الخميس، 18 أغسطس، 2011

الأزهر الشريف يقدم مفاجأة سارة للمصريين

 محيط : جيهان مصطفى 
 
فيما اعتبر خطوة إيجابية جدا من شأنها أن تضع حدا للجدل المحتدم منذ أسابيع بين الإسلاميين والليبراليين حول معضلة "المبادئ فوق الدستورية " ، توافقت القوى السياسية المشاركة في الاجتماع العاجل الذي دعا إليه الدكتور أحمد الطيب في 17 أغسطس على وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر والتي ستكون بمثابة إطار استرشادي للجنة التأسيسية البرلمانية التي سيخول لها وضع الدستور الجديد للبلاد .
واللافت للانتباه أن التطور السار السابق جاء بعد أن تدخل شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وجمع الفرقاء في مقر المشيخة وبحث الخلاف فيما بينهم ، الأمر الذي أسفر في النهاية عن توافق القوى السياسية على الوثيقة التي كان أعلنها الطيب قبل أسابيع وتؤكد مدنية الدولة.
ورغم أن كثيرين اعتبروا هذا التطور بداية النهاية للخلاف بين القوى الإسلامية الرافضة وضع مبادئ فوق دستورية والقوى الليبرالية المصرة على تبني هذه المبادئ والذي وصل إلى حد التهديد بالاحتكام إلى الشارع و حشد الأنصار في استعراض للقوة ، إلا أن الأمر الذي بعث أكثر وأكثر على الارتياح هو أن تدخل الأزهر لحل هذا الجدل يعتبر مؤشرا على دور مؤثر له في المرحلة المقبلة .
ولعل إلقاء نظرة على تفاصيل اجتماع 17 أغسطس في مشيخة الأزهر وردود أفعال المشاركين فيه تدعم صحة ما سبق  ، فقد شارك في الاجتماع تسعة من مرشحي الرئاسة المحتملين بينهم عمرو موسى ومحمد البرادعي وأيمن نور وعبد الله الأشعل والمستشار هشام البسطويسي ومحمد سليم العوا ، إضافة إلى القياديين في جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي وعصام العريان وعبدالرحمن البر .
كما شارك في الاجتماع ممثلون عن 10 أحزاب سياسية، إضافة إلى ممثلين عن السلفيين وائتلاف شباب 25 يناير ومفكرين إسلاميين وأساتذة قانون والجمعية الشرعية والطرق الصوفية وخبراء اجتماعيين ومفتي مصر السابق الدكتور محمد فريد واصل.
وأشار الأزهر في بيان له إلى أن الاجتماع شهد توافقاً حول الوثيقة لكي تأخذ مكانها في توجيه العمل الوطني السياسي كونها تحتوي على مبادئ عالمية وإنسانية من أعماق الشريعة وتؤكد أهمية مصر وتعكس العمق الخالد والأصيل للأزهر.
وشدد البيان على تمسك الوثيقة بالشريعة الإسلامية السمحة بما فيها من نهوض بكرامة الإنسان والتأكيد على الإيمان والعدل والحق والخير والسلام ، كما أكد دور الأزهر الذي يسمو على السياسة والحزبية والمذهبية ويتجلى في اللحظات الفارقة من حياة مصر ويقف موقفا محايدا من جميع الأحزاب والفرقاء والتيارات والجماعات والائتلافات سعيا وراء مصلحة الوطن وترسيخ حياة معاصرة جديدة لمصر تقوم على قيم العدالة والديموقراطية والحرية ودعم البحث العلمي، وهو ما لمسه ورحب به كل المشاركين في الاجتماع.
وجاء في بيان الأزهر أيضا أن الوثيقة شددت على مباديء المواطنة وسيادة الدستور ومبادئ ثورة 25 يناير النابعة من أعماق شعب مصر الواعي بذاته وبتاريخه وحضارته المتراكمة عبر التاريخ كما شددت على ضرورة التجميع والتقريب والاتحاد حول الأهداف والآمال والطموحات المصرية التي تحمل هموم الوطن في هذه المرحلة الحاسمة من حياته.
وكان الطيب حذر خلال الاجتماع من أن تنوع الاجتهادات حول البناء السياسي والدستوري المقبل لن يكون محموداً إلا إذا ظل في إطار وحدة الوطن وأهدافه العليا.
وأكد في هذا الصدد حياد الأزهر بين كل الفرقاء وأنه ليس من شأنه الدخول في السياسة ، معتبراً "وثيقة الأزهر" استرشادية عند وضع الدستور وميثاق شرف يلتزم به الجميع طواعية " ، وهو الأمر الذي أكده أيضا العريان مشدداً على أن "الوثيقة استرشادية للجنة التأسيسية" وأنها "غير ملزمة" .
واعتبر العريان أن التوقيع على هذه الوثيقة يقطع الطريق أمام حال الجدل المتفجر على الساحة في مصر حول المبادئ فوق الدستورية، كما أنها تعد "إقراراً بدور الأزهر والمرجعية الإسلامية للدولة".

