل بالتفصيل بحسب حاجة المجتمع
ب- أفضل العبادات : وانقسموا إلى أربعة أصناف
  الصنف الأول : عندهم أنفعها وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها لبعده عن أهواء النفس وهو حقيقة التعبد. وهؤلاء هم آهل المجاهدات والجور على النفوس
الثاني : عندهم أفضلها التجرد و الزهد في الدنيا والتقلل منها وطرح الاهتمام بها. وهؤلاء قسمان : فعوامهم رأوا أن هذا غاية... وخواصهم رأوه مقصودا لغيره...
الثالث : عندهم أنفعها وأفضلها ما كان فيه نفع متعد لا القاصر...
الرابع : عندهم أفضلها العمل على مرضاة الله في كل وقت بما يقتضي الوقت من وظيفة إيثارا لمرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق. والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد. فمتى خرج أحدهم من النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته...
خامسا : مجال المأمورات :
1- أولوية الأصول على الفروع ؛ إذ أول ما ينبغي الاهتمام به في مجال المأمورات الشرعية هو تقديم أركان الإيمان ؛ وذلك أن العقيدة هي الأصل والتشريع فرع عنها وعلى قدر تمكن الإيمان تكون الثمرة من العمل من فعل المأمور واجتناب المحظور. والعمل الذي لم يؤسس على إيمان صحيح لا وزن له عند الله (كسراب) ولهذا كان الأولى تصحيح العقيدة وتجريد التوحيد ومطاردة الشرك والخرافة وتعميق بذور الإيمان في القلوب حتى تغدو كلمة التوحيد حقيقة في النفس ونورا في الحياة يبدد ظلمات الكفر والسلوك. وبقدر ما في القلوب من هذه الكلمة تحترق الشبهات والشهوات وتظهر الأنوار يوم القيامة.
2- أولوية الفرائض على السنن : إذ الأعمال تتفاوت في رتبة طلبها : - فمنها المأمور به على جهة الندب والاستحباب
- ومنها على جهة الفرض والإيجاب
- ومنها ما هو بين ما كان فوق المستحب ودون الفرض ويسميه بعض الفقهاء بالواجب. ومن الواجب المفروض ما هو مفروض على الكفاية ومنه ما هو فرض عين. وفروض الأعيان منها فرائض ركنية ومنها ما ليس كذلك. وقد أختلف في الواجب والفرض هل هما بمعنى واحد أم مختلفان ؛ فمنهم من فرق بينهما فقال الفرض ما تبت بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت بدليل غير مقطوع به ، ومنهم من لم يفرق فقال كل ما ثبت بدليل فهو فرض وهو الواجب. وفقه الأولويات يقتضي أن نقدم الأوجب على الواجب والواجب على المستحب ، وأن نتساهل في السنن والمستحبات ما لا نتساهل في الفرائض والواجبات ، وإن نؤكد أمر الفرائض الأساسية على أكثر من غيرها...
وبالتالي من الخطأ الاشتغال بالسنن والتطوعات عن الفرائض كما هو حال كثير من الناس ؛ فلقد قرر فقهاء الإسلام أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ففرائض العبادات تاركها يصير ظالم متعد بخلاف مكارم الشرع ، وتحري الفرائض من باب العدل وتحري المكارم من باب الفضل ؛ فلا يقبل تنفل من أهمل الفرض وتفضل من أهمل العدل فالعدل فعل ما يجب والفضل زيادة على ما يجب ولذلك قيل لا يستطيع الوصول من ضيع الأصول، ومن شغل بالفرض عن الفضل فمعذور ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور وقد قدم الله تعالى العدل إلى الأحكام على الإحسان إلى المكارم بقوله تعالى : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(
3- أولوية فرض العين على فرض الكفاية ؛ ذلك أن فرض الكفاية قد يوجد من يقوم به فيسقط الإثم عن الآخرين ، أما فرض العين فلا بديل له ولا يقوم به احد مقام من تعين عليه؛ ولذ قدم صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على جهاد الطلب فقال : "ففيهما فجاهد" وقال : "قابل الله في برهما ، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد". وفروض الكفاية تتفاوت فيما بينها ؛ ففرض الكفاية الذي لم يقم به أحد يكون الاشتغال به أولى مما قام به البعض ، ولو لم يسد كل الحاجة ، وفرض الكفاية الذي لم يقم به عدد كاف الاشتغال به أولى من مما قام به عدد كاف وربما زاد عن الحاجة.. وقد يصبح فرض الكفاية في بعض الأحيان فرض عين على شخص معين دون غيره لأنه الوحيد الذي اجتمعت له مؤهلات القيام بهذا الفرض ووجد عنده الموجب لقيامه ولم يوجد المانع منه.
4- أولوية حقوق العباد على حق الله المجرد ، وكذلك فروض الأعيان متفاوتة ؛ ففرض العين المتعلق بحق الله تعالى وحدة يمكن التسامح فيه بخلاف فرض العين المتعلق بحقوق العباد ، لذلك قال العلماء : حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة. فأداء الدين مقدم على الحج ويغفر الله للشهيد كل شيء إلا الذنب ويحرم من شرف الشهادة عن غل قبل القسمة.
 5- أولوية حقوق الجماعة على حقوق الأفراد ؛ إذ الفرائض المتعلقة بحقوق الجماعة مقدمة على الفرائض المتعلقة بحقوق الأفراد ؛ فالفرد لا بقاء له إلا بالجماعة. والشرع يؤثر الكلي على الجزئي ؛ وإذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين. ولذلك كان الجهاد الدفعي مقدم على بر الوالدين ، ويقتل المسلم إذا تترس به الكافر، وفرض الضرائب على القادرين إذا اقتضته ظروف الجرب ، وغيره مما شابه هذا ، وذلك أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي ، وإذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين.
6- أولوية الولاء للجماعة والأمة على الولاء للقبيلة والفرد : أكد هذا الولاء في القرآن والسنة ؛ فلا فردية ولا عصبية ولا شرود عن الجماعة ؛ فالولاء لله وللرسول ولجماعة المؤمنين (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)) – المائدة- ، والعدل لله فوق كل العواطف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ...) (النساء : 135 ). وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض عبارات الجاهلية مفهوما جديدا يتفق مع ديننا ، وحذر من الدعوة للعصبية وأنكرها وبرئ منها وممن دعا إليها أو قاتل أو مات عليها.. والشرع يبرز كل ما يتعلق بأمر المجتع والأمة ويعطيه أولوية في سلم المصالح والمطالب ويغرس في نفس المسلم الشعور بالجماعة في كل أحكامه وتعاليمه. سادسا : في مجال المنهيات : المنهيات متفاوتة ؛ فأعلاها الكفر بالله وأدناها المكروه تنزيها ، والكفر أيضا درجات بعضها فوق بعض ؛ فهناك :
1- كفر الإلحاد والجحود وهو كفر الماديين ، ودون هذا الكفر :
2- كفر الشرك في الأولوهية والذي هو صور مختلفة ؛ فمنه شرك وثنيي العرب وشرك مجوسيي الفرس ووثنيي الهندوس والبوذيين ، ودون هذا :
 3- كفر أهل الكتاب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم بما يصحح مفاهيمهم عن الألوهية وينفي عنهم ما دخل عليهم من تأثير الوثنية الرومانية عليهم.. ومع ذلك يعدون في الجملة أقرب من غيرهم إلى المسلمين ولذلك جازت مؤاكلتهم ومصاهرتهم وحزن المسلمون حين غلب الفرس الروم... وهم أيضا منهم المسالم فله المسالمة ومنهم المعادي المحارب فنحن نحاربه ، ومنهم من كفر فقط ومنهم من كفر وظلم وعاند وصد عن سبيل الله وكل له حكمه ، ومنهم أهل الذمة الذين لهم حقوق المواطنة كالمسلمبن... وشر أنواع الكفر :
4- كفر أهل الردة التي تمثل خيانة للإسلام وأمته ؛ إذ هي ليست مجرد موقف عقلي يتغير ، إنما هي تغيير للولاء والعضوية من جماعة إلى أخرى مضادة أو معادية ، ولذلك شدد الإسلام في مقاومتها خصوصا إذا أعلنت عن نفسها وأصبح المرتدون دعاة إليها ؛ إذ فساد العقيدة اخطر من فساد اخذ الأموال وسفك الدماء. وقد صحت الأحاديث في قتل المرتد وهو قول الجمهور ، وروي عن عمر ما يدل على جواز سجن المرتد واستبقائه حتى يراجع نفسه ويتوب وبه أخذ النخعي والثوري ،وهذا في الردة الصامتة لا المجاهرة الداعية ويجب أن نميز بين الردتين. ومن أغلظ أنواع الكفر وأشدها خطرا : كفر النفاق ؛ فأصحابه يعيشون في المسلمين باعتبارهم منهم وهم مع ذلك أعداء له في الباطن ، ولذلك كثرت فيهم آيات القرآن في بعض السور وادخر الله لهم أسفل دركات النار... التفريق بين الأكبر والأصغر من الكفر والشرك والنفاق : فكل منها فيه أكبر وأصغر والأكبر هو المراد عند الإطلاق ؛ ولكن نصوص الشرع قد وردت بإطلاق كلمات الكفر والشرك والنفاق على المعاصي ولا سيما الكبائر منها فلا تختلط علينا الأمور فنتهم بعض العصاة بالكفر الأكبر أونعتبرهم أعداء لنا ونعلن الحرب عليهم ؛ فالأكبر هو الكفر بالله ورسالاته ، وأصحاب هذا الكفر إما أن يكونوا ممن تبين له الهدى عقابهم في الآخرة يتوقف على مدى مشاقتهم للرسول ، وإما ممن لم يتبين له لعدم البلاغ أو وصوله مشوها فلا يحمل على النظر والبحث فيها معذور )... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء : 15 ). والمسلمون مسؤولون عنهم إن لم يبلغوا بلاغا مبينا. والأصغر هو المعاصي مهما يكن مقدارها ؛ كترك الصلاة كسلا لا جحودا واستهزاء وكالحكم بغير ما أنزل الله.. وهو ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة ؛ فالسعي إما شكر وإما كفر وإما ثالث لا من هذا ولا من ذاك...
1- والشرك الأكبر هو الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ولا يغفر إلا بالتوبة ؛ كسجود المريد لشيخه أو حلق الرأس أو التوبة أو النذر له ، والأصغر كالرياء والحلف بغير الله وكقول ـ مثلا ـ : "هذا من الله ومنك ، أو أنا بالله وبك ، أو لولا أنت لم يكن كذا...". وقد يكون هذا أكبر بحسب قائله ومقصده.
 2- والنفاق الأكبر هو نفاق العقيدة ، والأصغر نفاق العمل وهو الذي يتخلق صاحبه بأخلاق المنافقين ويسلك سلوكهم مع صحة معتقده.
3- والمعاصي مرتبتان ؛ كبائر وصغائر ؛ فالكبائر وهي الذنوب الجسيمة الخطر الموجبة لغصب الرب واستحقاق النار وقد توجب على صاحبها حدا في الدنيا. وقد أختلف في تحديدها اختلافا شديدا لعل أقربها : أنها كل معصية شرع الله لها حدا في الدنيا أو أوعد عليها في الآخرة بوعيد شديد أو استحقاق غضب الله ولعنته. وهي تتفاوت ؛ فمنها الكبيرة ، والأكبر ، وأكبر الكبائر... وفرق الشرع بين المعصية التي ترتكب بدافع الضعف كالزنا وبين التي ترتكب بدافع البغي كالربا... وكبائر معاصي القلوب أشد إثما وأعظم خطرا من كبائر الأعمال الظاهرة وهذا هوا الفرق بين معصية آدم الظاهرة التي سرعان ما تاب منها وبين معصية إبليس الباطنة التي انتهت به إلى سوء العقاب. ولذلك جاء الترهيب الشديد من الكبر والتكبر واحتقار الغير ودواعي ذلك.. وكان الحسد كإثم باطن دافع قتل ابن آدم أخاه وسبب مذمة اليهود ومانعا لهم من الإسلام وسبب كيدهم.. وجعله صلى الله عليه وسلم مع البغضاء من أدواء الأمم الخطيرة .. وكان الشح المطاع والهوى المتبع والإعجاب بالنفس سببا للهلاك.. وكان الرياء محبطا للقبول ، والحرص على الدنيا حبا للمال والجاه والمنصب رأس الخطايا وسبب وهن الحياة وضياع الآخرة... والصغائر هي التي لا يكاد يسلم منها احد من الإلمام بها حينا من الزمن وتفترق عن الكبيرة بأنها تكفر بالحسنات وباجتناب الكبائر الذي وصف الله المحسنين به ،وهي وإن سامح الشرع فيها وخفف لا يستهان بها ويصر عليها فاجتماعها إلى بعضها يصيرها كبيرة وهي تجر إلى الكبائر والكبائر تجر إلى الكفر... وتتفاوت ـ أيضا ـ المعصية الواحدة باختلاف مرتكبها وظروفه ؛ فزنا الشيخ غير زنا الشاب ، والمحصن غير العازب... ويلحق بالمعاصي ما أحدثه الناس في أمر الدين سواء في الأقوال (الاعتقاد) أم الأفعال والمجدثات (البدع) أحب إلى إبليس وأخطر على الدين ويكمن خطرها في مخالفتها الدين وفاعلها يعتقد ببدعته انه يطيع الله فلا يتوب منها. والبدع تتفاوت ؛ فمنها المغلظة ومنها المخفف ، ومنها المتفق عليها ومنها المختلف فيها... والبدعة المغلظة منها ما يصل بصاحبها إلى الكفر كالفرق التي خرجت عن أصول الملة ، ومنها ما لا تصل به الكفر بل ؛ إلى فسوق الاعتقاد لا السلوك والمخففة هي التي نتجت عن خطإ في الاجتهاد أو التباس في الاستدلال ، والمختلف فيها هي التي أقرها قوم وأنكرها آخرون كالتوسل بالنبي والصالحين والالتزام بالعبادات. وكذلك يتفاوت المبتدعون ؛ فمنهم المبتدع في نفسه فقط ومنهم المبتدع الداعية.
 4- ويأتي بعد صغائر المحرمات الشبهات فهي عند قوم ما لا يعلمه كثير من الناس ويشتبهون في حلها أو تحريمها ؛ فمن كان من أهل الاجتهاد فعليه التزام رأيه دون تنازل لخوطر الآخرين ، ومن كان من مقلدا وسعه تقليد من يثق به من المجتهدين ن ومن اضطرب عليه الأمر كان الأمر شبهة في حقه ينبغي له أن يتقيها استبراء لدينه وعرضه ، ويجب على الجاهل في الأمر المشتبه فيه أن يسال العالم الثقة. وعند الإمام أحمد الشبهة منزلة بين الحلال المحض والحرام المحض، وله تفسير آخر بأنها اختلاط الحلال بالحرام. ويختلف ـ أيضا ـ الناس في الشبه باختلاف أنظارهم وطبائعهم ومواقفهم من الشبه ؛ فمنهم الموسوس الذي يبحث عنها لأدنى ملابسة حتى يجدها ويزيل يقينه بظنه ، ومنهم المتشدد المستدل بما صح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل فعله صلى الله عليه وسلم كالمستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأل عن آنية أهل الكتاب وهم يأكلون الخنزير ويشربون الخمر : "إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها" مع أنه صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي واكل طعامه وكان هو وأصحابه يستعملون ما يجلب لهم من بلاد أهل الكتاب من الملبوسات والأواني.
 5- وتأتي المكروهات تنزيها في أدنى مراتب المنهيات ، وهي ما كانت إلى الحلال أقرب وهي المرادة عند الإطلاق ، فإن كانت إلى الحرام أقرب فهي المكروه تحريما. سابعا : مجال الإصلاح : ومن الأولويات المهمة هنا :
1- أولوية بناء الفرد قبل بناء المجتمع ( أو تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات) وأول ما يبنى الإنسان بالأيمان من خلال الحلقات ومجالس الإيمان كما فعل صلى الله عليه وسلم طيلة 23 عاما في مكة.
 2- أولوية التربية قبل الجهاد ؛ فالتربية جهاد للنفس نوع وجهاد الأعداء فرع عن جهاد النفس ، والجهاد مراتب أربع :
أ- جهاد النفس.
ب- وجهاد الشيطان.
ج- وجهاد الكفار
. د- وجهاد المنافقين.
وجهاد النفس مراتب أربع
 : أ- جهادها على تعلم الهدى ودين الحق
. ب- وجهادها على العمل بالعلم
. ج- وجهادها على الدعوة إلى هذا العلم وتعليمه من لا يعلمه.
د- وجهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق. وجهاد الشيطان مرتبتان
  أ- جهاده على دفع ما يلقيه الشيطان في القلب من الشبهات والشكوك.
ب- وجهاده فيما يلقيه في النفس من الإرادات الفاسدة والشهوات
وجهاد الكفار والمنافقين مراتب أربع
 أ- جهادهم بالقلب
. ب- وباللسان
. ج- وبالمال
. د- وبالنفس.
وأغلب المراتب داخلة في التربية المنشودة. ونقدم التربية على الجهاد لأن
أ- الجهاد في الإسلام ليس أي جهاد بل بنيَّة خاصة لغاية خاصة.
ب- التمكين هو الغاية من الجهاد ، ولا يتحقق إلا على أيدي مؤمنين صادقين يستحقون النصر والتمكين ج- سنة الله ألاّ يحقق هذا النصر والتمكين إلاّ بعد ابتلاء ومحن وشدائد ، ولا يثبت عنها إلاّ من تربى على معاني الإيمان.
3- أولوية المعركة الفكرية ؛ ولها مجالان أساسيان
أ- خارج الساحة الإسلامية مع الملاحدة والمنصرين والمستشرقين
ب- داخل الساحة الإسلامية لتصحيح الاتجاه في فصائل العمل الإسلامي وترشيد سيرته وفي الساحة الإسلامية تيارات أربعة
 أ- التيار الخرافي القائم على : - انحراف الاعتقاد - والابتداع في العبادة - والجمود في الفكر - والتقليد في الفقه - والسلبية في السلوك - والمسايرة أو المداهنة في السياسة. ب- التيار الحرفي المتميز بـ : - الجدال في العقيدة - الشكلية في العبادة - الظاهرية في الفقه - الضيق بالخلاف - الجزئية في الاهتمام - الجفاف في الروح - الخشونة في الدعوة ج- تيار الرفض والعنف المتميز بـ : - الشدة في الالتزام بالدين - الاعتزاز بالذات اعتزازا يؤدي إلى نزعة الاستعلاء على المجتمع - وسوء الظن بالآخرين جميعا - الأفق في فهم الدين والواقع والسنن الكونية والاجتماعية - واتخاذ القوة سبيلا لتحقيق الأهداف د- التيار الوسطي المتميز بـ : - فقه الدين بشموله واتزانه - وفقه الواقع دون تهوين ولا تهويل - وفقه السن الإلهية التي لا تتبدل في المجتمع البشري - فقه مقاصد الشريعة وعدم الجمود على ظواهرها - وفقه الأولويات والموازنات - وفقه الاختلاف وآدابه مع الفصائل الإسلامية الأخرى - الجمع بين السلفية والتجديد - بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر - وإبراز القيم الاجتماعية والسياسية في الإسلام كالحرية والكرامة والعدالة وحقوق الإنسان - والحوار بالحسنى - واتخاذ الجهاد سبيلا للدفاع عن حرمات المسلمين وديارهم
4- أولوية التربية والإعلام على التطبيق القانوني للشريعة وإقامة الحدود جانب مهم ؛ لكن لا ينبغي المبالغة فيه واعتباره رأس المر والناس لن تقبلها دون أن تتشبع بمعانيها ولهذا كان لابد من الاهتمام بالتربية الإسلامية المتابع للمسلم من الحضانة حتى التخرج من الجامعة وفي كل المواد العلمية وليس في التربية الإسلامية وحسب ، والإعلام لابد من إعطائه أهمية : كونه من أشد المؤثرات في اتجاهات الناس الفكرية والنفسبة فلا بد من العمل على
أ- إعداد إعلاميين إسلاميين في كل المجالات
. ب- محاولة كسب الإعلاميين الحاليين إلى قافلة الدعاة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق