الخميس، 4 أغسطس، 2011

عن بداية التيار العلماني في مصر

عن بداية التيار العلماني في مصر…

 

كتب :خالد صقر في أفكار


بدأ انتشار الفكر العلماني الغربي في الوطن العربي مع دخول الإحتلال الفرنسي إلي مصر في عام 1798 ، حيث كان أول احتكاك حقيقي وفعال بين الثقافة الإسلامية العربية وبين الحضارة الأوروبية الناشئة علي مبادئ العلمانية المادية والمسيحية البروتستانتية ، وبخروج هذه الحملة العسكرية سريعاً ، لم ينته ذلك الإحتكاك كما تصور الكثيرون ، بل كانت البداية لبناء جيل كامل من (النخبة) المثقفة في مصر والوطن العربي التي تدين بالولاء لأصول هذه الحضارة الأوروبية الناهضة ، وقد كان العثمانيون في ذلك الوقت من الضعف بحيث أنهم لم يتسطيعوا مواجهة ذلك المد الحضاري والثقافي لأوروبا في البلاد العربية.
رفاعة الطهطاوي...مؤسس العلمانية المصرية
كان لمحمد علي والي مصر أبلغ الأثر في نشر الفكر العلماني عن طريق إيفاد البعثات العلمية من الأزهر الشريف إلي الجامعات الفرنسية ، حيث بهرت أضواء باريس هؤلاء المشايخ المعممين الذين جاؤوا من الريف المصري بغير زاد حقيقي من العلوم الطبيعية ولا الشرعية التي تمكنهم بنجاح من خوض مواجهات فكرية مع الحضارة الفرنسية ، فكان أن (تعلمن) هؤلاء المشايخ وعادوا إلي مصر مفتونين منبهرين ، ليس بمفردات التقدم الماديّ الأوربيّ فقط ، وإنما بالأسس التي قامت عليها حضارة الأوربيين من (فصل للدين عن الحياة العامة وخاصة النظم السياسية) و(إطلاق الحريات الشخصية) و (المساواة بين الرجل والمرأة) ، إلي آخر المبادئ المعروفة التي احتفي بها رفاعة الطهطاوي (1801-1873 م) وغيره من تلامذة الغرب في تلك الحقبة ، ، وغيره من تلامذة الغرب في تلك ‏الحقبة ، ولعل أفضل من كتب عن دور رفاعة الطهطاوي في مهاجمة الثقافة أفسلامية في مصر هو فضيلة ‏الدكتور هاني السباعي في كتابه القيم دور رفاعة الطهطاوي في تخريب الهوية الإسلامية” المنشور بفعاليات مركز المقريزي للدراسات التاريخية.‏
إستمر ذلك الجيل حيناً من الزمان ، ومع دخول المحافل الماسونية إلي ديار الإسلام خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، ظهر جيل من العلمانيين أقوي من سابقه ، رجاله مسلحين بالفلسفة والمنطق والخطابة ، وظهر منهم الإقتصاديين والساسة وكبار رجال الدولة ، فحدث أن أصبح (نخبة) الدولة في مصر في تلك الحقبة مكونة تكويناً خالصاً من (العلمانيين) المتنكرين لمفردات الحضارة الإسلامية بشكل كامل ، والساعين لنسخ الحية الأوروبية في مصر نسخاً دقيقاً يحول مصر من بلد (إسلامية) حتي ذلك الحين إلي بلد (علمانيّ) كفرنسا وإنكلترا وغيرهما من الدول الأوروبية الناهضة مادياً في ذلك الحين.
ولكن التحدي الرئيسي الذي واجه الجيل الثاني من العلمانيين العرب ، كقاسم أمين (1863-1908) والأفغاني (1838-1897) وأحمد لطفي السيد (1872-1963) وغيرهم ، أن التراث الإسلامي كان متأصلاً إلي حد كبير بين طلاب الأزهر ومشايخه ممن لم يسافر إلي أوروبا – وهم الأغلبية في ذلك الوقت – وكان تأصل ذلك التراث مانعاً حقيقياً يحول بين انتشار الفكر العلماني ومفرداته بين طبقات الشعب المصري التي كانت تبجل الأزهريين وتنقاد لهم في ذلك الوقت ، ويرجع تأصل التراث الإسلامي بين الأزهريين وطبقات الشعب المصري عامة إلي سببين ، الأول يتلخص في مكانة المذاهب الفقهية الأربعة عند الأزهريين والشعب بأكمله ، وجعلت تلك المذاهب الأربعة ، بتفصيلها الواضح وتدوينها لكل المسائل المتعلقة بالحياة الخاصة والعامة ، أبناء الشعب يستنكرون العديد من مفردات الثقافة العلمانية الجديدة ، والسبب الثاني هو التقاليد المصرية التي كانت في ذلك الوقت خليط من التقاليد العربية الأصيلة والتقاليد التركية المحافظة ، فكان من الصعوبة البالغة علي الجيل الثاني من العلمانيين أن يتقدموا في نشر فكرهم وثقافتهم مع إصطدامهم شبه الدائم مع المذاهب الأربعة ومع تقاليد المجتمع ، فكان أن واجهوا تلك التحديات بأمرين: الأول هو ما أسموه (فتح باب الإجتهاد) و(التجديد الديني) ولم يقصدوا بهذا فتح باب الإجتهاد لاستنباط أحكام فقهية تناسب التطور العلمي والمادي للأمة الإسلامية ، كلا ، بل قصدوا (إعادة كتابة أحكام الشريعة الإسلامية بما يناسب تبعية الدول الإسلامية للغرب ثقافياً وحضارياً) ، فظهرت الدعوات (لنبذ المذهبية) تحت راية (نبذ التعصب) ، وشتان بالطبع بين المذهبية والتعصب ، والأمر الآخر الذي واجهوا به التقاليد الإجتماعية والثقافية في مصر هو ما أسموه (الفن المسرحي) فكان أن أنشأت الفرق المسرحية علي يد فريق من غير المصريين ، بل من غير المسلمين ، علي رأسهم يعقوب صنوع (1839-1912) وجورج أبيض (1880-1959) ، وأخذت هذه الفرق المسرحية باستخدامها لعوامل الإبهار الفني الجديدة تسيطر علي وعي الطبقة المتوسطة من المصريين آنذاك وتهاجم كل التقاليد المحافظة للمجتمع المصري ، كالفصل بين الرجال والنساء ، وارتداء البرقع (النقاب) للنساء والترابط الأسري والعائلي ، إلي آخر قائمة الفضائل ومفردات الثقافة الإسلامية المصرية حينئذِ.
أما علي الجانب السياسي ، فقد عملت نخبة من رجال الدولة العلمانيين آنذاك علي إذكاء فكرة (القومية العربية) وفكرة (القومية المصرية) بين طلاب الجامعات والنقابات العمالية ، وكانت دعوتهم تقوم أساساً علي فكرة واحدة : هي قطع الصلة بين مصر والعالم الإسلامي ، واستبدال القومية العربية/المصرية بالقومية الإسلامية القائمة علي مبدأ (الخلافة) ومبدأ (وحدة المسلمين). ومن أشهر هؤلاء سعد زغلول (1858 – 1927) ومكرم عبيد (1889–1961).
فكانت هذه المحاور الثلاثة هي خط المواجهة بين العلمانية والثقافة الإسلامية في مصر: هدم المذهبية الفقهية بدعوي (التجديد) و(الإجتهاد) – إستخدام عناصر الفن لهدم التقاليد المحافظة – الدعوة للقومية العربية/المصرية في مواجهة الدعوة الإسلامية لإحياء الخلافة توحيد المسلمين.


هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

كان يدرس لنا في الازهر ومازال يدرس ان النهضة في مصر قامت بسبب مجيء الحملة الفرنسية الي مصر ومن بعدها سفر بعد مايسمي بالبعثات الي فرنسا ومنهم الطهطاوي وذكر مثلا كتاب تلخيص الابريز في وصف باريس ووقتها ووقتها كانت هذه الافكار الخبيثة تندمج مع افكاري بدون وعي لكن بعد فترة وبعد علي اطلاعي علي بعض الكتب مثل كتاب اعلام واقزام بدء الادراك شبه الكامل لدور هؤلاء الاقزام واتمني ان يعاد النظر في وضع المناهج وحسبي الله ونعم الوكيل في كل من ضللنا في كل شيء حتي في العقيدة

إرسال تعليق