ومن جانبه ، أشاد البرادعي بالوثيقة ، وقال :" إن المجتمعين توافقوا من دون استثناء على اعتمادها إطاراً عاماً استرشادياً للجنة وضع الدستور، معتبرا أن اجتماع 17 أغسطس يبعث برسالة مفادها أن الأزهر يستعيد دوره.
وأعرب كل من عمرو موسى ومحمد البرادعي وأيمن نور ومحمد سليم العوا أيضا عن تأييدهم لوثيقة الأزهر، معتبرين أنها تسهم في تحقيق الدولة الديموقراطية الدستورية الحديثة في مصر.
كذلك، أعرب المتحدث باسم الجماعة السلفية عبد المنعم الشحات عن دعمه للوثيقة كإطار استرشادي توافقي للمرحلة المقبلة ولصياغة الدستور ، وقال إن الجماعة كان لها بعض الملاحظات على الوثيقة وقد تفهمها شيخ الأزهر، مشيراً إلى أن الوثيقة بإقرار مبادئ الدولة الديمقراطية الدستورية الحديثة أزالت جدلا سابقا حول مدنية أو إسلامية الدولة. 

بنود الوثيقة  

وبصفة عامة ، فقد أجمع كثيرون على أن التوافق على الوثيقة التي تطالب بدولة ديمقراطية على أساس دستور توافقي وأن تكون الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع يمثل "لحظة تاريخية لمصر" ولذا لا مفر من إلقاء نظرة على تفاصيل بنودها والتي جاءت كالتالي :
أولا :  دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح .
الإسلام لم يعرف لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف فى الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية .
ثانياً : اعتماد النظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، الذي هو الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شئون الدولة بالقانون – والقانون وحده- وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها .
ثالثاً : الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع .
رابعاً : الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة في حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أية تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين .
خامساً : تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، والتمسك بالمنجزات الحضارية في العلاقات الإنسانية، المتوافقة مع التقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية، والمتسقة مع الخبرة الحضارية الطويلة للشعب المصري في عصوره المختلفة، وما قدمه من نماذج فائقة في التعايش السلمي ونشدان الخير للإنسانية كلها .
سادساً : الحرص التام على صيانة كرامة الأمة المصرية والحفاظ على عزتها الوطنية، وتأكيد الحماية التامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية دون أية مُعوِّقات، واحترام جميع مظاهر العبادة بمختلف أشكالها، دون تسفيهٍ لثقافة الشعب أو تشويهٍ لتقاليده الأصيلة، وكذلك الحرص التام على صيانة حرية التعبير والإبداع الفني والأدبي في إطار منظومة قيمنا الحضارية الثابتة .
سابعاً : اعتبار التعليم والبحث العلمي ودخول عصر المعرفة قاطرة التقدم الحضاري في مصر، وتكريس كل الجهود لتدارك ما فاتنا في هذه المجالات، وحشد طاقة المجتمع كلّه لمحو الأمية، واستثمار الثروة البشرية وتحقيق المشروعات المستقبلية الكبرى.
ثامناً:  إعمال فقه الأولويات في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة، وبما يفجر طاقات المجتمع وابداعاته في الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية  على أن يأتي ذلك على رأس الأوليات التي يتبناها شعبنا في نهضته الراهنة، مع اعتبار الرعاية الصحية الحقيقية والجادة واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعاً .
تاسعاً : بناء علاقات مصر بأشقائها العرب ومحيطها الإسلامي ودائرتها الأفريقية والعالمية، ومناصرة الحق الفلسطيني، والحفاظ على استقلال الإرادة المصرية، واسترجاع الدور القيادي التاريخي على أساس التعاون على الخير المشترك وتحقيق مصلحة الشعوب في اطار من الندية والاستقلال التام، ومتابعة المشاركة في الجهد الانساني النبيل لتقدم البشرية، والحفاظ على البيئة وتحقيق السلام العادل بين الأمم .
عاشراً : تأييد مشروع استقلال مؤسسة الأزهر، وعودة "هيئة كبار العلماء" واختصاصها بترشيح واختيار شيخ الأزهر، والعمل على تجديد مناهج التعليم الأزهري ليسترد دوره الفكري الأصيل وتأثيره العالمي في مختلف الأنحاء.
حادي عشر: اعتبار الأزهر الشريف هو الجهة المختصة التي يُرجع إليها في شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة ، مع عدم مصادرة حق الجميع في إبداء الرأي متى تحققت فيه الشروط العلمية اللازمة، وبشرط الالتزام بآداب الحوار، واحترام ما توافق عليه علماء الأمة.
تصريحات عنان


الفريق سامى عنان

واللافت للانتباه أن الإعلان عن التوافق على وثيقة الأزهر جاء متزامنا مع الاجتماع الذي عقده رئيس أركان حرب القوات المسلحة نائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفريق سامي عنان مع مجموعة من المفكرين والكتاب المصريين في 17 أغسطس أيضا وتطرق النقاش فيه إلى الجدل حول المبادئ فوق الدستورية ، حيث أكد عنان أن الجيش لن يفرض أي شيء على الشعب وأنه لم يصدر عنه أي إعلان بخصوص هذا الأمر الذي يتركه لتوافق القوى السياسية.

وتعهد عنان بـ "الدفاع عن مدنية الدولة"، وشدد على أن الدولة المدنية "قضية أمن قومي وليست محل مساومة على الإطلاق" ، كما تعهد مجددا بأن يسلم الجيش المصري الحكم إلى سلطة مدنية من خلال برنامج عملي محدد بعد إجراء انتخابات حرة ونزيهة يضرب بها المثل في العالم بأكمله.
ولفت كذلك إلى أن القوات المسلحة هي درع الوطن ترعى مصالحه وستظل ضامنة لكرامته وحقوقه ولا يجب أن يزايد عليها أحد أو يشكك في موقفها الثابت منذ أحداث 25 يناير ، خاصة وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أخذ على عاتقة وقوفه إلى جانب الشعب المصرى و مساندة مطالبه المشروعة وهو ما أعلنه فى بيانه الصادر فى الأول من فبراير وكان النظام السابق ما زال قائما.
وأكد الفريق سامي عنان أيضا أن القوات المسلحة قدمت بروح المقاتلين والفرسان مصلحة الوطن كجزء من رد الجميل لشعب مصر العظيم وأن القوات المسلحة تضع أمامها غاية واحدة هي مصر .
وشدد على أهمية توافر الرغبة لدى الجميع لمواجهه التحديات الموجودة الآن على الساحة والسعي لحلها واستمرار سياسة الحوار والنقاش، مؤكداً أن المجلس العسكري على استعداد للتحاور مع أي فصيل، أيا كان، طالما الهدف هو مصلحة هذا الوطن.
كما أكد عنان أن المحاكمات تتم وفقا للقانون ودون أى تدخل من القوات المسلحة أو أيه جهة حكومية ، موضحا أنه لا أحد فوق القانون وأن القوات المسلحة تراعى حق المواطنين طبقا للقانون وأنها تقف على مسافة واحدة من جميع أطياف المجتمع بمختلف تياراتهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم ، قائلا :" على الجميع تفضيل المصلحة العليا للوطن بعيدا عن الأهداف أو المطامع الشخصية أو الحزبية أو الفئوية باعتبار أننا جميعا مصريون".
والخلاصة أن تزامن تصريحات عنان مع التوافق على وثيقة الأزهر إنما جاء في توقيت هام جدا ليطمئن المصريين أكثر وأكثر حول مضي ثورتهم قدما في تحقيق أهدافها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق